لقد سبق القول أن المشرع الجزائري قد خول للمتخاصمين وسائل قانونية مخصصة لتبادل الإدعاءات أمام القضاء، و إضافة إلى الطلبات فقد نص التشريع على وسيلة أخرى هي الدفوع، و هي كل ما يجيب به الخصم على طلب خصمه قصد تفادي الحكم به أ التأخير في الحكم، و يعتبر كقاعدة عامة وسيلة في يد المدعى عليه للرد على دعوى المدي و تمكينه من الإعتراض عليها أو على إجراءاتها.

   هذا و تنقسم الدفوع إلى 3 أنواع تتمثل في: الدفوع الموضوعية، الدفوع الشكلية و الدفع بعدم القبول.

   و على هذا الأساس، و لتفصيل أكثر في موضوع الدفوع سيتم التطرق إلى:

-      الدفوع الموضوعية؛

-      الدفوع الشكلية؛

-      الدفع بعدم القبول.

أما بالنسبة للأهداف المبتغاة من هذه الدراسة فتتمثل في:

-       تمكين الطالب من معرفة ما المقصود بالدفع و ما هي أهم أنواعه؛

-       تبيان للطالب معنى الدفع الموضوعي و الوقت الذي يتم فيه إبدائه، و كذا تحديد طبيعة الحكم الصادر في الدفع الموضوعي؛

-       تحديد للطالب معنى الدفوع الشكلية و وقت إبدائها و طبيعة الحكم الصادر فيها؛

-       تمكين الطالب من معرفة أهم أنواع الدفوع الشكلية؛

-       تمكين الطالب من معرفة القواعد التي تحكم الدفوع الشكلية؛

-       معرفة أهم الفروقات الموجودة بين الدفوع الموضوعية و الدفوع الشكلية؛  

-       تبيان معنى الدفع بعدم القبول و القواعد التي تحكمه، و تحديد طبعية الحكم الصادر عنه.

أولا: الدفوع الموضوعية

   نصت عليها المادة 48 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، و هي الدفوع التي توجه إلى ذات الحق المدعى به، بغرض رفض الدعوى كليا أو جزئيا مثل الدفع ببطلان العقد، الدفع بالوفاء، الدفع بإنقضاء الدين بالمقاصة...الخ.

1 – وقت إبداء الدفوع الموضوعية: نظرا لطابع الأساسي لهذه الدفوع و الناجم عن كونها منازعة في الحق المدعى به، فقد أجاز التشريع الجزائري تقديمها أثناء سير الخصومة و في أي مرحلة كانت عليها الدعوى.

2 – الحكم بقبول الدفع الموضوعي: يعتبر الحكم الصادر في قبول الدفع الموضوعي هو حكم في موضوع الدعوى، أي حكما فاصلا في الموضوع و يرتب حجية الشيء المقضي فيه التي تمنع من تجديد النزاع أمام القضاء.

ثانيا: الدفوع الشكلية ( الإجرائية)

   و نصت عليها المادة 49 من نفس القانون أعلاه، فهي وسيلة في يد الخصوم توجه إلى إجراءات الخصومة من حيث صحتها أو إنقضائها أو وقفها.

1 – وقت إبداء الدفوع الشكلية: ألزم المشرع الجزائري أن يتم إبداء الدفوع الشكلية في آن واحد قبل أي دفع في الموضوع و الدفع بعدم القبول.

   و يترتب على إبداء هذه الدفوع بعد الدفوع الموضوعية و الدفع بعدم القبول، عدم قبولها و منه إجازة الإجراء المطعون فيه، لأن التنازل عن إبداء هذه الدفوع يفترض بمجرد التطرق لمناقشة موضوع الدعوى، إلا ما تعلق بالنظام العام كالدفع بعدم الإختصاص النوعي مثلا.

2 – الحكم الصادر في الدفوع الشكلية: يكتسي الحكم الصادر في الدفوع الشكلية حجية نسبية فيما قضى به من حيث الشكل فقط، ذلك أنه لم يتصدى للنزاع من حيث الموضوع و بالتالي يجوز عرضه على نفس الجهة القضائية من جديد بعد تصحيح الإجراء المعيب.

3 – أنواع الدفوع الشكلية: تنقسم الدفوع الشكلية إلى عدة أنواع تتمثل في:

1 – الدفع بعدم الإختصاص النوعي: و هو الدفع الذي يطلب به من المحكمة أن تمتنع عن الفصل في الدعوى المعروضة أمامها لخروجها عن حدود ولايتها، طبقا لقواعد الإختصاص النوعي للمحاكم وفقا للمادة 36 من نفس القانون أعلاه.

   هذا و يعتبر الإختصاص النوعي من النظام العام يجوز إثارته في أي مرحلة كانت عليها الدعوى ولو بعد الدفع في الموضوع.

2 – الدفع بعدم الإختصاص الإقليمي: و هو الدفع الذي يطلب به من المحكمة أن تمتنع عن الفصل في الدعوى المعروضة أمامها لخروجها عن الحدود الإقليمية المرسومة لكل جهة قضائية، فهز دفع غير مرتبط بالنظام العام ماعدا المادة 40 و المادة 807 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية من النظام العام.

3 – الدفع بوحدة الموضوع أو الإرتباط: و ينقسم إلى:

أ – وحدة الموضوع: و هي الحالة التي يرفع فيها نفس النزاع، إلى جهتين قضائيتين مختصتين و من نفس الدرجة و في نفس الوقت حسب المادة 53 من نفس القانون أعلاه.

   و في حالة التأكد من وحدة الموضوع، يجب على الجهة القضائية الأخيرة التي رفع إليها النزاع أن تتخلى عن الفصل في النزاع لصالح الجهة الأخرى إذا طلب أحد الخصوم ذلك، و يجوز للقاضي أن يتخلى على الفصل تلقائيا إذا تبين له وحدة الموضوع حسب المادة 54 من نفس القانون.

ب – حالة الإرتباط: و هي الحالة عند وجود علاقة وثيقة بين عدة قضايا مرفوعة أمام تشكيلات مختلفة لنفس الجهة القضائية، أو أمام جهات قضائية مختلفة و الت يتستلزم لحسن سير العدالة أن ينظر و يفصل فيها معا، مما يسمح بكسب الوقت و تفادي صدور أحكام غير متناقضة حيب المادة 55 من نفس القانون أعلاه. 

   و في حالة قيام الإرتباط بين القضايا تأمر آخر جهة قضائية أو آخر تشكيلة طرح عليها النزاع بالتخلي لصالح جهة قضائية أو تشكيلة، بموجب حكم مسبب بناء على طلب أحد الخصوم أو تلقائيا وفق للمادة 56 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

4 – الدفع بإرجاء الفصل: نصت عليه المادة 39 من نفس القانون أعلاه، و في هذا الدفع يكون القاضي ملزما بإستجابة لطلب الخصم المتضمن إرجاء الفصل في الخصومة إذا كان النص القانوني يقضي بمنح أجل.

   هذا و يستثنى الدفع بإرجاء الفصل من قاعدة وجوب إثارتها قبل الدفوع الموضوعية، ذلك أن هذا الدفع ذو طبيعة مزدوجة، فقد يكون في آن واحد دفعا إجرائيا و دفعا موضوعيا.

   حيث يكون دفعا موضوعيا إذا بني على سبب موضوعي كطلب التأجيل لإدخال الضامن، و يكون دفعا إجرائيا إذا كان يقصد منه التأجيل للإطلاع على الملف أو لتقديم دفاع في الشكل أوم الموضوع، كما هو الحال عليه في طلب الضامن المدخل في الخصام لأجل تحضير دفاعه.  

5 – الدفع بالبطلان: نصت عليه المادة 60 و ما بعدها من نفس القانون أعلاه، حيث لا يتقرر بطلان الأعمال الإجرائية شكلا، إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك.

   أما بالنسبة لحالات بطلان العقود غير القضائية و الإجراءت، فقد حصرها المشرع الجزائري على سبيل الحصر بموجب المادة 64 من نفس القانون أعلاه و تتمثل في:

-       أنعدام الأهلية للخصوم.

-       إنعدام الأهلية أو التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي.

   هذا و يثير القاضي من تلقاء نفسه إنعدام الأهلية أو غنعدام التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي طبقا لما نصت عليه المادة 65 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

4 – القواعد التي تحكم الدفوع الشكلية: باعتبار الدفع الشكلي يتضمن رفض مناقشة موضوع الدعوى ولو بصفة مؤقتة، لدى فقد أخضع التشريع الجزائري الدفوع الشكلية لمجموعة من القواعد تحكمها و تتمثل في:

-       يجب إبداء الدفوع الشكلية معا أي في مرافعة واحدة أو مذكرة واحدة أو دفاع واحد.

-       يجب إبداء الدفوع الشكلية قبل أي دفع في الموضوع أو الدفع بعدم القبول.

-       تفصل المحكمة في الدفع الشكلي قبل النظر في الموضوع كأصل عام.

-       إن الحكم الصادر بقبول الدفع الشكلي لا يمس بأصل الحق، و بالتالي لا يترتب عليه إنهاء النزاع.

5 – التفرقة بين الدفوع الشكلية و الدفوع الموضوعية: تختلف الدفوع الشكلية عن الموضوعية في ثلاث نواحي تتمثل في:

-       إن الحكم الصادر بقبول الدفع الشكلي لا يمس بأصل الحق، و بالتالي لا يترتب عليه إنهاء النزاع، و إنما يرتب إنقضاء الخصومة أمام المحكمة مثل قبول الدفع بعدم الإختصاص، و عليه يتم تصحيح الخصومة و تجديدها بمراعاة الإجراءات الصحيحة ما لم يكن الحق قد سقط لسبب من الأسباب.

   أما بالنسبة للدفع الموضوعي فإن قبوله يترتب عنه إنهاء النزاع بين الخصوم، و من تم لا يمكن تجديد النزاع أمام المحكمة التي أصدرت الحكم أو أية جهة قضائية أخرى.

-       يتعين إبداء الدفوع الشكلية قبل التطرق لموضوع الدعوى و إلا سقط الحق في إبدائها.

   أما الدفوع الموضوعية فيجوز إبدائها في أي مرحلة كانت عليها الدعوى.

-       الأصل أن المحكمة تقضي في الدفع الشكلي قبل التطرق للموضوع، ذلك أن الفصل في الدفع الشكلي قد يغنيها عن التطرق للموضوع.

    لكن في بعض الأحيان يمكن للمحكمة أن تضم الدفع الشكلي إلى الدفع الموضوعي و تصدر فيهما حكما واحدا، على أن يبين القاضي ما قضى به في كل منهما على حدة مثل ما قضت به المادة 52 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية بخصوص الدفع بعد الإختصاص الإقليمي.

 ثالثا: الدفع بعدم القبول

   حسب المادة 67 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، الدفع بعدم القبول هو الدفع الذي يرمي إلى التصريح بعدم قبول طلب الخصم لإنعدام الحق في التقاضي، كإنعدام الصفة و المصلحة أو التقادم أو إنقضاء الأجل المسقط، و حجية الشيء المقضي فيه دون النظر في موضوع النزاع.

1 – قواعد الدفع بعدم القبول: يخضع الدفع بعدم القبول إلى جملة من القواعد تتمثل:

-       يجوز تقديمه في أي مرحلة تكون عليها الدعوى حتى و لو أول مرة أمام الإستئناف، و لا يسقط الحق في الدفع بعدم القبول، حتى لو قام صاحب المصلحة بتقديم دفوع في الموضوع وفقا للمادة 68 من نفس القانون.

-       إذا قبلت المحكمة الدفع فإنها تحكم بعدم قبول الدعوى لا برفضها.

-       يجوز للمحكمة أن تفصل في الدفع بعدم القبول وحده، و يجوز لها أن تضمه إلى موضوع الدعوى و تفصل فيهما بحكم واحد.

-       في حالات معينة فإن الحكم بعدم القبول لا يمنع اللجوء إلى نفس المحكمة من جديد قصد المطالبة بنفس الحق محل الدعوى التي قضى بعدم قبولها.

2 – صلاحية القاضي في إبداء الدفع بعدم القبول: طبقا للمادة 69 من نفس القانون، يتوجب على القضاة إثارة الدفع بعدم القبول تلقائيا إذا كان من النظام العام مثلا إنقضاء مواعيد الطعن.

3 – الحكم في الدفع بعدم القبول: يترتب على قبول الدفع بعدم القبول، تحكم المحكمة بعدم قبول الدعوى لا برفضها، ذلك أن الحكم بعدم القبول لا يحول دون رفع ذات الدعوى مرة أخرى إذا توافرت شروطها ما لم يكن الحق قد تقادم. 

4 – التمييز بين الدفوع الشكلية و الدفع بعدم القبول: يتمثل الفرق الجوهري بين الدفع بعد القبول و الدفوع الشكلية، هو أن الدفع يعدم القبول يكون في حالة إنعدام الحق في التقاضي، أما الدفوع الشكلية تكون في حالة عدم صحة الإجراءات.