ليسانس لسانيات عامّة مقياس علم الدلالة / السداسي الثاني (س6)
المحاضرة العاشرة:
الدّلالة والإعجاز اللّغوي الصّوتي
كان القرآن الكريم ولايزال يُمثِّل منطلَقاً وهدفاً أساسياً لمباحث علمَي الدلالة والصَّوت، يستلهمانه ويستمدّان منه مادّة بحثيهما، بُغيةَ الوقوف على أسرار معانيه، وذلك منذ باكورة نشأتِهما، وحتى اكتمالهما عِلمين قائمين بذاتهما. وإذا أردنا بيان مدى ارتباط أحدهما بالآخر، فقد نشير إلى كون مادّة الدلالة اللِّسانية هي الصّوت اللغوي، والصّوت اللغوي ينطلق أساساً من دلالته على المعاني التي انتُدب لبيانها والتعبير عنها وتصويرها. فالدلالة اللغوية منطلَق صوتيّ، والصّوت اللغوي منطلَق دلاليّ.
وإذا كان بحثنا هنا يدور في فلك الصوت في القرآن الكريم، فإنّ أصغر وحدة صوتية فيه يمكنها أن تمثِّل مادّة بحثية لها قيمتها الدلالية. فكلّ صوت في الكتاب الحكيم وُضِع موضعَه الذي لا يَصلح غيره ليحلَّ فيه، فإذا وُقِفَ على سرِّه انكشف بعض ما فيه، فإنّه ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: 109]، وإذا لم يُوقَف عليه فإنّ لسان الحال يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
وهذه اللغة القرآنية السّاحرة التي أذهلت الناس وشغلتهم عن أنفسهم، واقشعرّت لها أبدانُهم، فخرّوا لها خاشعين، هي التي دَعَت إلى بَسْطِ القول في فنون فصاحة القرآن ونظمه ووجوه تأليف الكلام فيه. فانبرى علماء المسلمين للتأليف في وجوه إعجازه. وقد كان لنظم القرآن، وما يمكن أن يكون مرجعه الصّوت من وجوه البلاغة المحلّ الأرفع من بين وجوه الإعجاز الأخرى.
لقد كانت موضوعات الآيات والسُّوَر القلائل الأولى التي انبهر بها العرب أوّل الأمر خاليةً تماماً من أيّ تشريع، أو إخبار عن غيب يتحقّق بعد أعوام، أو علوم كونية في خلق الكون والإنسان لكي تسترعي إحساسَهم، وتستحقّ منهم كلّ هذا الإعجاب. فلابد إذن أن يكون في تلك السُّور القلائل عنصرٌ آخَر مختلفٌ عمّا ذكرنا، هو الذي سَحَر المستمعين، وأخَذَ عليهم قلوبَهم وعقولَهم. وقد ثبت أنّ مِمّن لا يفهم القرآن ولا يعلم تفاسيره قد تأثَّر به وهو يستمع إليه لأوّل مرّة، كما رُوِيَ عن نصرانيّ أنه مرّ بقارئٍ فوقف يبكي، فقيل له مِمَّ بكيْت؟ قال: للشجاعة والنَّظم. فأين يكمن هذا السِّحر، وما هو مصدره، وكيف استحوذ القرآن على العرب هذا الاستحواذ؟ وكيف اجتمع على الإقرار بسحره المؤمنون والكافرون على حدٍّ سواء؟
إنّ عنصر السِّحر الذي عَناه الوليد بن المغيرة في مقولته الشهيرة بعد أن استوقفه القرآنُ طويلاً، ففكّر وقَدّر، ثم قُتِل كيف قَدّر، ثم نَظَرَ، ثم عَبَسَ وبَسَر، ثم أدبَرَ واستَكبَرَ ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:24] لابدّ أنه «كان كامناً في مظهر آخَر غير التشريع والغيبيّات والعلوم الكونية، لابدّ أنّه كامنٌ في صميم النّسَق القرآنيّ ذاته.»
وقد اشتغل المسلمون بدراسة هذا النسق القرآني منذ نزوله وحتى يومنا هذا، لذلك كان حريٌّ بنا الإشارة إلى ما قدّمه أولئك الأوائل على الأقل، لنقف على مدَى إسهامِهم في هذا الباب. ومن أهم العلماء الذين أشاروا إلى ملامح الإعجاز الصوتي في آثارهم؛
1. الرّماني:
عَدّ الرماني (ت386هـ) من وجوه الإعجاز سبعة، جاعلاً البلاغة على رأس هذه الوجوه، فابتدأ بها كتابه النُّكَت. وقد حَصَرَ البلاغةَ في ثلاث طبقات: «منها ما هو في أعلى طبقة، ومنها ما هو في أدنى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة. فما كان في أعلاها طبقة فهو مُعجِزٌ، وهو بلاغة القرآن.» ثم حَصَرَ وجوه البلاغة في عشرة أقسام هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
والواضح أنّ من هذه الأقسام العشرة ما يرتبط بالصوت كالتلاؤم، والفواصل، والتجانس. والتلاؤم أهمُّها جميعاً لأنها ألصق بمباحث الصّوت، وقد عرّفه الرماني بأنه: نقيض التنافر، وأنه تعديل الحروف في التأليف، جاعلاً التأليف على ثلاثة أقسام: ــــــــــ متنافر ــــــــــ متلائم في الطبقة الوسطى ــــــــــ متلائم في الطبقة العليا.
والقسم الثالث أي (المتلائم الذي في الطبقة العليا) يشمل القرآن كلَّه. والرمّاني يرى أنّ تلاؤم الحروف في القرآن بَـيِّنٌ لكلِّ متأمِّل فيه، والفرق بينه وبين غيره من الكلام كالفرق بين المتنافر والمتلائم من الطبقة الوسطى، ولكنّ الناس يتفاوتون في شدّة إحساسهم بذلك وفطنتهم له، كما يتفاوتون في شدّة إحساسهم بالشعر الموزون من المكسور.
2. الخطّابي:
كان أبو سليمان الخطابي (ت388هـ) معاصراً للرماني وذهب هو الآخَر إلى أنّ سبب إعجاز القرآن هو بلاغته، وقد ذكر عبارة غاية في الحكمة والرَّوعة حَدّدَ بها عوامل الإعجاز بثلاثة أمور هي: اللفظ والمعنى والنظم، ووازن فيما بينها موازنةً دقيقةً فقال: « وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: ــــــــــ لفظٌ حامل ــــــــــ ومعنًى به قائم ــــــــــ ورباطٌ لهما ناظم
فسبب إعجاز القرآن في رأي الخطابي هو فصاحة ألفاظه، ونظم تأليفه، ثم تَضَمُّنه للمعاني الصَّحيحة، وبذلك فإنّ ثُلُثَي إعجازه راجع في حقيقته إلى طبيعته الصوتية. ومن شواهده التي تضمّنت إشاراتٍ صوتيةً عندما ألمِّح إلى الإيحاء الصوتيِّ للفظ (الصّدع) وما يُلقيه في ذهن السّامع من صوت الكسر، في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحِجر: 94] قائلاً: وهذا «أبلغ من قوله: (فاعمَلْ بِما تُؤمَرْ)، وإن كان هو الحقيقة، والصّدع مستَعار، وإنّما يكون ذلك في الزجاج ونحوه من فلزِّ الأرض، ومعناه المبالغة فيما أمَر به حتّى يُؤَثِّرَ في النفوس والقلوب تأثير الصّدع في الزُّجاج ونحوه.»
3. الباقلاني:
سار القاضي الباقلاني (ت403هـ) على خُطَى الخطابي عند وقوفه على الوجه البلاغي للإعجاز، وعنده أنّ بلاغة القرآن معجزة بنظمها، فهو يقول عن القرآن: «أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناهٍ في البلاغة، إلى الحدِّ الذي يُعلَم عجزُ الخلق عنه.» والأكيد أنّ عبارتي الباقلاني (بديع النظم، عجيب التأليف) فيها إشارة واضحة ودقيقة إلى فكرة النظم التي تطوَّرت فيما بعد عند عبد القاهر الجرجاني.
أمّا أهم ما طلع به علينا الباقلاني بخصوص الإعجاز الصوتي في القرآن فهو التفاتته الرائعة إلى فواتح السُّوَر من الحروف المقطّعة التي افتُتِحَت بها سِتٌّ وعشرون سورة مكية، وثلاث سور مدنية، وما قدّمَه من تصنيف صوتيّ لهذه الحروف، استوقف عندها من جاء بعده من المشتغلين بإعجاز القرآن، معلِّقين ومُضيفين، وبذلك أوقفونا على سِرٍّ عظيم من أسرار الصوت القرآني.