ليسانس لسانيات عامّة                                                               مقياس علم الدلالة / السداسي الثاني (س6)

المحاضرة التاسعة:

الدّلالة والإعجاز اللّغوي 1

1. تعريف الإعْجاز اللّغوي:

أ. الإعجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاز  في اللُّغة:

                جاء في المعجم الوسيط أنّ دلالة لفظ "الإعجاز" المشتقّ من الفعل (عَجَزَ)، تشير إلى: الكِبَر والضُّعْف والهَرَم، تقولُ: عَجَزَ عن الشَّيء عَجْزاً: ضَعُفَ عَليه ولمْ يقدر على تنفيده. وأَعْجَزَ الشَّيءُ فُلاناً: فاتهُ ولمْ يُدركه. أمّا "المعجزة"؛ فهي الأمر الخارق للعادة الذي يُظهره الله على يد أنبيائه ورُسُله تأييداً لنبوّاتهم ورسالاتهم.

ب. الإعجاز  في الاصطلاح:

                "الإعجاز" في اللّغة عموماً وفي لغة القرآن على وجه الخصوص مرتبطٌ بالنَّظْم اللّغوي المخصوص، وهو صورة القرآن؛ واللَّفظ والمعنى عنصراه، والقرآن إنَّما صار معجزاً لأنَّه جاء بأفْصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مُعبّراً عن أصَحَّ المعاني وأبْلغها.

                والمعروف أنّ القرآن الكريم هو كلام الله المُعْجِز الذي نزَل على العرب بلغتهم وهم فطاحلها، إلّا أنّهم عجزوا أنْ يأتوا بمثله. فالقرآن، بهذا الحال، هو المعجزة الخارقة للعادة المقرونة بالتّحدّي والسّالمة عن المعارضة.

                أمّا عن الإعجاز اللغوي؛ فهو أنْ يؤدّى المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق في كيفيات نظم أسلوبه (أصواتاً، وألفاظاً، وتراكيب، وجملاً).

 

2. الدّلالة والإعجاز اللّغوي:

                إن "الإعجاز اللغوي" مجال واسع، ووجوهه مختلفة، واستقراء مواضعه وبيانُها عسير، وحصره وتحديده غاية مستحيل بلوغها يتطلَّب مجهوداً كبيراً، ويستغرق زمناً طويلاً عند المشتغلين بالإعجاز أنفسهم، لذا ارتأينا أن نختصر بيانه في أهمّ المستويات اللغوية.

                وعليه يكون البحث في "الدّلالة والإعجاز اللّغوي" هو بحثٌ في وجوه "الإعجاز الدّلالي" في القرآن الكريم على نحو  مخصوص، فهو غاية في انتقاء الألفاظ المعبِّرة ذات الظلال والإيحاءات الطريفة، وغاية في تخيُّر الصِّيغ الصّرفية، وغاية في اللمحات النحوية ذات المحتوى المعجز، وغاية في الأداء الصّوتي المعبِّر من جهةٍ والذي يفصل بين المعاني على نحو متميِّز من جهةٍ أخرى. 

أولا: الإعجاز الدّلالي الصّوتي: الدّلالة الصّوتية هي المستفادة من تخيُّر وانتقاء الأصوات المعبِّرة ذات الجرس الصّوتي الخاص وحُسنُ التّأليف بينها، ومن الأداء الصّوتي المعبِّر، ومن الفصل بين أجزاء التركيب على نحو يضع حدودا بين المعاني.

ثانيا: الإعجاز الدّلالي الصّرفي: الدّلالة الصّرفية تُسْتفادُ من تخيُّر وانتقاء الصّيغة المعبِّرة، ومن توظيف صيغةٍ صرفيةٍ بدل صيغةٍ أخرى لأجْل تحقيق معنى مُسْتهدف.

ثالثا: الإعجاز الدّلالي النّحوي:

          يُعرَّف "علم النّحو" بأنّه دراسة قوانين تأليف الكلام، أيْ كيْفياتُ ضمِّ الكلمات بعضها إلى بعضٍ لبيان فكرة أو معنى ما.

                والاهتمام بالتّراكيب اللّغوية جانبٌ مهمٌّ من علم الدّلالة العام؛ وأنّ فهمَ المعاني والدّلالات وتبيُّن مغزاها ومقاصدها مرهون بمعرفة الصّناعة النّحوية التي تقوم على وسيلتين هامتين هما: الرتبة والعلامة الإعرابية.

رابعاً: الإعجاز الدّلالي المعجمي: يشير إلى تخيُّر وانتقاء الوحدات المعجمية المعبّرة دون غيرها من مجموعة الألفاظ التي تنتمي إلى ذات الحقل الدّلالي، من أجل تحقيق دلالاتٍ ومعاني مقصودة دون أخرى.

                ويمكن التّمثيل لهذا العنصر من خلال الآية الكريمة عندما قال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ [النمل: 18].

                فقد أبرزت الآية عن تعانق الدّلالة اللّغوية مع الإعجاز اللغوي في المستوى المعجمي من خلال اختيار الوحدة المعجمية ((مَسْكَن )) دون كلمة بيْت ((بَيْت)) مثلاً، فهناك فرقٌ بين المسْكن والبَيْت، فالمسْكن هو ما أُعِدَّ للسّكن والرّاحة لفترةٍ طويلةٍ من الزمن .أمّا البَيْت، فهو المكان الذي يضطرّ الإنسان أنْ يبيت فيه مؤقّتاً، كأنْ يضطرّ فيبيتَ في عمله .
وحال النّمل يناسبه لفظ "مسكن"، لأنّ النّمل يسكن فترة طويلة تحت الأرض في الشّتاء، وهذه الفترة لا تناسبها البيوتة، ولكن تناسبها السكنة التي تفيد معنى الثّبوت والاسْتقرار والسّكينة.



Modifié le: dimanche 4 mai 2025, 23:07