ليسانس لسانيات عامّة                                                               مقياس علم الدلالة / السداسي الثاني (س6)

المحاضرة الثامنة:

علم الدّلالة والتّداولية

أ.  في التّداوليــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:

                     بداية نقول أنّ التّداولية علمٌ يختص باستخدام اللغة من وجهة نظر وظيفية، بمعنى أنّها تحاول تفسير أوجه التّراكيب اللّغوية في علاقتها بمستعمليها، أيْ أنّها تتولّى دراسة اللّغة في الاستعمال (In use)، أي دراسة اللغة في بُعدها النّفسي والاجتماعي باعتبارها ظاهرةً خطابية وتواصلية واجتماعية على ارتباطٍ دائمٍ بما يحيط بها من سياقات مختلفة.

                    وتنسب البدايات الأولى للاهتمام بهذا العلم والاشتغال به إلى الرّواد الثّلاثة كلٌّ من أوستين (Austin)، وسيرل (Searle)، وبول غرايس (Grice)، فهم الأوائل الذين اهتموا بالبحث في طريقة توصيل معاني اللغة الإنسانية من خلال النّظر في رسالة المرسل التي يبعث بها، عبر قناة تواصلية، إلى المتلقي الذي يقوم بتفسيرها، فالتّداولية علم يهتمّ ببحث ودراسة المعاني اللغوية التي تحملها الوحدات اللّسانية عند مستعمليها ومفسريها، أي المعاني المتضمّنة في المقال والمقصودة منه، فهي، بهذا الشّكل، علمٌ يبحث في كيفية اكتشاف المتلقّي مقاصد المتكلّم (Speaker intentions)، أو هي دراسة المعنى عند المتكلّم (Speaker meaning).

                  فالتّداولية تركّز أكثر ما تركّز على (المرسِل) وطرائقه في توصيل خطابه إلى متلقّيه، إنّها تبحث في معنى المرسِل، وفي كيفية قدرته على إفهام المتلقّي بدرجةٍ تتجاوز معنى ما قاله. ولعلّ التّعريف الذي قدّمته الموسوعة الكونية (Encyclopaedia Universal) للتداولية ينسجم مع ما سقناه آنفا، فقد ذكرت أنّ التّداولية يُراد بها "الدّراسة التي تُعنى باستعمال اللّغة، وتهتمّ بقضيّة التّلاؤم بين التّعابير الرّمزية والسّياقات المرجعية والمقامية والحَدَثِيَّة والبشرية." بمعنى أنّ التّداولية، في تحليلها للظّواهر اللّغوية، ترجع إلى مختلف الملابسات المساعدة على فهمهاً فهماً كاملاً وشاملًا بما في ذلك تأثير المواقف والمقامات المختلفة في توجيه الدّلالة بحسب مستلزمات الخطاب.

                والتداولية أخيراً علم يهتمّ بجميع شروط الخطاب، باحثةً في كيفية استخدام اللّغة وبيان معاني الأشكال اللّسانية التي لا تتحدّد إلّا بالاستعمال.   

ب. بين علم الدّلالة والتّداولية:

                إذا كان علم الدلالة والتّداولية يتشابهان في دراستيهما للمعنى، فهما، في الواقع، يفترقان في الوقوف عند طبيعته، ذلك أن "المعنى السيمانتيكي هو المعنى الحرفي للكلمات التي تتكوّن منها الجملة، أما المعنى البراغماتي للعبارة هو ما قصده المتكلم أو الكاتب في المقام الّذي قيلت فيه العبارة." فهذا الحقل المعرفي لا يهتمّ فقط بدلالة المنطوق، بل يهتمّ أيضاً بالمعنى الضّمني المقصود بين طرفيْ العملية التّواصلية كلٌّ من المُلقي والمتلقّي.

              فالمعنى التّداولي، بهذا الشّكل، هو أعمّ من المعنى الدّلالي، لأنّ صناعة المعنى تكون من خلال تداول اللغة بين مرسِلٍ ومتلقٍّ في سياق مقامي معيّن (لغوي، نفسي، اجتماعي...)، ذلك أن التّداولية تهتمّ بالإجابة عن أسئلة من نوع: مَن المتكلِّم؟  مَن المُخاطَب؟ ماذا نفعل عندما نتكلّم؟ كيف يمكن أن يخالف كلامنا مقاصدنا؟

              وفي إجابتها على هذه الأسئلة، فهي تنخرطُ في البعد الإنجازي للكلام.

         ونخلص في الأخير إلى القول أنّ علم الدّلالة يهتم بالمعاني اللغوية بعدّها معانٍ وضعية تُفهم من المفردات والتّراكيب (غير مقيّدة بعناصر غير لغوية)، بينما تهتمّ التّداولية بمقاصد المتكلّمين، ومن ثمة فهي تهتمّ بالسياقات التي قيل فيها الكلام، وبنية الخطاب اللغوي من تضمينات واقتضاءات وهو ما أسماه أوستين بــنظرية أفعال الكلام (Speech act Theory).

Modifié le: dimanche 4 mai 2025, 23:06