ليسانس لسانيات عامّة                                                               مقياس علم الدلالة / السداسي الثاني (س6)

المحاضرة السابعة:

علم الدّلالة والسّيميائيات

                لقد حاول أوغستين استنطاق العلامات بربطها بالفلسفة، فنظر إليها من حيث طبيعتُها وأقسامُها، مركِّزاً على العلامات العرفية ذات الطابع الاجتماعي والتي أضحتْ موضوعاً لسيميائية القرن العشرين، ذلك أن هذه العلامات قائمة على قانون يحكمها، مما جعل أفكاره يتلقاها من جاء بعده بالقبول ويستحسنها وبخاصة عند فرديناند دي سوسير وشارل سندرس بيرس بعده، إذ شكلت نقطة ارتكاز في أبحاثهما في موضوع السيمياء.

                 ولقد تأسست السيمياء كعلم، بحق، على يد بيرس الذي كان له الفضل الكبير، بعد دي سوسير، في ضبط مفهوم العلامة بشكل أكثر دقّة، منطلقاً من منهجه الرّياضي المنطقي المرتبط بفلسفته للكون القائمة على التّعميم والتّجريد، فقدّم لنا سيمياء منطقية ضابطة لطبيعة العلامة، باحثة في دلالاتها التواصلية والثقافية ومقصدياتها غير المنتهية عبر عوالم مختلفة كعالم الألوان، وعالم الأزياء، والحركات، وإشارات المرور، والعطور والروائح، والأذواق، وغيرها.

علاقةعلم الدلالة بالسيميولوجيا:

                إن تصور العلاقة بين علمي الدّلالة والسيمياء لا تخرج عن دائرة البحث في المعنى، فكلاهما يترصد المعنى ويحاول القبض عليه، إلا أنهما يفترقان في الطريق المؤدية إليه، فبينما يهتم علم الدّلالة بالمعنى الذي تفرزه العلامة اللّسانية في المستويات اللّسانية المختلفة (الصّوتية، والصّرفية، والنّحوية، والمعجمية) وفي سياقاتها المتنوعة، فإنّ السّيمياء يبحث في الأبعاد الدّلالية المستفادة من العلامات غير اللّسانية في سياقات استعمالها، فهو، بهذا الشكل، يهتم بكل ما تضفيه الممارسة الإنسانية للوجود المادي اجتماعياً وثقافياً مثل الدّلالة التي يعكسها اللّونان (الأسود والأحمر) والتي هي (الحزن والخطر) على التّوالي، أو الدلالة المفهومة من رمز (الحمامة) التي هي (السلام)، أو رمز (الميزان) الذي يفيد (العدالة) وغيرها.   

                ويتحدَّد التّماس والالتقاء بين العلمين من خلال تصور بيرس للسيمياء، بحيث ينظر إليها على أنّها "صورة لنظام إنتاج الدلالة ونمط تداولها، إنها تساؤل حول المعنى وميكانيزمات اشتغاله، وأشكال تجليه، وشروط إنتاجه." فهي بهذا الشكل، تصور كامل للعالم، فالكون بحسب بيرس يمثل أمامنا باعتباره شبكة غير محدودة من العلامات. 

                وإذا كان الجميع متفقا بإزاء أحادية الدّلالة في مجال اللّغة والمعجم وأنّها دلالة منتهية، فإنها عند بيرس متنوعة ولا متناهية في الوجود، فالعلامة بحسب تصوره، "لا تحيل على موضوع فحسب، إنها بالإضافة إلى ذلك تكشف عن معرفة جديدة."

                إن محاولة الوقوف على نقاط التقاطع بين العلمين تظهر من خلال ذلك التصور الدلالي الذي قدّمة الفلاسفة العربُ المتقدمون كالفرابي وابن سينا والغزالي، فتحديدهم لأنواع الدلالات يتقاطع مع التحديد السيميائي عند بيرس لأقسام الدّلالة، فالدلالة الوضعية عندهم (خارجية) تقابل الدلالة الرّمزية (Symbolic) بمفهوم بيرس، والدّلالة الطّبيعية توازي الدلالة الأيقونية (Iconic). فالخط متعلقٌ (له علاقة) بالصورة الذهنية بتوسط اللفظ أو من دونه، واللفظ متصل بالأمر الخارجي، فهذه العلاقة الثلاثية كما هي موضحة في مثلث بيرس المشهور، تتطابق تماما مع فكر العرب القدامى الذين نظروا إلى العلامة بحسب هذه الأقسام الثلاثة.

                هذا فضلا على أن تقسيم العلامة إلى شاهد (Index)، وأيقونة (Icon)، ورمز (Symbol) يشبه أنواع الدلالات الثلاثة التي ذكرها القدامى وبخاصة الأصوليون وهي الدلالة العقلية، والدلالة الطبيعية، والدلالة الوضعية. وتبعا لذلك، فقد ميّز الأصوليون بين نوعين من الدلالة؛ الدلالة اللفظية، والدلالة غير اللفظية، وجعلوا الدلالة اللّفظية، والتي هي الدلالة المستمدة من الأصوات المنطوقة سواء أكانت لغوية كالكلام، أم مجرد أصوات كالصّراخ مثلا، تنقسم إلى ثلاثة أقسام (وضعية، وعقلية، وطبيعية)، بينما قسموا غير اللفظية إلى قسمين (وضعية، وعقلية).

                فأما النوع الأول من أنواع الدلالة اللفظية، والذي هو الدلالة الوضعية؛ فقد تم تقسيمها بدورها إلى ثلاثة أقسام؛ دلالة المطابقة؛ وهي دلالة اللفظ على تمام معناه الموضوع له كدلالة (الإنسان) على هذا المخلوق الناطق، ودلالة التضمُّن؛ التي تفيد دلالة اللفظ على جزء من المعنى الموضوع له كدلالة البيت على السّقف، أو الجدران، ودلالة الالتزام؛ وهي دلالة اللفظ علة لازم معناه لزوما ذهنياً كقولنا (سقف) مثلا، فالسقف يلزم منه الجدران، لأنّ الجدران لا تدخل فيه، فالجدران شيء والسقف شيء آخر، لأنه لا يُتصور وجود سقف لا جدران له تحمله، فهذه هي دلالة الالتزام أو اللّزوم.

                وأما النّوع الثاني الذي هو الدلالة العقلية، فهو "نوع من الدلالة المشتملة على علاقة ذاتية بين الدال والمدلول"، فوجود أحدهما دليل على وجود الآخر.

                وبالنسبة للنوع الثالث الذي هو الدلالة الطبيعية التي ترتبط بـ"الدلالة الناشئة عن الأصوات الصادرة عن الحيوانات، أو الصادرة تلقائيا عن الإنسان للإشارة على حالة نفسية أو مزاج نفسي" مثل صرخة الألم، أو الحمرة للدلالة على الخجل، أو الصفرة للدلالة على المرض وغيرها. والملاحظ أن الدلالة الطبيعية هنا تؤشّر على نوع آخر من الدلالات غير اللفظية أو ما يسمى في الاصطلاح الحديث بالعلامات غير اللسانية، مما يؤكد بأن مصطلح الدّلالة عند الأصوليين هو أقرب إلى مصطلح العلامة بشقيها اللساني وغير اللساني.     

                         

Modifié le: dimanche 4 mai 2025, 23:05