ليسانس لسانيات عامّة                                                            مقياس علم الدلالة / السّداسي السّادس (س6)

المحاضرة الخامسة:

علم الدّلالة ونظرية التّلقّي1

تــمــهــيــــــــــــــــــــــــــــــــــد:

                إنّ الحديث عن نظرية التّلقي هو حديث عن الإنسان الذي يعكس المفارقات النفسية، ونقائض الذات ومكنوناتها، والتي يمزج فيها الفكر بالواقع ّ والخيال، وهنا تتدافع الدلالات وتصبح للمعاني حدودا غير مستقرة: مفهومة وغير مفهومة، حقيقة ورمزية، غامضة وجلية، ظاهرة وخفية، وبهذا يصبح الكلام فناً لأداء المعنى بطريقة معينة، وتصبح عملية التلقي مسألة توجيهية في التواصل والتخاطب، إذ الفارق فيها يتشكل بفضل التنوع الفكري والعلمي والثقافي والفلسفي؛ لأ ّن فلسفة التخاطب تقوم على الفهم والإفهام، فإذا غاب هذا القصد قصر التواصل، وانقطع حبل الوصال بين المتحاورين، واختلف الفهم والوعي والإدراك، وأصبح السنن اللغوي للأفكار محفوفا بكثير من المخاطر لكثرة الغموض فيه، ولتنوع الدلالة، وكثرة متغيراتها وتلوناتها. والمسألة الدلالية، وفق هذا الطرح،  بحاجة إلى ترشيد على الوجه المحتمل والأقرب للحدود الحجاجية والمنطق، والإجابة عن الأسئلة الدلالية المثيرة لضبط عملية التلقي، ولفهم الدلالات ما خفي منها وما ظهر، وما كان منها عسير الفهم، أو بعيد المنال، أو قريب المأخذ.

نظرية التّلقي (Reception Theory)؛ النّشأة والمفهوم:

                الواقع أن نظرية التّلقي لمْ تنشأ من فراغ، فقد استمدّت أصولها النظرية من الفلسفة الظاهراتية، وأصبح المنظور الذاتي هو المنطلق في التحديد الموضوعي، ولا سبيل إلى الإدراك والتصور الموضوعي خارج نطاق الذات المدركة، ولا وجود للظاهرة خارج الذات المدركة لها. وهي تسعى في مجمل أهدافها إلى إشراك واسع وفعلي للمتلقي بغية تطوير ذوقه الجمالي حين تواصله الحثيث مع النصوص الفنية، فانتقل المتلقي فيها من دور المستهلك إلى مرتبة الشريك المحاور الذي يملأ الفراغات التي يتركها صاحب الأثر الأدبي.

                ظهرت نظرية التلقي والتأثير والتقبل في ألمانيا في أواسط الستينيات (1966م) في إطار مدرسة كونسطانس وبرلين الشرقية قبل ظهور التفكيكية، ومدارس مابعد الحداثة، على أيدي كل من فولفغانغ إيزر (Wolfgang Iser) وهانز روبير ياوس(Hans Robert Jauss).(13) كما كان لعلماء اللسانيات من الولايات المتحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدة دور مهم في تطوير هذه النظرية. كـــ ( جوناثان كيلر، ونورمان هولاند ، وديفيد بليش ، ومايكل ريفاتير ) . ومن رواد هذه النظرية في العالم العربي نذكر مجموعة من الباحثين والدارسين أمثال: عبد الفتاح كليطو في كتابيه: الحكاية والتأويل، والأدب والغرابة، وحميد الحمداني في كتابه: القراءة وتوليد الدلالة، ومحمد مفتاح في كتابه: التلقي والتأويل.

                إنّ أهم شيء في عملية الإبداع الفني، بحسب نظرية التلقي، هو تلك الشّراكة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع و المتلقي. أي إن الفهم الحقيقي للأدب ينطلق من موقعة القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه، وهو كذلك القارئ الحقيقي له: تلذذًا ونقدًا وتفاعلاً وحوارًا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن المؤلف ما هو إلا قارئ للأعمال السابقة وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين. وللعمل الأدبي قطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية، والإيديولوجية، والفلسفية، أي إن القطب الفني يحمل المعنى والدلالة والبناء شكليًا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالة ملموسة يتحقق معها بصريًا وذهنياً عبر استيعابه وفهمه وتأويله.

                ومنه، فإنّ ما هو أهمّ، في نظرية التلقي، من معرفة صاحب العمل الفني، وما تقوله النّصوص من مضامين ومعاني التي تبقى نسبية، هو معرفة الآثار الشعورية والرّدود الانفعالية التي تتركها في المتلقين، وكيفية تعاملهم معها أثناء التلقّي، والوقع الفني وجمالي في النفوس، وكنه أسرار خلود أعمال المبدعين نفسياً وإبداعاً، وحيثيات جمالها، وعبقريتها الفنية، وأسباب ديمومتها عبر الزمن بالرغم من اختلاف السّياقات التاريخية والاجتماعية.

            أما بخصوص ارتباط علم الدّلالة بنظرية التّلقّي فيعكسها تعلّق نظرية التّلقّي بمسألة إثبات معنى ما في العمل المنجز، فالتماس حقيقة الدّلالة وصورها وتجلياتها مسألة لابد منها، ذلك أن الخطاب (ممارسة إنتاجية) أبدعت لغاية، أما فهم دلالاتها فيُتوصَّل إليها بناء على إدراك المتلقّي ووعيه وتمثّله للأفكار التي شُحِنت بها النصوص والخطابات.

Modifié le: dimanche 4 mai 2025, 23:02