ليسانس لسانيات عامّة                                                            مقياس علم الدّلالة / السّداسي السّادس (س6)

المحاضرة الرّابعة:

علم الدّلالة والمعارف الإنسانية 4

علم الدّلالة والأنثروبولوجيا

 

                    تكشف المقاربة الأنثرولسانية عن ذلك التلاقح الحاصل بين اللسانيات من جانب كعلم يهتم بدراسة اللغة، والدراسات الانثروبولوجية والاجتماعية من الجانب الآخر، فقد تحقق الربط المنهجي بين الدرسين، وتأكّدت الصلة الوثيقة التي لا يمكن زعزعتها بين الأنثروبولوجيا التي تتركز وظيفتها في دراسة الظواهر الثقافية للشعوب من خلال التعرف على سلوكها وعاداتها وأديانها وعالقات القربى بينها ودراسة بنيتها الاجتماعية، واللسانيات التي تمثل الوسيلة الخاصة في فهم هذه الظواهر. وكثيرا ما أكّد الباحثون المهتمون على الحاجة الملحة إلى نظرية أنثروبولوجية لسانية (Anthropological Linguistics) تتولّى توجيه الباحث الأنثروبولوجي نحو اللغة، فبإمكان نظرية من هذا النوع أن تكشف عن كيفية تأثر الأشكال اللغوية وبخاصة في جانبها الدّلالي بالعناصر أو المكونات الثقافية للمجتمع.

        إنّ دراسة اللغة في البحث اللّساني المعاصر فعل مرتبط بمفهوم مزدوج، فمن جهة هي مربوطة بمفهوم نفسي فردي في اكتسابها، ومن جهة أخرى نجــــــــــــــــدها تتكئ على مفهوم اجتماعي في ممارستها، بمعنى أنها تركن إلى ثقافة المجتمع. ذلك "أن كل فرد منا يولد في مجتمــــــــــــع يكتسب فيه مجموعة من السلوكيات المادية والقيم والمعتقدات المعنوية التي تصل إلى عقله ووجدانه من خلال اللغة التي تعتبر وعاء لتلك الثقافة."

                فلم يعد دور اللغة في المجتمع كما يراه اللّسانيون مقصورا عند كونها أداة تواصل بين أفراده فحسب، بل غدت تمثل جزءا هاما من عناصر الثقافة. فاللغة، بهذا الشّكل، لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال، فصلها عن المجتمع المتحدث بها، ذلك أنها ومن خلال بنائها البسيط تكشف بكل سهولة عن الحال النفسية لصاحبها وسبل عيشه في مجتمعه. وفي هذا السّياق يرى إدوارد سابير أنه من الصعب فصل اللغة عن الثقافة، واستعمال الثقافة هنا بالمعنى الواسع لتدل على التصورات والمفاهيم التي تكونها المجموعة البشرية عن العالم المحيط بها. فمن طريق اللغة يمكن فهم صور الحياة الاجتماعية على اختلافهـا، يقول في ذلك ليفي شتراوس:" إننا حين نقول: إنسان فإننا نعني اللغة، وحين نقول: اللغة فإننا نقصد المجتمع."

                فواضح ممّا سيق أعلاه، التعالق الوشيج بين علم الدلالة ــــــــــ كمستوى من المستويات اللسانية الذي سيتمظهر بقوّة في سياقات ثقافية معينة باعتبار أنّ الدّلالات لا تكمن في البنيات اللغوية ذاتها، بل عند المتكلّم الذي يستعمل تلك البنيات ويوظّفها بطرقٍ مختلفة ــــــــــ والدرس الأنثروبولوجي الذي يتكئ على اللغة لاستخلاص المحتوى السوسيوثقافي للمجتمع المتحدّث بها، مراعيا الدور المميز الذي تقوم به كوعاء للثقافة، مع عدم إغفاله دراسة منطوقات الجماعة اللغوية بسماتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والمعجمية التي تتكشّف في المناسبات الاجتماعية والثقافية الخاصة كالاحتفالات وممارسة الشعائر الدينية والشعائر الخاصة بالزواج والميلاد والوفاة وعلاقة ذلك كلِّه بمعتقدات المجتمع وأفكاره ولاسيما في المجتمعات البدائية.

آخر تعديل: الأحد، 4 مايو 2025، 11:00 PM