المحاضرة الثالثة:

 المقدمة العامة للبحث (صياغة سياق البحث- أو التوطئة- و طرح الإشكالية) 

1)- مفهوم المقدمة العامة:

   تعتبر" المقدمة العامة" المدخل العام للموضوع بكل جوانبه، تأتي في بداية المذكرة، ولكن تكتب بعد نهاية الدراسة ككل،  فهي تظهر  مدى  تمكن  الباحث من الإلمام بالمحاور الأساسية لبحثه والإشكالية التي يعالجها ويشترط فيها الإيجاز والوضوح والدقة. كما أن المقدمة تكتب بصيغة النكرة و ليست معرفة هكذا (مقدمة عامة) أي تكتب بدون )ال) التعريف، لأن الباحث لا يمكن له أو لا يستطيع أن يضبط أو يحرر  مقدمة  عامة  بجميع  عناصرها من تعبيره الخاص أو من إبداعه، باعتبار أنها مدخل للموضوع، أو تمهيد فقط لصياغة الإشكالية، بالإضافة إلى ذلك فإنه  يمكن  للباحث  أن يقتبس معلومات من مراجع مختلفة في المقدمة العامة ويحيلها إلى أصحابها فهذا معناه أن التهميش في المقدمة العامة  يكون  بطريقة  عادية  وليس خطأ منهجيا.

و كمفهوم أو تعريف عام للمقدمة العامة فإنه يمكن القول بأن المقدمة العامة هي:

" محصلة البحث و توجهاته،و تعكس الصورة الحقيقية عنه و تبين طبيعة البحث. كما تتمثل وظيفتها الأساسية في تحضير وإعداد ذهنية القارئ  لفهم موضوع البحث وقراءته، فهو يشكل فكرته ورأيه عن البحث بداية من تحليل المقدمة ومدى منهجيتها العلمية، وبالتالي توضح مدى اقتناع  القارئ بالاستمرار أو التوقف في قراءة البحث".

   و للمقدمة مجموعة من الشروط و الخصائص و العناصر يمكن ذكرها كما سيأتي.

1-1)- شروط المقدمة العامة:

من أهم شروط المقدمة العامة يمكن ذكر ما يلي:

- الإيجاز والوضوح والدقة و الدلالة في عناصرها ومضمونها؛

- عرض وصفي موجز يتناسب مع طبيعة موضوع البحث فينبغي عدم إثقال مقدمة البحث بمعلومات وأفكار تفقدها وظيفتها كمدخل لموضوع البحث؛

- يفضل عدم تجاوز عدد صفحات المقدمة خمسة صفحات، كما يشترط أن يكون ترقيمها مغايرا لترقيم باقي صفحات المذكرة فالأغلب استعمال الحروف بدل الأرقام في حالة اللغة العربية أو استعمال الأرقام الرومانية بالنسبة للمذكرات المنجزة باللغة الأجنبية.

- كما يشترط كتابة الهوامش في حالة وجود اقتباس بعض النصوص في المقدمة من مصادر أخرى.

2-1)- خصائص المقدمة العامة:

تتميز المفدمة العامة بمجموعة من الخصائص يمكن ذكرها كما يلي:

- تمثل المقدمة العامة الباب الرئيسي الذي يدخل منه الطالب لتقديم محتوى الموضوع؛

-تقدم للقارئ شرح وجيز عن الموضوع وعن المشكلة التي ينوي معالجتها وعن الأسباب التي دفعت الطالب للكتابة فيه، وينهي المقدمة بشرح  وجيز عن كل فصل من فصول المذكرة حسب الخطة المتبعة؛

- تهيئ القارئ للتفاعل مع البحث،إذ أنها تعتبر مدخلاً تعريفياً للبحث و المدخل الحقيقي و البوابة الرئيسية له، ويجب أن تعطي للباحثين  الآخرين  تصورا عن البحث في وقت قصير؛

-تتضمن المحاور الأساسية للبحث بصورة مركزة وموجزة ومفيدة ودالة في ذات الوقت، حيث يقدم الباحث ملخصا لأفكاره واتجاه موضوع البحث  من الناحية النظرية، و منهجه و أسلوبه من الناحية التطبيقية، ويحدد مشكلة البحث، وأهميتها والأهداف التي يرمي إلى تحقيقها، كما يشير  أيضا  إلى مجالات البحث والفروض التي وضعها للاختبار، والمنهج العلمي الذي اتبعه في دراسته والأدوات التي استخدمها وكيفية اختيارها، والصعوبات التي اعترضت طريق البحث، والخطوات  الميدانية  التي اتخذت في جمع البيانات أو تحقيقها.

3-1)- عناصر المقدمة العامة:

يمكن فيما يلي ذكر أهم العناصر التي تحتويها المقدمة العامة:

- التعريف بالموضوع (التمهيد أو التوطئة)ببيان أهميته كون أن هذا العنصر هام وأساسي في بنائها من خلال إظهار جدية وأصالة الدراسة؛

- إشكالية الموضوع :هي عرض لهدف البحث في شكل سؤال يتضمن إمكانية التقصي في إيجاد إجابة له فوجب إن تكون واضحة ملائمة لها صلة  بالموضوع؛

- فرضية أو فرضيات البحث:  الفرضية  هي عبارة عن جملة إخبارية )تقريرية(  يفرض فيها الباحث وجود علاقة بين  متغيرين أو فرق  بين  مجموعتين من الأفراد، ليتم التحقق منها أثناء عرض ومناقشة النتائج في الجانب التطبيقي؛

- أهداف الموضوع إن هدف البحث هو التحقق من فرضيات و التوصل إلى نتائج  معينة بشان حل إشكالية  البحث أما هدف الباحث  فهو هو  إشباع  رغبته في حب البحث والوصول إلى الغاية المرجوة منه؛

الدراسات السابقة :ويقصد بها المتخصصة ذات العلاقة الوطيدة بالموضوع والتي سبق للباحثين تناول جانب منها وتشمل الرسائل والأطروحات  الجامعية والمؤلفات المنشورة التي تخضع لمنهج البحث العلمي لذا فالباحث ملزم بان يشير لها بدقة وأمانة علمية وبطريقة استقرائية  في مقدمة  البحث بين إسهامات الأوليين و إضافة اللاحقين لتتضح نقطة انطلاقه؛

- أسباب ودوافع اختيار الموضوع :وتنقسم إلى  أسباب ذاتية أو داخلية: وهي تتعلق بالباحث وتختلف من باحث لأخر ويرجع هذا التباين لاعتبارات  ذاتية ونفسية وتكوينية وحتى الميول والرغبة والخبرة والاختصاص، و أسباب موضوعية أو خارجية :وهي كل ما  تجاوز ذاتية  الباحث  وتتعلق  بموضوع البحث؛

*منهج الدراسة يعتبر المنهج السبيل الأمثل لإعداد البحث العلمي فهو الطريقة التي يتبعها الباحث في دراسته للإشكالية للوصول إلى النتائج والحلول المتوخاة من هذه الدراسة فالعلم الذي يستخدمه الباحث يسمى بعلم المناهج وعليه يقوم بتحديد المنهج أو المناهج الواجب إتباعها ويظهر ذلك في مضمونه؛

*خطة البحث وهي هيكل البحث وبناؤه الذي يقوم عليه فهي المشروع الهندسي له ولها مجموعة من الشروط نذكر منها :

-1 أن تكون منسجمة مع عنوان البحث وإشكاليته وحتى فرضياته؛

-2 أن يكون تقسيم الخطة منطقي ومتسلسل وسهل؛

-3 أن تكون مترابطة ببعضها البعض ؛

-4 مراعاة التدرج المنطقي فيها أي من العام إلى الخاص ؛

-5 أن تكون متوازنة في جانبها الشكلي والمادي من خلال التقسيمات الأساسية والفرعية والجزئية كأن يتساوى تقسيم الأبواب والفصول  والمباحث  والمطالب ...فقد تكون الخطة ثنائية او ثلاثية حسب طبيعة الموضوع وخصوصيته وهنا نجد رأيين :

أ- التصميم الانجلوسكسوني : لا يراعي التوازن كما هو شأن غيره إذ يكون تقسيمه متتابعا ومتتاليا يحتوي على عناصر كبيرة دون أن يتم تفريع أو تجزئة الموضوع ويعاب عليه عدم التعمق في الموضوع .

ب- التصميم اللاتيني المنطقي :و هو يعتمد على أسس ومعايير علمية وموضوعية ومنطقية وذلك بإعطاء عنوان لكل فكرة أو موضوع أساسي  كان أو فرعي عام أو خاص مع البحث عن القاسم و الرابط بينها حتى تتسم بالوضوح والسلاسة والدقة.  أما التوازن الموضوعي  فيقصد به  مراعاة  الأفكار المعروضة والمطروحة من حيث الأهمية .

-6 تجنب تكرار العناوين الموجودة في الم ا رجع السابقة والحرص على إيجاد عاوين جديدة تعبر عن الجهد الشخصي الباحث ؛

-7 أن تكون الخطة مرنة تقبل التعديل والإضافة دون الإخلال بتوازنها .

- حدود الدراسة: ويقصد بها الإطار الزماني والمكاني للدراسة إذ يمكن للباحث إن يحدد حيز معين إذا كانت دراسته لها جوانب متفرعة  كثيرة  وهذا لتجنب المساءلة حول باقي محاور الدراسة .

2)- تحديد إشكالية البحث:

1-2)- تعريف الإشكالية: يمكن عرض بعض التعاريف للإشكالية كما يلي:

-  تعرف إشكالية البحث على أنها: " صياغة لمجموعة من العلاقات التي تقوم بين أحداث و فاعلين لها و مكونات مشكلة معينة،"

- و في تعريف آخر، عرفها موريس أنجرس على أنها: " عرض الهدف من البحث على هيئة سؤال يتضمن إمكانية التقصي و البحث بهدف الوصول لإجابة محددة".

- و في تعريف آخر يمكن القول بأن الإشكالية هي:" عبارة عن سؤال لا يوجد له جواب كامل في الوقت الحالي، و يكون هدف من يقوم بالبحث العلمي هو الوصول إلى الجواب المناسب و المحدد لهذا السؤال، أو إيجاد حل للمشكلة التي يثيرها البحث العلمي".

   يتضح مما سبق أن تحديد إشكالية البحث العلمي يعتمد بالدرجة الأولى على تحديد المشكلة التي يجب إيجاد حل لها أو لأحد جوانبها و التي ستقوم عليها الإشكالية و البحث العلمي ككل.

2-2)- تعريف مشكلة البحث:

   تعتبر مشكلة البحث معقدة بطبيعتها، فهي تمثل الظاهرة أو الظواهر المراد دراستها، كمشكلة اقتصادية كما هو الحال للأزمات الاقتصادية و المالية في الميدان الاقتصادي،  أو مشكلة صحية كما هو الحال لجائحة كورونا التي أثارت اهتمام العالم بالبحث في الميدان الصحي حتى لا تكون  كارثة  على البشرية، أو مشكلة سياسية يشوبها الاقتتال على السلطة في الميدان السياسي. من هنا تبرز أهمية تعريف مشكلة البحث و أهم مصادر الحصول عليها:

- تعرف بأنها موقف محير يتحدى الدارس ويحتاج إلى تفسير ودراسة، ينشأ هذا الموقف المحير من وجود فجوة بين ما هو قائم وما يجب  أن  يكون.   

-  عبارة عن موضوع يحيطه الغموض وظاهرة في حاجة إلى تفسير.

- تعبر المشكلة في البحوث العلمية عن إحساس الباحث بالغموض والحيرة اتجاه الظواهر التي يصعب فهمها مما يولد الدافع لتفسيرها.

3-2)- مصادر الحصول على إشكالية البحث:

يستطيع الباحث أن يستخلص إشكالية بحثه من مصادر متعددة كما يلي:

مجال التخصص: يستطيع الباحث من خلال مجال تخصصه أن يكتشف المشكلات التي مازالت لم يتطرق لها الباحثين، فمن خلال إطلاعه الدائم على أحدث الأبحاث والدراسات التي أجريت في مجال تخصصه يمكن اختيار أحد الجوانب التي لا تزال غامضة والتي تمثل  مشكلات قائمة بالفعل  للبحث فيها ودراستها وإيجاد الحلول لها.

الخبرة الميدانية: إن خبرة الباحث في العمل الميداني في التعليم أو التدريس تسمح له أن يحدد مشكلات بوضوح خاصة التي تتعلق بنوعية  العمل فالمشكلة التي تنبع من واقع العمل تكون لها أهميتها.

الإطلاع على الدراسات السابقة: يعتبر إطلاع الباحث بشكل مستمر ودائم على المراجع والدوريات  والأبحاث من الطرق المساعدة  للباحث عند اختيار موضوع ومشكلة بحثه فالإطلاع على البحوث العلمية المنشورة في المؤتمرات و المجالات التي ترتبط بمجال تخصصه  تساعده  في اختيار مشكلة مستقبلية في ضوء ما أسفرت عليه نتائج الدراسات السابقة.

القراءة الناقدة:  إن القراءة الناقدة لما تحتويه مصادر المعرفة من أفكار ونظريات قد تثير في ذهن الباحث عدة تساؤلات حول هذه الأفكار وهذا ما يدفع للتحقق منها.

4-2)- مواصفات (خصائص) إشكالية البحث الجيدة:

  يمكن تلخيص و تحديد مواصفات معينة يتعين توفرها حتى يمكن اعتبار الإشكالية جيدة وجديرة بالبحث والدراسة، و من أهم  تلك المواصفات  ما يلي:

- إشكالية البحث يجب أن تأخذ صفة الوضوح والدقة و لا تكون مبهمة أو غير عملية؛

- أن تستحوذ على اهتمام الباحث و تتناسب مع قدراته وإمكاناته؛

- أن تكون ذات قيمة علمية، بمعنى أن تمثل دراستها إضافة علمية في مجال تخصص الباحث؛

- أن يكون لها فائدة عملية، بمعنى أن يتم تطبيق النتائج التي يتم التوصل إليها في الواقع العملي؛

- أن تكون المشكلة المدروسة سارية المفعول، بمعنى أنها قائمة وأثرها مستمر، أو يخشى من عودتها مجددًا؛

- أن تكون جديدة بمعنى أنها غير مكررة أو منقولة؛

- أن تكون واقعية بمعنى أنها ليست افتراضية، أو من نسج الخيال؛

- أن تمثل موضوعًا محددًا تسهل دراسته، بدلا من كونه موضوعًا عامًا ومتشعبًا يصعب الإلمام به أو تناوله؛

- أن تكون الإشكالية قابلة للبحث، بمعنى أن تتوافر المعلومات والتسهيلات التي يحتاجها الباحث؛

- أن تكون في متناول الباحث، أي أن تتفق مع قدراته وإمكاناته؛

- أن تتوفر المصادر التي يستقي منها الباحث المعلومات عن المشكلة.

5-2)- صياغة إشكالية البحث:

  تصاغ إشكالية البحث حسب أغلب الباحثين من خلال صياغتين رئيسيتين هما:

- الصياغة اللفظية التقديرية؛

- و الصياغة على شكل سؤال.

أ)- الصياغة اللفظية التقديرية: هي الصياغة التي يستخدمها الباحث إذا كان موضوعه من الموضوعات العامة التي تحتاج إلى استكشاف، وجمع معلومات عامة، بمعنى  لا توجد في ذهن الباحث أسئلة معينة يبحث عن إجابات لها، فهو يريد التوصل إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المشكلة. و لتوضيح هذا النوع من الإشكاليات يمكن إعطاء المثال التالي و الذي هو على صياغة لفظية تقديرية في نظر الباحث:

مثال: :"إن عدم فاعلية الطرق والأساليب المتبعة حاليا في إدارة المؤسسات الاقتصادية الجزائرية تؤثر سلبا على تطوير وتحسين كفاءة الأداء ودرجة الرضا الوظيفي لدى العاملين في هذه المؤسسات".

ب)- الصياغة على شكل سؤال:

يلاحظ أن هذه الصياغة هي أكثر تحديدا و أكثر استعمالا من الصياغة اللفظية التقديرية، وتتضمن سؤالا مباشرا يبحث الباحث عن إجابة له، يتوقع أن يحصل الباحث على إجابات. و يذهب بعض الباحثين إلى القول بأن  أفضل طريقة لتحديد الإشكالية  هي وضعها في شكل سؤال يبين  العلاقة بين متغيرين. ما يلاحظ على هذه الصياغة أنها تتميز بخاصيتين هما:

- أولا: غالبا ما تكون الإشكالية لها علاقة وثيقة أو مباشرة مع العنوان، ولتسهيل مشكلة صياغة الإشكالية نضيف تساؤل معين للعنوان لتصبح  إشكالية بدون تعقيدات؛

- ثانيا: تعتبر الأسئلة الفرعية تجزئة لسؤال الإشكالية المطروحة، ويتم تجزئة الإشكالية إلى أسئلة خاصة بكل متغير على حدة، كأن يطرح الباحث  سؤالين عن المتغير المستقل، ثم سؤالين عن المتغير التابع، ثم سؤال أو سؤالين عن المؤسسة محل الدراسة. و في النهاية الإجابة على  كل  الأسئلة الفرعية سيتوصل الباحث بالضرورة إلى الإجابة على الإشكالية المطروحة. و لتوضيح هذا النوع من الإشكاليات يمكن إعطاء المثال التالي:

مثال: يدور هذا المثال حول دور الابداع التكنولوجي في تحسين الميزة التنافسية للمؤسسات الصناعية و من هنا يمكن طرح الاشكالية التالية: " كيف يساهم الابداع التكنولوجي في تحسين الميزة التنافسية للمؤسسات الصناعية؟"

ويندرج ضمن هذه الإشكالية الرئيسية التساؤلات الفرعية التالية:

- ما مفهوم الإبداع التكنولوجي ؟ وما هي مختلف المفاهيم المتعلقة به ؟

- ما المقصود بالمنافسة وتنافسية المؤسسة ؟ وما أثر الإبداع التكنولوجي على تنافسية المؤسسة ؟

- ما أثر الإبداع التكنولوجي على تنافسية مؤسسة سامسونغ مثلا؟

 

Modifié le: mercredi 14 mai 2025, 00:22