بالرجوع إلى نص المادتين 164 و 165 من دستور 2020، نجد أن المؤسس الدستوري قد خول لأي شخص اللجوء إلى السلطة القضائية و مطالبتها بالتدخل بغية حماية حقوقه من أي إعتداء تم عليها، و بهذا فإن القضاء متاح للجميع، إذ لن يكون لإستقلالية القضاء أي معنى إذا لم يستطيع المواطن اللجوء إليه بكل حرية للدفاع عن حقوقه الأساسية.
هذا و يتجسد حق اللجوء إلى القضاء من الناحية الإجرائية في حق كل شخص في رفع دعوى قضائية، للمطالبة بحماية حقه عن طريق الحصول على حكم قضائي فاصل في موضوع الدعوى المعروضة أمام القضاء.
و على هذا الأساس، يمكن تقسيم موضوع ماهية الدعوى إلى:
- تعريف الدعوى؛
- خصائص الدعوى القضائية؛
- تمييز الدعوى القضائية عن بعض المصطلحات المشابهة لها؛
- تقسيم الدعاوى القضائية؛
أما بالنسبة لأهم الأهدف من هذه الدراسة فتتمثل في:
- تمكين الطالب معرفة تمتع كل شخص بحق اللجوء إلى القضاء و رفع دعوى قضائية لحماية حقه.
- تبيان للطالب أهم الخصائص التي تتميز بها الدعوى القضائية.
- معرفة الطالب أهم الإختلافات الموجودة بين الدعوى و المصطلحات القريبة منها و المشابهة لها.
- معرفة أهم تقسيمات الدعوى و أهم الإختلافات بين الدعاوى المختلطة و العينية و الشخصية.
أولا: تعريف الدعوى: بالرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية و الإدارية نجد أن المشرع الجزائري لم يعرف لنا الدعوى القضائية، و إنما ترك ذلك إلى الفقه الذي تعددت تعاريفه للدعوى و منها: الدعوى هي الوسيلة القانونية التي يلجأ بمقتضاها صاحب الحق إلى السلطة القضائية لحماية حقه و المطالبة به أمام القضاء.
و بهذا المعنى تتضمن الدعوى، وجود السلطة التي يخولها القانون للأشخاص للدفاع عن حقوقهم، و وجود الحرية التي تمنح لهم في استعمال أو عدم استعمال هذه الوسيلة و في الوقت الذي يحددونه، ما لم يكونوا مرتبطين بآجال قانونية مثل ما نصت عليه المادة 829 من القانون الإجراءات المدنية و الإدارية.
ثانيا: خصائص الدعوى القضائية: تتميز الدعوى بمجموعة من الخصائص تتمثل في:
1 – الدعوى حق: من خلال تعريف الدعوى يتضح أنها حق لصاحبه أن يستعمله أو لا يستعمله، لدى فيمكن لصاحب هذا الحق أن يتنازل عنه و عن المطالبة بالحماية القانونية، أي تنازله عن حقه في مباشرة الدعوى القضائية إما يتم طواعية أو نتيجة صلح أو نتيجة فوات الآجال أو التقادم المسقط.
2 – الدعوى تقبل التقادم: كون أن الدعوى القضائية مقرونة بالحق، فإن الحقوق تسقط بالتقادم في حالة فوات مدة معينة و لم يطالب بها صاحبها.
ثالثا: تمييز الدعوى القضائية عن بعض المصطلحات المشابهة لها: تختلف الدعوى القضائية عن بعض المصطلحات المشابهة أو القريبة لها، و التي درج الفقه على استعمالها للدلالة على الدعوى و تتمثل في:
1 – الدعوى و القضية: قد يستعمل بعض الفقهاء عدة مصطلحات للدلالة على القضية كالخصومة أو الدعوى، فحين أن مصطلح القضية هو أشمل و أوسع إذ يشمل كلا من الدعوى و الخصومة، و الذي يعني مجموعة المسائل الموضوعية و الإجرائية المعروضة أمام الجهات القضائية للفصل فيها.
2 – الدعوى و الخصومة القضائية: يرى بعض الفقهاء أن الخصومة القضائية هي مجموعة من الإجراءات القضائية التي يقوم بها الخصوم و ممثليهم (المحامين)، و كذا القضاة و أعوانهم بهدف الحصول على حكم قضائي.
و إلى جانب ذلك، فإن الخصومة تنشأ عن طريق مطالبة قضائية صحيحة، غير أنه قد تكون الدعوى غير مقبولة لعدم توفر شروطها، و قد تنقضي الخصومة بسقوطها مثا دون أن تنقضي الدعوى، إذ يجوز البدأ في خصومة جديدة موضوعها دعوى السابقة.
3 – المطالبة القضائية: القضاء لا يمكن أن يتدخل و يقوم بحماية حق الشخص من تلقاء نفسه، لمجرد أن لشخص معين حق في الدعوى، و إنما القضاء يتدخل و يحمي هذه الحقوق بناء على طلب يتقدم به صاحب الحق.
إذا فالطلب القضائي يعد من أهم الأدوات أو الوسائل لاستعمال الحق في الدعوى، حيث أن الدعوى توجد قبل المطالبة القضائية و تظل قائمة رغم زوال المطالبة القضائية التي أنشأتها، إذ يمكن استعمال هذه تادعوى مرة أخرى بطلب جديد.
لهذا يمكن القول أن الدعوى القضائية ليست المطالبة القضائية، حيث يمكن استعمالها بوسائل أخرى كطرق الطعن القضائية.
4 – الدعوى و حق اللجوء إلى القضاء: حق اللجوء إلى القضاء هو حق مكفول دستوريا بموجب نص المادة 164 و المادة 165 من دستور 2020، و يتجسد هذا الحق من الناحية الإجرائية، في حق كل شخص في رفع دعوى قضائية لحماية حقه عن طريق الحصول على حكم قضائي فاصل في موضوع الدعوى المعروضة أمام القضاء متى توافرت شروط قبول الدعوى، لأنه لا يمكن التحقق من توافر هذه الشروط إلا بعد عرض الدعوى على القضاء، فإذا توافرت شروطها تقبل الدعوى و يحكم بما يطلبه الشخص، أما إذا لم تتوفر الشروط يخسر هذا الشخص دعواه.
رابعا: تقسيم الدعاوى القضائية: لما كانت الدعوى عنصرا مهما من عناصر الحق، فإنه يترتب على ذلك أن تأخذ أوصافه، فإن كان الحق شخصيا تكون الدعوى شخصية، أما إذا كان الحق عينيا فتكون الدعوى عينية.
و على هذا الأساس، يمكن تقسيم الدعاوى القضائية إلى عدة أنواع، سواء من حيث طبيعة الحق الذي تحميه أو حسب طبيعة المال محل الحماية ( محل الحق المدعى به).
1 – تقسيم لبدعوى القضائية بالنظر إلى طبيعة الحق محل الحماية: تنقسم هذه الدعاوى إلى عدة أقسام تتمثل في:
أ – الدعوى العينية: لقد قسم المشرع الجزائري الحقوق، إلى حقوق عينية و أخرى شخصية، فالحق العيني هو السلطة المباشرة يخولها القانون لشخص معين على شيء معين كحق الملكية مثلا، بمعنى أن صاحب الحق العيني يباشر حقه دون وساطة من أحد، فمالك السيارة مثلا يستطيع أن يستعملها بنفسه أو يؤجرها لغيره، أو يتصرف فيها بكافة أنواع التصرف دون حاجة إلى تدخل أي شخص.
هذا و قد وردت الحقوق العينية في القانون على سبيل الحصر، و بالمقابل فإن الدعاوى العينية هي الأخرى وردت على سبيل الحصر، و الهدف منها هو حماية الحق العيني، و من بين الدعاوى العينية تلك التي يكون موضوعها تأكيد أو إنكار حق الملكية أو حق الانتفاع أو الرهن.
كما أن الدعاوي العينية يمكن أن ترفع على أي شخص يدعي حقا على شيء، لأنها تستند إلى الحق العيني الذي هو سلطة لشخص على شيء معين يتبعه أينما كان.
ب – الدعوى الشخصية: الحقوق الشخصية هي تلك الحقوق التي يكون محلها قابل للتقويم بالنقود أو القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل، و الحقوق الشخصية هي تلك الرابطة التي تكون بين شخصين يسمى أحدهما بالدائن و الآخر بالمدين، و بمقتضى هذه الرابطة يكون للدائن حق مطالبة المدين بأداء مالي معين.
و عليه، فان هذه الحقوق لايمكن حصرها، و بالتالي فالدعاوى الشخصية لا يمكن حصرها هي الأخرى و من أمثلتها دعوى المؤجر على المستأجر للمطالبة بالأجرة،دعوى البائع على المشتري للمطالبة بثمن المبيع، و بالتالي فان الدعوى الشخصية لا يمكن لرفعها إلا من قبل أحد طرفي هذه الرابطة في مواجهة الآخر.
ج – الدعوى المختلطة: و هي الدعوى التي تستند إلى حقين أحدهما شخصي و الآخر عيني، ناشئين عن رابطة قانونية واحدة و تشمل هذه الدعاوي نوعين هما:
1 – هي الدعوى التي تهدف إلى تنفيذ العقد أو تصرف قانوني أنشأ أو نقل حقا عينيا، أو نشأ في نفس الوقت إلتزام شخصي مثال الدعوى التي يرفعها بائع العقار على المشتري لإلزامه بتسليم باقي المبلغ، فهنا الحق العيني هو ملكية العقار و الحق الشخصي هو تسليم باقي المبلغ.
2 – الدعوى التي تهدف إلى فسخ أو إبطال تصرف قانوني ناقل، أو منشئ لحق عيني عقاري و استرداد الشيئ محل التصرف مثال رفع البائع العقار بعقد غير مسجل على المشتري لفسخ البيع و استرداد العقار و الثمن، الحق العيني هو ملكية العقار و الحق الشخصي يتمثل في الفسخ و استرداد المبلغ.
2 – تقسيم الدعاوى بالنظر إلى محل الحق المدعى به: و تنقسم هذه الدعاوى من حيث طبيعة الحق محل الدعوى إلى:
أ – الدعاوى العينية العقارية: هي الدعوى التي يرفعها صاحب الحق العيني على العقار لحماية حقه، فهدفها هو حماية الحق العيني على العقار مثل دعوى الملكية العقارية هو تقرير أو إنكار حق الانتفاع، دعوى الحيازة.
ب – الدعوى الشخصية العقارية: هذه الدعوى تستند إلى حق شخصي يكون محله العقار، حيث يستعمل فيها رافعها ( المدعى) حقا شخصيا بهدف الحصول على حق شخصي على العقار مثال الدعوى التي يرفعها الشخص الذي إشترى عقار على البائع، لإلزامه باتمام إجراءات البيع ( الشهر)، ذلك أن حق المشتري قبل الشهر ينشأ إلتزاما شخصيا لا حقا عينيا.
ج – الدعوى العينية المنقولة: يتمثل الهدف من رفع هذا النوع من الدعاوى هو حماية حق عيني على منقول مثال دعوى استرداد المنقول المحجور، و التي يرفعها المدعي لمكلية المنقول.
د – الدعوى الشخصية المنقولة: تهدف هذه الدعوى إلى حماية حق شخصي سواء استندت على منقول أو نقود مثال الدعوى التي يرفعها الدائن على المدين للمطالبة بدينه.
3 – تقسيم الدعاوى العينية العقارية من حيث موضوعها: و تنقسم إلى قسمسن هما:
أ – دعاوى الحق: و تهدف هذه الدعوى إلى حماية حقا عينيا أصليا مثل حق الملكية.
ب – دعوى الحيازة: و تهدف إلى حماية حق الحيازة.