تاريخ ظهور تقليد البحوث الكمّية

·    الأنموذج الوضعي الإيجابي في البحوث الكمّية

   تمّ تعريف الوضعيّة من قبل العديد من الأفراد على مرّ الأعوام، فعلى سبيل المثال فهي تنصُّ على أنّ الوضعيّة تتبنّى وتعتقد مبادئ تتجلَّى في أربع نقاط[1]؛ (1) قاعدة الظّاهراتيّة the rule of phenomenalism التي تؤكّد أن هناك خبرة وحيدة مستقلّة، إذ يتمّ رفض جميع أشكال التّجريد الميتافيزيقية والرّوحية، (2) القاعدة الإسميّة the rule of nominalism الّتي توكّد على أنّ الكلمات، التّعميمات، والتّجريد وما إلى ذلك هي ظواهر لغويّة ولا تقدّم إضافات جديدة للعالم، (3) فصل الحقائق والأفعال عن القيم و(4) وحدة الطريقة المنهجية.

2- أنطولوجيّة وابستيمولوجية الحقائق في نظر تّقليد البحث الوضعي الكمّي؛

أنطولوجيّة الحقائق في نظر تّقليد البحث الوضعي الكمّي؛  

يرجع علم الوجود إلى فرع الفلسفة المعني بتوضيح طبيعة وبنية العالم. يحدّد شكل وطبيعة الواقع      وما يمكن معرفته عنه؛ أي الطّريقة التي يحدّد بها المحقِّق الحقيقة والواقع[2]، فهو نقطة البداية والانطلاق لكلّ بحث؛ لكونه يحدّد لنا الواقع والسياق الاجتماعي الذي نعيش فيه، وكيفية فهم العلاقة بين الناس في هذا الواقع المعيش من جانب، إضافة إلى فهم العلاقة التي بيننا وبين هذا الواقع والسّياق الاجتماعي من جانب آخر[3].

فالنّظر للواقع والوجود من منظور فلسفي إمّا أن يكون واحداً أو متعدّداً؛ فالبحث الكيفي يفترض تعدّد الوقائع الاجتماعيّة المعيشة، فتكون حتميّة العلاقة بينه وبين الباحث الدّارس له علاقة غير منفصلة،      أي يكون غير مستقل عن هذا الواقع ويكون جزءاً منه عند دراسة السّلوك الانساني، لأنّه يقف موقف المتفاعل بشكل مباشر مع هذا الواقع بهدف فهم المضامين المختلفة لمشكلة البحث الإنسانيّة في ذلك الواقع المتعدّد[4]، أمّا الباحث في البحث الكمّي تكون بينه وبين الواقع  الاجتماعي مسافة موضوعية ويكون مستقلاًّ عنه ولا يكون متفاعلاً معه لأنّه يطبق إجراءات بحثية ميدانية صارمة وموضوعية لدراسة الواقع وقياسه كمّياً[5].

هناك نوعان من المواقف الفلسفيّة المتناقضة واسعة النّطاق هما؛ الموضوعية objectivism (الوضعية-Positivsm) والبنائيّة constructionism (التّأويلية-Interpretivism)، تقول الموضوعيّة، إنّ هناك حقيقة مستقلّة واحدة، والبنائية التي تفترض أنّ الواقع هو نتاج العمليّات الاجتماعية [6] the product of social processes (حقائق متعدّدة).

  يعتمد النموذج الوضعي لاستكشاف الواقع الاجتماعي على الأفكار الفلسفية للفيلسوف الفرنسي أوغست كونت. وفقا له، فالملاحظة والعقل هما أفضل وسيلة لفهم السّلوك البشري. المعرفة الحقيقية مبنيَّة على تجربة الحواس ويمكن الحصول عليها عن طريق الملاحظة والتّجربة. على المستوى الأنطولوجي؛ يفترض الوضعيُّون أن الواقع يُعطى بشكل موضوعي ويمكن قياسه باستخدام خصائص مستقلّة عن الباحث والأدوات؛ وبعبارة أخرى، المعرفة موضوعية وقابلة للقياس الكمِّي. يتبنَّى المفكِّرون الوضعيُّون الأساليب العلميَّة وينظِّمون عملية توليد المعرفة بمساعدة القياس الكمِّي لتعزيز الدّقة في وصف التركيبات والعلاقة فيما بينها. الوضعية معنيَّة بالكشف عن الحقيقة وتقديمها بالوسائل التّجريبية[7].

   وفقًا لفوس (2000) ، يؤكّد الموقف الـتّأويلي ضدّ-الوضعي، أنّ المعرفة العلميّة تتكوّن من حقائق  في حين أنّ علم الوجود يعتبر الحقيقة مستقلَّة عن البناء الاجتماعي. إذا كانت الدّراسة البحثيّة تتكوَّن   من واقع مستقر وغير متغيّر، فيمكن للباحث اعتماد منظور موضوعي؛ علم الوجود الواقعي -الاعتقاد    في عالم موضوعي وحقيقي- والموقف المعرفي المنفصل القائم على الاعتقاد بأنّ تصوُّرات النّاس وبياناتهم   إمَّا صحيحة أو خاطئة، صحيحة أو خاطئة، معتقد من وجهة نظر المعرفة على أنّها صعبة وحقيقية ويمكن الحصول عليها؛ يمكنهم استخدام منهجيّة تعتمد على التّحكم والتّلاعب بالواقع     

ابستيمولوجيّة دراسة الحقائق في نظر التّقليد الوضعي الكمّي؛

تشير الإبستيمولوجيا "نظرية المعرفة" إلى طبيعة العلاقة بين الباحث (العارف) وما يدلّ على "طبيعة المعرفة البشرية، والفهم الذي يمكن اكتسابه من خلال أنواع مختلفة من الاستقصاء وطرق البحث البديلة (ميريام، 1998). أي كيف يمكننا الحصول على المعرفة من الواقع الذي نعيش فيه ونفهمها، وموقف الباحث من الحصول على هذه المعرفة من المنظور الفلسفي إمّا يكون موضوعيّاً أو ذاتيّاً[8].  تطرح "نظرية المعرفة" الأسئلة التّالية؛ ما العلاقة بين العارف وما هو معروف؟ كيف نعرف ما نريد معرفته؟ ما الّذي يعتبر معرفة؟ هناك نوعان من المواقف المعرفية الواسعة؛ الوضعية (الموضوعية) والتّأويليّة (الذّاتية).

  يذهب Healy & Perry، 2000، إلى أنّ الوضعية هي النّموذج السائد في العلم، وتفترض أنّ هذا العلم كميّاً يقيس الوقائع المستقلّة حول حقيقة واحدة مفهومة. بعبارة أخرى جمع البيانات وتحليلها خالية من القيمة value-free، والبيانات لا تتغيّر لأنّه يتمّ ملاحظتها، أي أنّ الباحثين ينظرون إلى العالم الواقعي من خلال "مرآة أحادية الاتّجاه"[9].

  بمعنى أوسع، فالوضعية هي رفض التّفسيرات الميتافيزيقية للواقع؛ إنّها ذلك الموقف الذي يرى بأنّ الهدف من المعرفة هو ببساطة وصف الظّواهر التي نشاهدها، والعلم هو ببساطة التّمسك بما يمكننا مراقبته وقياسه، ومعرفة أي شيء أبعد من هذا يمكن أن يحمله الوضعي أمر مستحيل[10].

بحسب الإبستيمولوجيا الوضعيّة positivist epistemology، ينظر إلى العلم على أنّه الطّريق للوصول إلى الحقيقة، لفهم العالم جيّداً بكفاية، بحيث يمكن التّنبُّؤ به والتّحكم فيه. فالعالم والكون في نظرها حتميّة deterministic، فهي تعمل بموجب قوانين السّبب والنّتيجة، يمكن تمييزها والكشف عنها إذا طبقنا مقاربة موحّدة للمنهج العلميّ. وهكذا فالعلم عند الوضعية شيء ميكانيكي إلى حدّ كبير[11]،

وفقًا لـ Neuman (2003) ، ترى الوضعية أنّ العلوم الاجتماعية طريقة منظَّمة للجمع بين المنطق الاستنتاجي والملاحظات التّجريبية الدّقيقة للسّلوك الفردي من أجل اكتشاف وتأكيد مجموعة من القوانين السّببيّة الاحتمالية التي يمكن استخدامها للتّنبؤ بأنماط عامّة للنّشاط البشري[12]. الافتراض الأساسي لهذا النموذج كما لاحظ Ulin و Robinson و Tolley (2004) هو أنّ، هدف العلم هو تطوير أكثر الأساليب الموضوعية الممكنة للحصول على أقرب فهم للواقع. يشرح الباحثون الذين يعملون من هذا المنظور بعبارات كمّية كيف تتفاعل المتغيّرات وتشكّل الأحداث وتسبّب النّتائج. غالبًا ما يطوِّرون ويختبرون    هذه التّفسيرات في الدّراسات التّجريبيّة. يؤكّد هذا الإطار على أنّ المعرفة الموثوقة تقوم على الملاحظة المباشرة أو التّحكم بالظّواهر الطّبيعية من خلال وسائل غالبًا ما تكون تجريبية (نيومان، 2003).

يستخدم التّفكير الاستنتاجي لافتراض النّظريات التي يمكن اختبارها. بناءاً على نتائج الدّراسات،         قد يُتوصَّل إلى أنّ النّظرية لا تتناسب مع الحقائق بشكل جيد، وبالتّالي يجب مراجعة وتعديل النّظرية للتّنبؤ بشكل أفضل بالواقع. يعتقد الوضعيُّون في الإمبريقية التّجريبية، والفكرة القائلة بأنّ الملاحظة والقياس     هما جوهر المسعى العلمي. أي المقاربة الرئيسية للمنهج العلمي هي التّجربة، ومحاولة الكشف عن قوانين الطّبيعة من خلال التّحكّم والمراقبة[13].

قائمة المراجع؛

[1]Burrell, G., & Morgan, G. (1979). Sociological paradigms and organizational analysis. London: Heinemann.

 

[2] J. Grix, (2004). The foundations of research. Houndmills: Palgrave Macmillan

 

[3] N. Blaikie, (2010). Designing social research: The logic of anticipation. Cambridge: Polity Press.

 

[4] S. E. Krauss, (2005). Research paradigms and meaning making: A primer. The QualitativeReport,10(4),758-770.Retrievedfrom http://www.nova.edu/ssss/QR/QR10- 4/krauss.pdf

 

[5] J. Grix, op.cit.

 

[6] Neuman, W.L. (2003) Social Reasearch Methods: Qualitative and Quantitative Approaches. (5th ed). Boston: Allyn and Bacon.

 

[7] Ibid, p.21-34

 

[8] J. Grix, (2004). The foundations of research. Houndmills: Palgrave Macmillan.

[9] Healy, M., & Perry, C. (2000). Comprehensive criteria to judge validity and reliability of qualitative research within the realism paradigm. Qualitative Market Research – An International Journal, 3(3), 118-126.

 

[10] Trochim, W. M. (2000). The research methods knowledge base. Retrieved November 13, 2003, from http://www.socialresearchmethods.net/kb/

 

[11] Ibid.

 

[12] W. L. Neuman, (2003). Basics of social research: Qualitative and quantitative approaches (2nd ed.). Pearson, Allyn and Bacon.

 

[13] Trochim, W. M. (2000). Op.cit.


Modifié le: dimanche 16 mars 2025, 23:05