بعدما يتكون القرار، و يصبح ملموسا بعد استنفاذ جميع الطرق القانونية لخروجه للواقع القانوني، نكون أمام عملية قانونية قابلة لأن تصبح نافذة في مواجهة من أصدرها و في مواجهة من أصدرت إليه.
هذا و تقتضي القاعدة العامة أن القرارات الإدارية بمجرد صدورها تصبح سارية المفعول، سواء في مواجهة الإدارة أو في مواجهة المخاطبين بها.
و إلى جانب ذلك، و لأن القرار الإداري يحوز على قوة تنفيذية مباشرة و يحمل في طياته قرينة صحته ما لم يثبت العكس، فإنه ينفذ في مواجهة المخاطبين به بمجرد سريانه.
ترتيبا على ما سبق، تختلف عملية نفاذ القرارات الإدارية عن عملية تنفيذها، في أن الأولى عملية قانونية تتحقق بالنشر و التبليغ، أما الثانية فهي عملية مادية لاحقة لها تدخل مضمون القرار الإداري إلى التطبيق الفعلي، حيث تختلف الطريقة التي ينفذ بها القرار الإداري باختلاف الوضعية التي تواجه منفذه و مدى تقبل الطرف الذي يعنيه.
و على هذا الأساس، و لتفصيل أكثر في نفاذ و تنفيذ القرار الإداري يتعين علينا أن نقسم الموضوع إلى محورين أساسيين، حيث يتضمن كل محور عناصر مهمة، و تتمثل هذه المحاور في:
1– نفاذ القرار الإداري
2 – تنفيذ القرار الإداري
أما بالنسبة للهدف من الدراسة يتمثل في:
- تمكين الطالب من أخذ فكرة واضحة حول عملية نفاذ القرار الإداري في مواجهة الإدارة و الأفراد المخاطبين به؛
- تمكين الطالب من معرفة مبدأ سريان القرار الإداري بأثر الفوري و أهم الإستثناءات الواردة عليه؛
- توضيح للطالب أهمية التفرقة بين القرار الفردي و التنظيمي؛
- القدرة على حصر أهم الوسائل التي يمكن بها نفاذ القرار الإداري في مواجهة الأفراد المخاطبيه به ( التبليغ و النشر).
- تبيان للطالب أهم الوسائل التي تعتمد عليها الإدارة في عملية تجسيد مضون القرار الإداري على أرض الواقع؛
- تحديد أهم الحالات التي تعتمد عليها الإدارة للتنفيذ الجبري للقرار الإداري.
أولا: نفاذ القرار الإداري
تقتضي القاعدة العامة أن القرارات الإدارية بمجرد صدورها تصبح سارية المفعول، سواء في مواحهة الإدارة أو مواجهة المخاطبين به.
1 – نفاذ القرارات الإدارية في مواجهة الإدارة:
يرى فقهاء القانون الإداري أن سريان القرارات الإدارية و نفاذها في مواجهة الإدارة، يكون بمجرد صدورها.و على هذا الأساس يأخذ الفقه بمبدأ سريان القرار الإداري بأثر فوري للقرار الإداري.
أولا: سريان القرار الإداري بأثر فوري: لقد أجمع الفقه الإداري على سريان القرار الإداري في مواجهة الإدارة التي أصدرته يبدأ من تاريخ إصداره، إلا أن الخلاف ثار حول طبيعة القرار الذي يسري بالنظر إلى طبيعته سواء كان فرديا أو تنظيميا.
أ – القرار الفردي: لا تحتج فيه الإدارة بعدم التبليغ، ذلك أن شكلية التبليغ قررت لمصلحة الفرد المخاطب بالقرار الإداري و ليس لمصلحة الإدارة، إذ يحوز القرار الفردي قوة تنفيذية من تاريخ إصداره في مواجهة الإدارة.
ب – القرار التنظيمي: اختلفت أراء الفقهاء الإداريين و أنقسمت إلى إتجاهين حول سريان القرار التنظيمي.
الإتجاه الأول: يرى هذا الجانب من الفقه أن سريان القرار الإداري في مواجهة الإدارة يكون من تاريخ صدوره، إذ يجوز للمخاطبين به التمسك بالحقوق التي نجمت عنه بمجرد إصداره، كون أن النشر مقرر لمصلحة الأفراد في مواجهة الإدارة و ليس العكس.
و عليه و حسب هذا الرأي إن القرار الإداري ينفذ بغض النظر عن كونه فردي أو جماعي، فبمجرد صدوره مستوفيا لجميع أركانه الشكلية و الموضوعية يصبح ساري المفعول، إذ لا يتوقف سريانه على شرط علم المخاطبين به على اعتبار أن الإدارة لها علم بكل القرارات الصادرة عنها، لهذا لا يمكنها أن تتمسك بعدم نشر القرار التنظيمي.
الإتجاه الثاني: يرى أصحاب هذا الإتجاه أن القرار التنظيمي لا يسري في مواجهة الإدارة التي أصدرته إلا من تاريخ نشره، حيث ربط هذا الإتجاه نشر القرار التنظيمي بنشر باقي النصوص القانونية، على اعتبار أن القرار التنظيمي يتضمن مثله مثل القانون قواعد عامة و مجردة.
و على هذا الأساس، لا يسري القرار التنظيمي في مواجهة المخاطبين به، إلا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
ثانيا: الإستثناءات الواردة على سريان القرار الإداري بأثر فوري
أورد الفقه الإداري بعض الإستثناءات تقيد سريان القرار الإداري بمجرد صدوره و هذا لإعتبارات أهمها:
1 – مبدأ رجعية القرار الإداري: تقتضي القاعدة العامة عدم مساس بالحقوق المكتسبة التي تولدت للأفراد جراء القرار الإداري و ذلك لضمان إستقرار المعاملات.
لقد وردت على هذا المبدأ إستثناءات تمتلت في:
- إذا أجاز نص تشريعي للسلطة الإدارية اتخاذ قرار إداري يمس بالحقوق المكتسبة.
- إذا أصدرت السلطة القضائية حكما يقضي بإلغاء قرار إداري مشوب بعيب من عيوب تجاوز السلطة.
- قيام السلطة الإدارية بإلغاء قرار إداري صادر عنها، سواء في المدة التي أجازها القانون أو خارج تلك المدة في حالة التزوير مثلا، فهنا لا يعد مساسا بالحقوق المكتسبة التي تتعارض مع مبدأ رجعية القرار الإداري.
2 – تعليق القرار على شرط واقف: إن تعليق القرار الإداري على شرط واقف يعد من بين العوائق الت تحد من سريان القرار الإداري بأثر فوري، هذا و يأخذ هذا التعليق صورتين هما:
أ – قيام السلطة المكلفة بالوظيفة بإلغاء منصب مالي، يجعل من نفاذ القرار الإداري الصادر بتعيين الموظف مستحيلا، لأن تنفيذه مرهون بتوفير المنصب المالي.
ب – إذا كان سريان القرار الإداري موقوفا على إجراء معين بعد إصداره، فيتعين استيفاء الإجراء قبل أن يدخل القرار الإداري حيز النفاذ، فعدم مصادقة السلطة الوصية على قرار ما يجعله يتأخر في سريانه حتى استيفاء شرط التصديق.
2 – نفاذ القرارات الإدارية في مواجهة الأفراد:
يعني نفاذ القرارات الإدارية في مواجهة الأفراد، أو سريان الأوضاع أو المراكز القانونية التي أنشأها القرار الإداري أو عدلها أو ألغاها.
و على هذا الأساس، لا يعقل أن يؤثر القرار الإداري على المراكز القانونية ما لم يدخل حيز النفاذ.
و على عكس سريان القرار الإداري في مواجهة الإدارة التي أصدرته بمجرد صدوره، فإن سريانه في مواجهة الأفراد المعنيين به لا يتحقق إلا بإحدى الوسيلتين التي أقرها القانون بموجب المادة 829 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و التي تتمثل في التبليغ و النشر.
1 – تبليغ القرار الإداري الفردي: يقصد به إعلام الشخص المخاطب به بالطريقة التي حددها القانون رسميا و المتمثلة في التبليغ. حيث تعلم الإدارة المصدرة للقرار الشخص المخاطب به بكافة التفاصيل التي تضمنها القرار و بصورة واضحة.
و عليه، يتميز علم المخاطب بالقرار الإداري بأنه علم فعلي لا إفتراضي، ذلك أن القانون ألزم الإدارة بتبليغ القرارات الفردية التي تصدرها في مواجهة المخاطبين بها، لتكون حجة عليهم في المواعيد و في الإعتراضات.
2 – نشر القرار التنظيمي: باعتبار القرار التنظيمي يخاطب مجموعة من الأفراد بصفاتهم و ليس بذواتهم، لدى و نظرا لصعوبة تبليغ القرار التنظيمي لكل شخص مخاطب به لإستحالة ضبطهم كلهم، فألزم التشريع الجزائري في هذه الحالة بنشر القرار الإداري باعتباره وسيلة رسمية مفروضة على الإدارة المصدرة للقرار لإعلام الأفراد المخاطبين به.
3 – نظرية علم اليقين: يقوم العلم اليقيني على أساس وجود واقعة أو قرينة تفيد علم المخاطب بالقرار الإداري بكل عناصره، و يعتبر تاريخ تحقيق العلم اليقيني تاريخا لنفاذ القرار في حق المخاطب به، أو هو العلم اليقيني بالقرار بأي كيفية كانت معتبرا في ذلك أن الهدف من النشر و الإعلان هو نقل فحوى القرار إلى المخاطبين به، و ما دام الأمر قد تحقق بدونهما فإن الميعاد يعتبر قد بدأ في السريان من تاريخ هذا العلم، و يكون ذلك متى قام الدليل القاطع وفقا لمقتضيات ظروف النزاع و طبيعته على علم صاحب الشأن بالقرار.
ثانيا: تنفيذ القرار الإداري
تختلف عملية نفاذ القرارات الإدارية عن عملية تنفيذها، في أن الأولى عملية قانونية تتحقق بالنشر و التبليغ، أما الثانية فهي عملية مادية لاحقة لها تدخل مضمون القرار الإداري إلى التطبيق الفعلي.
و تختلف الطريقة التي ينفذ بها القرار الإداري، بإختلاف الوضعية التي تواجه منفذه و مدى تقبل الطرف الذي يعنيه.
1 – تنفيذ القرار عن طريق الإدارة: و يسمى هذا التنفيذ بالتنفيذ المباشر، إذ تقوم الإدارة بتنفيذ قرارها مباشرة في مواجهة الأفراد دون أن تستعين بأية سلطة.
1 – حالات التنفيذ المباشر: حتى لا تعتبر الإدارة متعسفة في إستعمال سلطتها عند قيامها بتنفيذ القرار الإداري بطريق مباشر، فقد ألزمها التشريع أن لا تلجأ إلى هذا الإجراء الاستثنائي إلا حالتين:
أ – متى أجاز نص تشريعي ذلك: يلجأ المشرع الجزائري في الكثير من الأحيان، بإصدار نصوص قانونية تبين للإدارة الطريقة التي تنتهجها لتحقيق القرار على أرض الواقع، مثلا نص المشرع في مواد الضرائب و الجبايات على قيام الإدارة بمتابعة إجراءات التحصيل الغلق و الحجز الإداري.
ب – إذا اقتضت الضرورة ذلك: إن الأصل العام الإدارة تصدر القرارات الإدارية لتحقيق المصلحة العامة المتمثلة في الأمن العام، فإذا رأت الإدارة أن وضع ما يستدعي إصدار قرار إداري فإنها لا تتأخر في إصداره.
و نفس الشيء متعلق في تنفيذ القرار فإذا اقتضت الضرورة نتيجة لظروف إستثنائية، جاز للإدارة تنفيذ القرارات التي أصدرتها حتى و أن لم يوجد نص قانوني يخول لها ذلك.
2 – طرق التنفيذ المباشر: تلجأ الإدارة لتنفيذ قراراتها إلى طريقتان، و ذلك حسب إستجابة الشخص المخاطب به إما اختياريا أو جبرا.
1 – التنفيذ الإرادي للقرار: بعد صدور القرار الإداري يلتزم كل المعنيين بالقرار من أفراد مخاطبين به، و السلطة التي أصدرته تنفيذ محتواه.
حيث أن الإدارة و نظرا لتمتعها بإمتيازات السلطة العامة، فإنها ملزمة بخلق الجو الملائم و كل الضمانات من أجل لا يبقى القرار الإداري مجرد حبر على الورق.
2 – التنفيذ الجبري للقرار الإداري: عند عدم استجابة المخاطبين بالقرار لتنفيذه، تلجأ الإدارة إلى وسائل التنفيذ الجبري و ذلك لحمل الأفراد على الرضوخ لمضون القرار.
هذا و قد قيد المشرع الجزائري لجوء الإدارة لإستعمال أسلوب الجبري بعدة شروط تتمثل في:
- وجود نص قانوني يجيز لها إستعمال التنفيذ الجبري؛
- حالة رفض الأفراد المخاطبين بالقرار الإداري الإستجابة للقرار، مع وجود جزاء على عدم تنفيذه مثلا الموظف الذي لاينفذ القرار الذي أصدرته السلطة التابع لها و المتعلق بالنقل الإجباري إلى وظيفة أخرى، و عدم إلتحاقه بوظيفته الجديدة يترتب عليه عقوبات؛
- عندما تستدعي الضرورة و الظروف الإستثنائية الإدارة التدخل من أجل مواجهة هذه الوضعية.
3 – تنفيذ القرار الإداري عن طريق القضاء: إذا إمتنع الأفراد المخاطبين بالقرار الإداري عن تنفيذه و عجزت السلطة الإدارية عن تنفيذه جبرا لعدم توفر الشروط الملائمة، فهنا خول لها التشريع الجزائري اللجوء إلى القضاء، من أجل إستصدار حكم قضائي يجبرهم على تنفيذ القرار الإداري تحت طائلة الغرامة التهديدية، و هو نفس السبيل الذي ينتهجه الأفراد إذا إمتنعت الإدارة عن تنفيذ القرار الإداري صدر لصالح المنفذ له.
1 – مطالبة الإدارة بتنفيذ القرار الإداري: تنتهج الإدارة في ذلك طريقتين، إما الطريق الجزائي أو الطريق الإداري.
أ – القضاء الجزائي: يعد عدم الانصياع لقرارات الإدارة جريمة يعاقب عليها القانون، سواء كانت هذه القرارات صادرة عن سلطة مركزية أو سلطة محلية، بحيث تلجأ الإدارة إلى القاضي الجزائي لتحريك دعوى عمومية، ضذ المخاطب بالقرار الممتنع عن التنفيذ، متبعة في ذلك الإجراءات القانونية اللازمة أمام القاضي الجزائي.
ب – القضاء الإداري: يمكن للسلطة الإدارية أن تلجأ إلفى جهات القضاء الإداري المختصة، من أجل استصدار حكم على فرد بتنفيذ القرار المنازع فيه.
و يستوجب على الإدارة اللجوء إلى القاضي الإداري، و إن كانت الدعوى ذات طبيعة مدنية، و يعد من قبيل هذه الإجراءات الدعوى التي ترفعها الإدارة ضد موظف انتهت وظيفته ( تقاعد أو استقالة) من أجل إخلاء السكن الوظيفي.
2 – مطالبة الأفراد بتنفيذ القرار الإداري: قد يصطدم الفرد المخاطب بالقرار الإداري أحيانا بقيام الإدارة بإصدار قرار إداري، ثم تمتنع عن تنفيذه فهنا يلجأ الفرد أمام القضاء الإداري من أجل إجبارها على تنفيذ القرار الذي أصدرته عن طريق فرض الغرامة التهديدية.