خطوات المنهج التاريخي

تحديد المشكلة :

ـ يتم اختيار موضوع البحث التاريخي في ضوء المعايير العامة لاختيار المشكلة(  أي الظاهرة أو الحادثة التاريخية التي تدور حولها التساؤلات مع التركيز على البعدين الزمني والمكاني الذي ،) حدثت فيه الظاهرة أو تم فيه الحدث التاريخي ويشترط أن يكون له امتدادا تاريخيا وله صفة الدوام والاستمرار أو بمعنى آخر متى ؟ وأين ؟ وكيف ؟ ولماذا وقع هذا الحدث التاريخي؟ ومن هم القادة أو الزعماء الذين كان لهم دور بارز في هذه الواقعة ؟ بالإضافة إلى دراسة السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد أثناء الحدث التاريخي.

جمع البيانات:

تتطلب هذه الخطوة من الباحث الغوص بعيداً في المصادر الأولية والثانوية واختيار البيانات التي ترتبط بمشكلة بحثه، ومما تجدر الإشارة إليه ان على الباحث التمييز بين نوعين من المصادر، إذ تتمثل المصادر الأولية في ما ظهر منها أولاً، وهي تأخذ أشكالاً مختلفة منها الخطابات، والمذكرات اليومية، والخطب، والقوانين، وتقارير التعداد، وسجلات الهجرة، والوثائق والصور الفوتوغرافية، واللوحات الزيتية، والأفلام والمباني، ومن أهم أشكال المصادر الأولية للبحوث التاريخية المقابلات الشخصية التي تعطى الحيوية لتلك البحوث، وعلى الباحث أن يتحرى الدقة في ذلك من خلال تكرار تشابه رواية الحدث من عدد من الناس بنفس الطريقة، حيث يعطى الثقة والمصداقية في تلك الرواية لتصبح شاهداً تاريخياً.

وتتمثل المصادر الثانوية في أعمال المؤرخين الذين كتبوا وفسروا الأعمال التي تناولتها المصادر الأولية ومنها الصحف والمجلات، وكذلك الكتابات الأدبية، والأعمال الفنية، والقصص، والقصائد، والأمثال، والأعمال، والألعاب، والرقصات المتوارثة.

فيقوم الباحث بجمع المعلومات من مصادرها الأولية (الأصلية والمباشرة) والثانوية (غير الأصلية) وغالبا ما يبدأ بجمع المصادر الثانوية بهدف الوصول إلى المصادر الأولية وعليه تحديدهما والتمييز بينهما.

أ‌-     المصادر الأولية:

تضم الآثار والوثائق، فالآثار هي بقايا أحداث وقعت في حقبة تاريخية ماضية، أمّا الوثائق فهي سجلات لوقائع ماضية قد تكون مكتوبة أو مصورة أو شفهية. يشمل السجل الكتابي المخطوطات والرسائل، ويضم السجل المصور الفنون المختلفة من رسوم وفيديوهات وصور، أما السجل الشفوي فيعني الروايات والشهادات، ويستعين رجل القانون عند دراسته لظاهرة معينة وفق المنهج التاريخي بالوثائق الرسمية كالتشريعات القديمة المنشورة في الجرائد الرسمية والأحكام القضائية، ومحاضر اجتماعات الهيئات الرسمية والمؤسسات الدستورية والسياسية.

-المصادر الثانوية:

هي مصادر غير مباشرة للمعلومات وتشمل كلّ ما نقل أو كتب من المصادر الأولية، مثل الكتب والمؤلفات التي كتبت حول نص قانوني قديم مثلا، والمقالات المنشورة في المجلات والدوريات في فترة زمنية معينة.

-نقد الوثائق التاريخية:

أي نقد مصادر المعلومات والمادة العلمية التي جمعت، بعد عملية جمع الوثائق يقوم الباحث بفحص المصادر ونصوص الوثائق للتأكد من صحتها ودقتها، ويتم ذلك عن طريق النقد الخارجي والنقد الداخلي.

تعد عملية نقد مصادر المعلومات في البحث التاريخي ضرورية وهامة، فالوثائق والسجلات والكتب يمكن أن تتعرض للتحريف أو التعديل أو التزوير، كما أن شهادات الأشخاص أيضا عرضة للتزوير والنسيان، ومن الممكن أن تقوم جهات معينة بدس وثائق وسجلات لخدمة غرض معين، فقد اكتشف الباحثون أن كثيراً من المسلمات التي كانت شائعة ليست صحيحة، وكثيراً من المواقف والآراء التي الصقها المؤرخون بأشخاص تبين أنها ليست صحيحة، وهذا يجعل مهمة الباحث في نقد المصادر وتصحيحها مهمة بالغة الدقة، فالباحث ينقد وثائقه نقداً خارجياً يتصل بأصالتها، ونقداً داخلياً يتصل بمحتواها.

- النقد الخارجي للوثائق:

يهدف هذا النقد إلى التعرف على هوية وأصالة الوثيقة، والتأكد من مدى صحتها، وتحديد زمان ومكان وشخصية المؤلف للوثيقة، وكذلك ترميم أصلها إذا طرأت عليها تغيرات، وإعادتها إلى حالتها الأولى، ويمكن القيام بهذه العملية عن طريق طرح الأسئلة التالية: 

- هل تطابق لغة الوثيقة وأسلوب كتابتها وخطها وكيفية طباعتها مع أعمال المؤلف الأخرى، ومع الفترة التي كتبت فيها الوثيقة ؟

- هل هناك تغيرات في الخطوط ؟

- هل هذا المخطوط أصلي أم هو نسخة منقولة عن الأصل ؟

- هل يظهر المؤلف جهلاً ببعض الأشياء التي كانت من المفروض أن يعرفها ؟

ويهتم النقد الخارجي أيضا بالبراهين والأدلة من أجل إثبات صدق ويهتم الوثيقة، فيجب التأكد من شخصية كاتبها أو مؤرخها وما عرف عنه من صدق أو أمانة، وذلك بدراسة تاريخه، وما كتب عنه كما يجب التحقق من تاريخ النشر لما له من دلالة على ما ورد بالوثيقة، كما يجب التأكد الكاتب إذا كان معاصراً للحوادث التي كتب عنها وهل هو شاهد عيان صادق في كتابة ما حدث.

يهدف إلى التعرف على صحة وصدق الوثيقة لقبولها كدليل في البحث أو عدم قبولها، ويثير الباحث تساؤلات آنفة الذكر ،كما يتم النقد بالرجوع إلى المكانة العلمية وأمانة الباحث.

وينقسم النقد الخارجي إلى نقد المصدر ونقد التصحيح، نقد المصدر يقصد به التأكد من الجهة صاحبة الوثيقة والتأكد من شخصية كاتبها. ونقد التصجيج يقوم على أساس التحقق من صحة الوثيقة بإسنادها لصاحبها وبارتباطها بالوقائع الخاصة بها.

-النقد الداخلي:

ويتم هذا النقد عن طريق تحليل وتفسير النص التاريخي والمادة التاريخية، وهو ما يعرف بالنقد الداخلي الإيجابي، وبواسطة إثبات مدى أمانة وصلة الكاتب ودقة معلوماته، وهو ما يعرف بالنقد الداخلي السلبي، ويمكن القيام بعملية النقد الداخلي، بواسطة طرح الأسئلة التالية.

1 - هل المؤلف صاحب الوثيقة ؟

2- هل يملك المؤلف المهارات والقدرات والمعارف اللازمة لتمكنه من ملاحظة الحوادث التاريخية وتسجيلها ؟

3 - هل حالة المؤلف العلمية وسلامة حواسه وقدراته العقلية تمكنه من الملاحظة العلمية الدقيقة والكاملة للحوادث التاريخية وتسجيلها بصورة سليمة ؟

4- هل ما كتبه المؤلف كان بناء على ملاحظته المباشرة ؟ أم نقلا عن شهادات الآخرين ؟ أو اقتباسا من مصادر أخرى ؟

5-  هل اتجاهات وشخصية المؤلف تؤثر في موضوعية التأليف من خلال ملاحظاته وتقاريره للحوادث التاريخية ؟

وأثناء عملية التحليل والنقد الداخلي يجب على الباحث أن يبتعد عن التصديق المطلق لكل ما ورد في الوثيقة، بل يجعل الشك منطلقاً للوصول إلى الحقيقة، ومقارنة ما أورده الكاتب من معلومات ومدى قربها من الواقع ومطابقتها مع المصادر الأخرى، ومن هنا تأتى أهمية النقد الداخلي للوثيقة التي يعتمد عليها في نقل المعلومات.

فيهتم  هذا النقد بالمضمون والمعلومات التي تحتويها الوثيقة والوقوف على ما قد تشتمل عليه من أخطاء وتناقضات، وتتم عملية النقد الداخلي عن طريق تحليل وتفسير المادة العلمية بالبحث عن المعاني التي يقصدها مؤلف الوثيقة بهدف التحقق من صدق المقدمات الفكرية التي بنى عليها أفكاره. ويتضمن النقد الداخلي بيان حدود أهلية الكاتب من حيث سنه حين كتبها أو من حيث لغة الوثيقة، ومن حيث خبرته ودراسة ظروف تدوينها فيما إذا كتبت مباشرة بعد الحدث أو نقلا عن شهود عيان، ودراسة ارتباط الوثيقة بغيرها من الوثائق المكتوبة في نفس الموضوع ومقارنتها معها.

-صياغة الفرضيات والتحقق منها:

يقوم الباحث بوضع الفرضيات التي تفسر أسباب الأحداث التاريخية ثم ينتقل إلى التحقق من صحتها ودقتها من أجل إمّا قبولها أو رفضها واستبدالها بفرضيات أخرى، ويتم وضع الفرضيات وفق تسلسل زمني أو موضوعي أو جغرافي وهذا بحسب طبيعة موضوع الدراسة أو مزيج بينها. ويكمن نجاح الباحث في تركيب المادة العلمية والبيانات التي جمعها في إطار موحد غير متناقض.

ويتم التركيب عن طريق تكوين صورة واضحة عن كل حدث تاريخي باعتباره حقيقة وتصنيف الحقائق إلى فئات بحسب التسلسل المنطقي للأحداث، وربطها بعلاقة السببية للتمكن من استخراج القواعد التي تفسر الأحداث التاريخية.

-استخلاص النتائج:

 إن عملية جمع الوثائق ونقدها وتفسيرها وتحليلها والتحقق من الفرضيات تمكّن الباحث من استخلاص النتائج وفق أسلوب علمي وموضوعي، وهذه المرحلة تبرز النتائج العلمية للبحث التاريخي وتقدمها في شكل قواعد عامة أو نظريات تشرح وتفسر الظواهر التاريخية، لهذا يقترب من المنهج الاستقرائي لأنه يدرس أحداثا تاريخية باعتبارها قضايا جزئية ليصل إلى نتائج يتم تعميمها.

Modifié le: mercredi 5 février 2025, 20:47