المحاضرة التاسعة: التنظيم التشريعي لجريمة الاستيلاء على أموال الشركة طبقا لقانون العقوبات

       جاء في قانون العقوبات نوعين من الجرائم تدخلان في نطاق جرائم التسيير، وهما خيانة الأمانة أو كما تسمى إساءة الإئتمان التي يقوم بها المسير، والتي جاء بها المشرع الجزائري في  القسم الثالث من الفصل الثالث تحت عنوان الجنايات والجنح ضد الأموال في المواد من 376 إلى 382 مكرر1، وجريمة الاستيلاء على الأموال المشتركة والتي تعتبر هي الأخرى نوع من أنواع جريمة السرقة التي تقع على الأموال المشتركة، ولمزيد من التفصيل سنتطرق في الفرع الأول لجريمة خيانة الأمانة وفي الفرع الثاني لجريمة الاستيلاء على الأموال المشتركة.

أولا: جريمة خيانة الأمانة المرتكبة من طرف مسيري الشركات.

       قبل التطرق إلى أركان جريمة خيانة الأمانة المرتكبة من طرف مسيري الشركات لا بد من تعريف خيانة الأمانة أولا لغة،  فالخيانة مشتقة من خان يخون خونا، والخائن هو من خان ماجعل عليه أمينا، وخانه أي لم يرع عهده، وأصل المعنى النقص والتفريط بالأمانة، والأمانة هي ضد الخيانة والأمانة هي الاطمئنان والأمانة هي الوديعة.

       أما خيانة الأمانة اصطلاحا هي حبس مال ليس عليه بينة ومنعه وعدم رده لأصحابه وجحده ومخاصمته للاستيلاء على هذا المال.

وهي: " إخلال بالالتزام بالرد الذي يولد مركز ائتماني معين يحميه جزاء".

       وخيانة الأمانة أو إساءة الإئتمان قانونا هي خيانة الثقة الممنوحة لشخص باستيلائه على الحيازة الكاملة لمال الغير المنقول الذي سلم إليه على سبيل الحيازة الناقصة بناء على عقد من عقود الأمانة، وقد كانت تعتبر هذه الجريمة نوعا من أنواع السرقة في القانون الروماني والقانون الفرنسي القديم، بحيث كانت جرائم السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان تعتبر جريمة واحدة، إلى أن قامت الثورة الفرنسية وتم وضع تشريع عقابي لها في سنة 1791 بحيث تضمن هذا التشريع ولأول مرة النص على معاقبة هذه الجريمة في قانون العقوبات الصادر في 1810، وأطلق عليها اصطلاح abus de confiance

       تفترض هذه الجريمة أن يقوم المجني عليه بتسليم المال بإرادته للجاني على أن يقوم هذا الأخير برد المال إلى صاحبه فيما بعد، وقد تناولها المشرع الأردني في المادة 422 ق.ع، والتي تنص على أن "كل من سلم إليه على سبيل الأمانة أو الوكالة ولأجل الإبراز والإعادة أو لأجل الاستعمال على صورة معينة أو لأجل الحفظ أو لإجراء عمل-بأجر أو من دون أجر- ما كان لغيره من أموال ونقود وأشياء وأي سند يتضمن تعهدا أو إبراءا، وبالجملة كل من وجد في يده شيءا من هذا القبيل فكتمه أو بدله أو تصرف به تصرف المالك أو استهلكه أو أقدم على أي فعل يعد تعديا أو امتنع عن تسليمه لمن يلزم تسليمه إليه".

       أما المشرع الجزائري فجرم هذا الفعل وعرفها في المادة 376 ق.ع فقرة 1على أن:" كل من اختلس أو بدد بسوء نية أوراقا تجارية أو نقودا أو أوراقا مالية أو مخالصات أو أية محررات أخرى تتضمن أو تثبت التزاما أو إبراءا لم تكن قد سلمت إليه إلا على سبيل الإجارة أو الوديعة أو الوكالة أو الرهن أو عارية الاستعمال أو لأداء عمل بأجر أو بغير أجر بشرط ردها أو تقديمها أو لاستعمالها أو لاستخدامها في عمل معين وذلك إضرارا بمالكيها أو واضعي اليد عليه أو حائزيها، يعد مرتكبا لجريمة خيانة الأمانة ويعاقب بالحبس من ثلاث أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 500 إلى 20.000دج..".

       وبالتالي وتبعا لما سبق فيمكن تعريف جريمة خيانة الأمانة بأنها استيلاء شخص على مال، كان حائزا عليه بناءا على عقد من العقود التي حددها القانون، وذلك بخيانته للثقة التي وضعها فيه صاحب المال، وتحويل المال من حيازته بصفة مؤقتة إلى حيازة دائمة وتحول النية من نية الإئتمان إلى نية التملك بصفة دائمة.

       وسنتناول فيما يلي أركان الجريمة والطبيعة القانونية لها وإثباتها وأثارها، بالتفصيل.

1: أركان جريمة خيانة الأمانة المرتكبة من طرف مسيري الشركات

       تقوم جريمة خيانة الأمانة على ثلاث أركان أساسية، ركن متعلق بالمال موضوع الجريمة، وركن يتعلق بفعل الجاني، وأخيرا القصد الجنائي، وسوف نعالج كل ركن منها على حدى.

-الركن المادي:

أ/ محل الجريمة: محل جريمة إساءة الائتمان هو مال مادي منقول مملوك للغير، يكون قد سلم للجاني تسليما ناقلا للحيازة الناقصة على سبيل الأمانة، وهذا ما سنبينه خلال النقطتين التاليتين:

*  محل الجريمة مال منقول مملوك للغير: المال هنا هو كل ما يمكن تقييمه بالنقود من الأشياء المادية، وكل ما يصلح لأن يكون محلا لحق من حقوق الملكية، شريطة أن يكون له كيان مادي قابل للحيازة، لأن الحقوق لا تصلح لأن تكون محلا لإساءة الإئتمان، إلا أن السندات التي تثبت هذه الحقوق تصلح محلا لها، ويصلح في المال أن يكون أوراقا تجارية أو نقدا أو بضائع أو أوراقا مالية أو مخالصات أو أي محررات أخرى ، وهذه العبارة في نص المادة 376 ق.ع،ج  تتسع لكل ما هو مال، وبالتالي فهذه الأموال تشمل الأموال القيمية والأموال المثلية.

       ويفهم من تحليل النص أن هناك قيم مادية وأخرى غير مادية، فأما المادية فتتمثل في الأوراق التجارية، النقود أو البضائع، بحيث تحدد الأوراق التجارية والنقود بمبالغ مالية، أو شيكات مثلا، أما البضائع فهو كل شيء يمكن أن يكون محلا للتجارة، أي بالإمكان تحديد قيمته المادية ويمكن حدوث فعل الاستيلاء عليها لأنها قابلة لاستهلاك، أما القيم غير المادية فقد نص عليها المشرع أيضا في المادة 376 السالفة الذكر، وهي الأوراق المالية والمخالصات والمحررات، وقد استعمل المشرع عبارة "أو أي محررات أخرى"، وهنا يدخل ضمنها العقود الرسمية والعرفية والمستندات الصادرة من الشركة والصادرة لها، لكن السؤال المطروح في ظل التطورات الحاصلة، هل البرامج الالكترونية تدخل في نطاق جريمة خيانة الأمانة؟

       في رأيي فقد أصبحت للبرامج نفس الأهمية التي هي للمحررات الأخرى، وذلك بسبب التطورات الحاصلة، فقد أصبحت الشركات تنهي كل معاملاها عبر هذه البرامج، والتي تعتبر أسرع وأسهل من التعاملات التقليدية، وعليه بما أن المشرع ترك النص واسعا فللقاضي واسع النظر في تقدير مدى تطبيق هذا النص عليها أم لا؟

       إضافة إلى هذا فإن المال محل الجريمة يجب أن يكون منقولا، لأن إساءة الائتمان لا تقع على عقار، لان نص المادة ضرب أمثلة على الأشياء المنقولة فقط، وهذا النوع هو الأكثر حاجة للحماية، والعبرة في كون المال منقولا بطبيعته لا بما يوصف من أوصاف أخرى في نظر فرع آخر من فروع القانون، وبناء عليه فالجريمة متصورة بالنسبة للعقار بالتخصيص، رغم أنها في ذاتها منقولة، كما أنها متصورة بالنسبة لنزع جزء من عقار إذا كان العقار برمته قد سلم إلى الجاني بموجب أحد المراكز الائتمانية كنزع حجر من جدار أو استخراج معدن من أرض.

       وقد جاء نص المادة 376 ق.ع.ج عاما بحيث لم يحدد إذا كان للمال قيمة مادية أم لا، مما يترتب عليه أن هذه الجريمة تنصب على القيم الأدبية أيضا، مثل الأفكار والابتكارات وسر براءة الاختراع، بالرغم من أنها لا تعتبر من قبيل المال المنقول، هذا من وجهة نظري، إضافة إلى أنه لا يهم إن كان المال مشروع أم غير مشروع، فالمهم أنه سلم إليه على سبيل الأمانة ويساءل على أساس خيانته للأمانة.

       كما يجب في المال أن يكون مملوك للغير مسلما للجاني على سبيل الأمانة وليس  بصفة نهائية، حيث أن الجريمة تنتفي إن لم يكن المال مملوكا للغير، ولكن لا يشترط أن يكون الغير معنيا بالذات والاسم، بل يكفي أن يكون معينا بصفته،

 كما يجب أن لا يسلم المال عن طريق الهبة أو البيع أو الميراث أو لقاء خدمة، فالعبرة بحقيقة وضع المال لا بما اعتقده المتهم اتجاهه، وتقوم الجريمة ولو كان المال مشتركا بين الجاني والمجني عليه، وهذا ما وضحه نص المادة 376 ق.ع.ج بالقول:" ..إضرارا بمالكيها أو واضعي اليد عليها أو حائزيها.."، فأهم شرط لقيام جريمة خيانة الأمانة أن يكون الشيء المبدد غير مملوك لمرتكب الاختلاس، فلا عقاب على من بدد ماله.

* تسليم المال للجاني على سبيل الأمانة: وهذه النقطة تفترض حصول أمرين، الأول هو وجود تسليم سابق للمال إلى الجاني، والثاني هو أن يكون ذلك التسليم تم بأحد عقود الأمانة الواردة في نص المادة 376 السابق ذكرها.

التسليم السابق للمال: إن التسليم السابق للمال أحد الشرط التي تتحقق بها خيانة الأمانة، وهو ما يميزها عن جريمة السرقة، والتسليم يتم من يد مالك الشيء أو وكيله إلى يد المؤتمن عليه أو وكيله، بشرط أن يكون سابقا لفعل خيانة الأمانة، كما يجب أن يكون التسليم والاستلام رضائي، فإذا أخذ الجاني المال بالقوة فأتلفه فلا يعتبر مرتكبا لهذه الجريمة، بل لجريمة السرقة.

ولا فرق بين التسليم الحقيقي والتسليم الحكمي، كمن يشتري سلعة من البائع ويستبقيها عنده إلى حين، فإذا أعاد بيعها يرتب جريمة، وخلاصة القول في التسليم أن يكون بناء على حيازة ناقصة لا كاملة.

حصول التسليم على سبيل الأمانة عن طريق عقد التسيير: حدد المشرع الجزائري عقود الأمانة على سبيل الحصر، وإن كان قد ذكر معها عبارة عامة، بحيث قال في المادة 376ق.ع:"...لم تكن قد سلمت إليه إلا على سبيل الإجازة  أو الوديعة أو الوكالة أو الرهن أو عارية الاستعمال أو لأداء عمل بأجر أو بغير أجر بشرط ردها أو تقديمها أو لاستخدامها في عمل معين...".

فإذا اتبعنا نص المادة فإنه إذا كانت كل من الإجازة والوديعة والرهن وعارية الاستعمال هي من العقود الظاهرة، فإن التسليم لأداء عمل بأجر أو بغير أجر أو لاستعمالها أو استخدامها، لا توحي بعقد أو عقود بعينها.

فالمشرع رغم ذكره لعبارة تدل على الحصر إلا أنه ترك المجال مفتوح لدخول مزيد من العقود، عند ذكره لعبارة "لأداء عمل بأجر أو بغير أجر".

وقد عولجت جريمة خيانة الأمانة في القانون الفرنسي ضمن ما يعرف بجرائم التبديد détournement ، في المادة 314 فقرة1 ق.ع، حيث ألغيت العقود التي كانت محددة في المادة 408 من القانون القديم، ويرى البعض أن التوجه الجديد مرده رغبة المشرع في تجنب التضييق الذي كان يحدثه النص القديم، حيث لا عقاب على من يقوم بالتبديد في ظل عقود الشركة والبيع والمقايضة والمشروع وعارية الاستعمال والحساب الجاري، ولم يكن الفقه الفرنسي مرتاحا للوضع السابق، لذلك كان يدعوا لاستخدام صيغة عامة تتجاوز تحديد العقود لشمل كل الفروض التي يحدث عندها تبديد الشيء الذي سلم للأمين بمقتضى سند يتضمن التزام يقضي بإعادة ذلك الشيء أو باستخدامه في الغرض المحدد له، أما المشرع العراقي فقد انتهج طريق مستقل في موقفه من مسألة العقود والالتزامات، حيث جاء في المادة 453 ق.ع :" كل من أؤتمن على مال منقول مملوك للغير أو عهد به إليه بأية كيفية كانت أو سلم له لأي غرض كان، فاستعمله بسوء قصد لنفسه أو لفائدته أو لفائدة شخص أخر أو تصرف به بسوء قصد خلافا للغرض الذي عهد به إليه أو سلم له من أجله حسب ما هو مقرر قانونا أو حسب التعليمات الصريحة أو الضمنية الصادرة ممن سلمه إياه أو عهد به إليه...."، فالقول بحسب ما هو مقرر قانونا وحسب التعليمات الصريحة أو الضمنية الصادرة ممن سامه إليه أو عهد به إليه يعني تجاوز حدود العقود إلى كل من الالتزامات القانونية والاتفاقية بما فيها العقود طبعا، وهو الاتجاه الذي ثبت رجحانه بحيث يمكن أن يدخل ضمنه حتى الأوامر القضائية الصادرة وفقا للقانون.

ونلاحظ أن المشرع الفرنسي وسع النص ليشمل كل سلم إليه مال بمقتضى سند، يضمن التزاما بإعادة المال، فمتى كان هناك سند يثبت تسليم المال للغير على سبيل الأمانة تقوم جريمة خيانة الأمانة مهما كان نوع هذا السند، أما المشرع العراقي فلم يحدد أي طريقة لتسيلم المال للغير ولم يذكر لا سند ولا نوعا من أنواع العقود، وهذا ما إثبات الجريمة أمرا صعبا.

وعقود الأمانة حسب الرأي السائد في الفقه والقضاء تشمل العقود التالية: الوديعة، الوكالة، الإجارة، عارية الاستعمال والرهن، عقد المقاولة وعقد الاستصناع، عقد التسيير وعقد القرض الاستهلاكي.

وبما أننا بصدد دراسة جريمة خيانة الأمانة المرتكبة من طرف مسيري الشركات والتي تعد صورة من صور الاستيلاء على أموال الشركة، فأنها تقوم عند تسلم الجاني المال عن طريق عقد التسييرlocatio gérance الذي يعتبر من عقود الأمانة والذي يدخل في نطاق (أداء عمل بأجر). أما الأنواع الأخرى من العقود فلا تدخل في نطاق هذه الصورة من صور خيانة الأمانة لذا لن نتطرق إليها.

وحسب المادة الأولى من الأمر رقم 75ـ 58 المؤرخ في 26 سبتمبر سنة 1975 والمتضمن القانون المدني في القسم الأول، فإن عقد التسيير هو:" العقد الذي يلتزم بموجبه متعامل يتمتع بشهرة معترف بها، يسمى مسيرا، إزاء مؤسسة عمومية اقتصادية أو شركة مختلطة اقتصادية، بتسيير كل أملاكها أو بعضها، باسمها ولحسابها مقابل أجر فيضفي عليها علامته حسب مقاييسه ومعاييره، ويجعلها تستفيد من شبكاته الخاصة بالترويج والبيع"، والمادة 2 التي تنص على أنه:" تلتزم المؤسسة العمومية الاقتصادية أو الشركة المختلطة الاقتصادية، بالمحافظة على الملك المسير في حالة جيدة طوال مدة الاستعمال، وبقاء هذا الملك حرا من أي التزام ما عدا الالتزامات التي لا تضر بحسن سيره" و"ينتهي عقد التسيير بانقضاء المدة التي أبرم لأجلها، ويمكن فسخه لعدم احترام الالتزامات المتبادلة"، ويمكن لأحد الطرفين أن يفسخ العقد في أي وقت شريطة أن يعوض المتعامل معه الضرر الناجم عن الفسخ".

وعقد التسيير كما سبق وأن ذكرنا من العقود التي تنطبق عليهم العبارة الواردة في المادة 376ق.ع (أداء عمل بأجر)، وفي كل الأحوال فإن وجود عقد التسيير سيكون مناسبة لمساءلة الشخص المعنوي الخاص وكذا عن الشخص المعنوي العام، بوصفه طرفا في العقد المذكور، والمادة 51مكرر ق.ع  تمنع من مساءلة الشخص العام خارج ما أستثني بالنص المذكور ومساءلة الشخص الطبيعي الذي يعمل لحسابه، علما أن المادة الأولى من الأمر رقم 75ـ 58قد قالت (باسمها ولحسابها) على نحو ما سلف بيانه.

وعليه فخيانة الأمانة بناءا على عقد للتسيير، توقع المسؤولية على المسير دون الشركة، باعتبار الشركة هي من ائتمنته على أموالها بحكم منصبه فيها حتى يستمله لمصلحتها الخاص، وفي حال تغيير المسير فإن الأموال تبقى لأنها ملك للشركة لا للشخص المسير، فهو مسؤول عنها في حدود ما يقتضيه العقد، وفيما عداه يعتبر متابعا بجريمة خيانة الأمانة.

وهذا ما أكدته أيضا المادة 378 والتي غيرت تكييف جريمة خيانة الأمانة من جنحة إلى جناية في حال ما إذا ارتكبت من طرف مسيري الشركات بعبارة"بوصفه مديرا او مسيرا او مندوبا عن شركة"، والتي سنفصل فيها عند الحديث عن الجزاء المترتب عن هذه الجريمة.

-الاختلاس أو التبديد

حصر المشرع الجزائري  السلوك الإجرامي لهذه الجريمة في فعلي الاختلاس والتبديد، واللذان أوردهما في نص المادة 376ق.ع، وقد أوردها على سبيل التناوب فيما فيما بينها، ومؤدى هذا أنه يكفي توافر أحدهما لقيام الجريمة، فما المقصود بالاختلاس والتبديد في هذا النوع من الجرائم؟

1/ الاختلاس: معناه إنكار من ائتمن على مال ملكية مالكه له، وإضافته إليه بغير سند مشروع، دون أن يخرج المال من حيازته، ويستوي لتوافر الاختلاس أن يخفي المؤتمن المال مع توافر تمسكه بملكيته له دون سند مشروع، أو حتى دون إخفائه، كما يستوي أن ينكر المؤتمن حيازته للمال أساسا بغية التخلص من التزامه بالرد عينا توصلا إلى الاحتفاظ بالمال نفسه، أو أن يسلم بحيازته للمال حيازة كاملة استمدها من ملكيته له ، ويستوي من جهة ثالثة أن ينكر المؤتمن قيام المركز الإئتماني ذاته أو أن يسلم بقيامه ولكنه يدعي أن تسلم المال استنادا إلى سبب سواه على نحو لا يقره القانون ويستوي أخيرا أن يدعي المؤتمن على غير الحقيقة أنه رد المال من قبل إلى صاحبه، أو أن المال قد هلك أثناء حيازته له أو سرق، إذا اقترن هذا الادعاء أو ذاك بنية التملك.

       وبصفة عامة الاختلاس هو الاستيلاء على الحيازة الكاملة للشيء المملوك للغير، والذي يتمثل في الشركة في الجريمة التي نحن بصدد دراستها، أي أن الاختلاس يتحقق بتحويل الشيء من حيازة مؤقتة إلى حيازة دائمة بنية التملك.

       والحيازة تعرف بأنها:"السيطرة الفعلية التي يباشرها شخص على شيء معين باعتباره مالكا لهذا الشيء".

2/ التبديد: هو كل سلوك يمنع من المحافظة على وحدة الأمانة كما استلمها، فإذا رهن الجاني بعض أجزاء الأمانة أو باعها أو أهداها أو أتلفها، فإن كل هذا يحمل معنى التبديد، فهو لم يغير نوع الحيازة من مؤقتة إلى دائمة، وإن كان قد تصرف فيها مثل تصرف المالك.

       وعليه تتحقق الجريمة سواء وقع التبديد على الشيء كله أو بعضه، ويزيد التبديد عن الاختلاس أنه ينطوي على خروج المال نهائيا من حيازة الأمين.

تتم هذه الجريمة في اللحظة التي يغير فيها المؤتمن نظرته إلى المال الذي سلم إليه على سبيل الأمانة، من حائز لهذا المال من حيازة ناقصة إلى حيازة كاملة له، وهذا راجع إلى تقدير قاضي الموضوع لكي يثبت وقت وقوع الجريمة، والمشرع لم يعاقب على الشروع في هذا النوع من الجرائم فإما أن تقع كاملة أو لا تقع، فهي من الجرائم الوقتية التي تتم وتنتهي في لحظة واحدة.

وما تجدر الإشارة إليه هو أن الجريمة لا تقوم بمجرد تغيير نية الحيازة، ذلك أن النوايا لا يعاقب عليها، وإنما من لحظة تغيير ما خصص المال له، وتبديده كله أو جزء منه.

3/ الركن المعنوي لجريمة خيانة الأمانة المرتكبة من طرف مسيري الشركات:

تعتبر هذه الجريمة من الجرائم العمدية، والتي يتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد الجنائي العام والخاص.

       وطبقا للقواعد العامة، فإن القصد الجنائي العام يقوم على عنصري العلم والإرادة، فيجب أن يكون الأمين وقت ارتكابه للفعل على علم بأن حيازته للمال هي حيازة ناقصة أو مؤقتة بناء على عقد التسيير، فإذا كان يعتقد أنه يحوز المال حيازة كاملة، سلمت إليه على سبيل الهبة مثلا أو القرض، فتصرف فيه على هذا الأساس فإنه لا يسأل جريمة إساءة الائتمان لانتفاء القصد الإجرامي لديه.

       بالإضافة إلى العلم فإنه ينبغي أن تتجه إرادته إلى القيام بفعل الاختلاس أو التبديد للمال المؤتمن عليه، فإن لم تتجه إرادته إلى ذلك وإنما هلك المال نتيجة إهمال أو عدم احتياط من جانبه، فإنه لا يسأل عن الجريمة لانتفاء القصد الجرمي لديه، وتوقع الجاني حدوث الضرر بالمجني عليه يكفي للقول باتجاه إرادة الجاني إلى الإضرار فعلا.

       أما عن القصد الجنائي الخاص والذي يتمثل في نية التملك، فمتى أظهر الجاني هذه النية عن طريق إتيان فعل من أفعال الاختلاس والتبديد قامت الجريمة في حقه، ولا يؤثر في قيامها أن يرد الأمين الشيء المؤتمن عليه لصاحبه، بل يعتبر الرد ظرفا مخففا للعقوبة ليس إلا.

       وإثبات القصد الجنائي الخاص في نطاق خيانة الأمانة أمر صعب، لأنه يجب إقامة دليل على تغير النية لدى المجاني في اختلاس وتبديد المال المسلم إليه على سبيل الأمانة، فمثلا يجب إثبات انصراف نية المسير إلى تبديد مال الشركة كله أو جزء منه من أجل مصلحته الخاصة كشراء مستلزمات خاصة به، أو اختلاس له بحيث ينقص من الذمة المالية للشركة، وإنكاره لذلك، لذلك فجريمة خيانة الأمانة تعتبر من الجرائم الوقتية بحيث أنها لا تقبل الاستمرار بحكم طبيعتها، وقد يصعب على المحكمة تحيد تاريخ حصول الاختلاس أو التبديد، إلا أن هذا يبقى للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، فتقع الجريمة وتنتهي بمجرد وقوع الفعل المكون لها.

 

آخر تعديل: السبت، 14 ديسمبر 2024، 10:07 PM