السنة الثالثة ليسانس لسانيات عامة                              علم الدلالة1                           السّداسي الخامس

المحاضرة الثالثة

إشكالية الدّلالة بين التّطور والتّغيير

                                                                 ب / المظاهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

                الأكيد أن لغتنا العربية هي لغة طيّعـةٌ قابلة للتّطور ومواكبة تغيرات كل عصر ومصر، ولعلّ هذا ما أهّلها لأن تكـون لغة القرآن، وسمح لها أن تواكبه فتتغذّى من عطاءاتـه، وتـستقي مـن مناهلـه، فكان لها أنْ تطورت في جميع جوانبها، ومختلف مستوياتها.

                واللغة الحية، قبل هذا وذاك، تسعى دوماً للتّقدم والتّطـور من خلال ارتباطها بالمجتمع ومواءمـة حيـاته، ومسايرة أحداثه ومتغيراته. فالتّطور سنّة الحياة، وأمر تقتضيه الطبيعة الإنسانية الميالة دوما إلى البحث عن الجديد، وهذا التطور يأخذ أشكالاً مختلفة، وصوراً متغايرة  لصلته القوية بالمجتمع وثقافتـه وتاريخـه، فهنـاك تطـورٌ علمي، وتطوّر اجتماعي، وآخرٌ اقتصادي، ورابعٌ صناعي وغيره، واللغة هي الوسيلة الكفيلة بالتّعبير عن أشكال هذا التّطور والتغيّر، فأمر طبيعي أن يصيبها بعضٌ منه على نحو يواكب ويوائم أشكال هذا التطور. وإذا كان ميدان التّطور الدّلالي هو الكلمات، فالواضح أنّ معاني الكلمات لا تـستقر على حال ثابتة بل هي في تغير مستمر لا يكاد يتوقف.

                واهتمامنا اليوم ينصبّ في البحث في جانبٍ آخر من جوانب التّطوّر الذي شهدتْه العربية وهو جانبٌ جديرٌ بأن يرصُد حركة الدّلالة، نريد رصد (مظاهر التّطوّر الدّلالي)، وهناك من  ﻳﺴﻤﻴﻪ (صُور التّغيّر الدّلالي)، والبعض يطلق عليه (أشكال التّغيّر الدّلالي).

مظاهر التّطور الدّلالي:

                لقد أمكن لعلماء اللغة المعاصرون، من خلال  استقرائهم للتغيّرات الواقعة على معاني الكلمات في كثير من اللغات، أن يحصروا التطور الدلالي في مظاهر رئيسية تصدق على اللغات جميعاً، فانتهوا إلى أنّ  المعنى القديم للكلمة "إمّا أن يكون أوسع من المعنى الجديد، أو أضيق منه، أو مساوياً له، ولم تكن هنـاك إمكانيـة  رابعة في تقديرهم. وومنه فإنّ أهمّ مظاهر التطور الدلالي ثلاثة: تخـصيص دلالـة الكلمة، أو تعميمها، أو تغيير مجال استعمالها. يقول فندريس: "تَرجع، أحياناً، التغيرات المختلفة التي تصيب الكلمات، من حيث المعنى، إلى ثلاثـة أنـواع؛ التضييق، والاتساع، والانتقال."

أولاً: تخصيص الدّلالة (تضييق المعنى):

                يراد بتخصيص الدّلالة تضييقها بعدما كانتْ عامّة، فقد وُجد أنّ ألفاظاً كانـت تـستعمل فـي دلالات عامّة، وبعد طول الاستعمال وجريان الزّمن، اتجه الناس إلى تضييق مجالها الدّلالي وتخصيـصه، لأنّهم وجدوا أنّ إدراك الدلالة الخاصة أسهل وأيسر من إدراك الدلا لة الكلية، فهي أدنى للفهم وأقرب للأذهان من العامة، ولنا في الألفاظ الاسلامية خير شاهد على ذلك، فقد خُصّص مثلا لفظ (الصلاة) التي تحولت من (الدّعاء العامّ) إلى الدّلالة الخاصّة على الشّعيرة المعروفة، ولفظ (الحج) التي كانت تعني قبل الإسلام (القصد) ثمّ تغيّر معناها إلى (التوجه إلى البيـت الحرام للنّسكولفظ (السّبت) الذي كان يعني (الـدَّهر) بأكمله، ثـم خُـصِّص فـي الاستعمال بأحد أيام الأسبوع، وهو جزءٌ بسيط من (الدّهر). أمّا ما مسّه التّضييق في دلالته  من غير الألفاظ الإسلامية لفظ (الأثاث) مثلاً؛ فقد كان يطلق على كثرة المـال والمتاع من لباس أو فراش وغيره، ثمّ خصِّصت دلالته لتشير إلى متاع البيت فقط.

 

 

ثانياً: تعميم الدّلالة:

                وتعميم الدّلالة يسير في عكس اتّجاه التّخصيص، وفيه يتّسع مجال الدلالة بعدما كان ضيّقاً، فتصبح الدلالة كلية بعدما كانت جزئية، ويوجد كثير من الألفاظ يمكن التّمثيل بها في هذا الجانب مثل لفظ  (الثرى)، إذ كان يشير إلى التراب النَّدِيّ الرّطب، ثم عُمِّمت دلالته ليدلَّ على التراب رطباً ويابساً. ولفظ (المنحة) الذي كان يدلّ على إعارةالنّاقة أو الشّاة ليستفيد مستعيرها من حليبها مدّة من الوقت ثم يردّها، ثم توسّع معناه وأصبح يطلق على كل عطيّة من دون مقابل.

ثالثاً: انتقال الدّلالة:

                إنّ رقي الحياة العقلي للإنسان ورغبـته فـي توضيح المعنى وتجلية صورته في الذهن، يـدفع به دوماً للبحث عن الدلالات المجردة والاعتماد عليها في الاستعمال. وانتقال الدّلالة بهذا الشكل قد يكون لعلاقة المشابهة، وحينها نكون في مجال الاستعارة، وقد ينتقل المعنى لغير علاقة المشابهة بين المدلولين، فنكون في مجال المجاز  المرسل. ومن الألفاظ التي انتقل معناها ويمكن التّمثيل بها في هذا الجانب لفظ (الوشيجة) التي انتقل معناها من الدّلالة الحسّية عندما كانت تدلّ على (عروق الأشجار والأغصان المتشابكة) إلى دلالة معنويـة وهـي (صـلة الـرّحم). ويمكن  للدّلالة هنا أنْ تنتقل من المعنى المجرد إلى المعنى الحسي بقصد توضيح المعنـى وتقريبـه، وربما هذا ما يلجأ إليه الأدباء والشّعراء في لغتهم عندما يصوّرون المجرّد، مثل معاني (الحبّ والأمل والبغض والصّبر وغيرها)، في هيئة محسوسة. وممّا يمكن تسجيله في هذا الجانب: احتمال تعايش الدّلالتين جنباً إلى جنبٍ مع بعضهما.

رابعاً: رقي الدّلالة وسموُها:

                لاشكّ أن حياة الإنسان متطورة بشكل مستمر، وحتى توائم الألفاظ هذا التطور الاجتماعي وتواكبه، تتطوّر في دلالاتها ارتقاءً، فلفظ (المجد) مثلا الذي انتقل معناه بعدما كان مرتبطاً بالإبل دالّاً على نيْلها مـن الكـلأ قريبـاً مـن الشبع، فصار يدل على الشرف والسؤْدد وهو معنىً أرقى وأسمى من المعنى الأول دون شكّ.

خامساً: انحطاط الدّلالة:

                لاشكّ أنّ للعامل النفسي والانفعالي تأثير كبير في هذا الجانب، ذلك أنّ الألفاظ المبتذلة المتصلة دلالاتهـا بـالقبح أو القـذارة أو الغريزة الجنسية هي الأكثر عرضة للانحطاط من غيرها، وممّا يمكن أن نمثّل به لانحطاط الدّلالة لفظ (الاحتيال) الذي كان يدلّ على (الحِذْق، وجودة النّظر، والقدرة على دقّة التصرف) ثم انحطّ معناه ليدلّ على (الغش، والخداع، واستغلال الإنسان لذكائه وقدراته لأخذ ما ليس له حقّ فيه. أمّا لفظ (الحاجب) فقد كان يعني (رئيس الوزراء)، ثم ابْتُذِل بمرور الزمن ليصبح دالّاً على معنى (الخادم).

                وإجمالاً نقول إن ألفاظ اللغة لا تستقرّ على حالٍ واحدة، فهي في حركة دائبة متراوحةٍ دلالاتُها بين الرّقـي والانحطـاط، فهي ترتقي حيناً، وتُبْتذلُ حيناً أخرى تبعاً لاستعمالات أفراد المجتمع وارتباطاً بظروفهم الاجتماعيـة والنّفسية.

 

آخر تعديل: الأربعاء، 11 ديسمبر 2024، 9:40 AM