الحروب الأوربية (1494 – 1559):

                كان الصراع في الحروب الأوربية بين فرنسا وأسبانيا، حيث سعت كل واحدة منهما إلى السيطرة على شبه الجزيرة الإيطالية، خاصة لما يترتب عن ذلك من آثار اقتصادية وسياسية.

1-     أسباب الحروب الإيطالية (الأوربية):

في أواخر القرن الخامس عشر  كانت انجلترا وفرنسا وأسبانيا أقوى دول أوربا، وامتازت بوحدتها تحت حكم ملوك أقوياء يتوارثون العرش.

أما ألمانيا وإيطاليا فكانتا تعانيان من الضعف  والانحلال نتيجة الانقسام بين ولاياتها المختلفة والمتنازعة بينهما.

فايطاليا لم تكن دولة موحدة، بل كانت مكونة من عدد من الجمهوريات والإمارات، مما أدى إلى الصراع بين الولايات البابوية والبندقية، وبينها وبين فلورنسا وشاركت ميلان في تلك الصراعات، ولم يكن  يوجد جيش موحد لإيطاليا، وبالمقابل تطلعت الدولة الوطنية الحديثة ذات الحكومة المركزية إلى تدعيم استقرارها الاقتصادي والسياسي، وذلك على حساب الدول الضعيفة داخل القارة، لكن تحولت تلك الأحداث إلى صراع صعب وحروب استمرت ما يزيد عن نصف قرن من الزمن عرفت بالحروب الإيطالية، دار الصراع فيها بصفة خاصة بين فرنسا وإسبانيا، ومع ما كانت ستحققه الدولة المنتصرة من تفوق سياسي داخل القارة الأوربية، فإن الدول الأخرى كانت تتابع هذا الصراع الدائر في إيطاليا، ومنها انجلترا التي كانت تخشى على ثغر كاليه الوحيد الذي تحتفظ به في الأرض الفرنسية، ووجد السويسريون هذه الحروب فرصة للعمل كمرتزقة بجيوش الأطراف المتنازعة.

لقد كانت فرنسا أقوى وأقرب جيران إيطاليا التي شكلت المجال الحيوي الطبيعي للتوسع الفرنسي، فقد أصبحت فرنسا الدولة الموحدة الكبرى في النصف الثاني من القرن الثالث عشر عندما اعتلى شارل الثامن عشر فرنسا بعد وفاة الملك لويس الحادي عشر 1483 م، وكان شارل الثامن ملكا طموحا وسعى لتحقيق توسعاته على حساب الأراضي الإيطالية التي اقتحمها بذريعة مساعدة حاكم ميلان الذي طلب حماية فرنسا من فلورنسا التي هددته بالغزو، وفي نفس الوقت السعي إلى خلع البابا اسكندر السادس تلبية لدعوة عدد من المصلحين.

2-     مراحل الحروب الإيطالية:

لقد مرت الحروب الإيطالية بدورين؛ الأول  مع بداية سنة 1494م، وفي هذا الدور حاولت فرنسا تحقيق إدعاءاتها في نابولي وميلان، أقام الملك شارل الثامن بهجومه إيطاليا في فبراير 1485، مفتتحا الحروب الإيطالية.

أما الدور الثاني فقد انتهى سنة 1559 بتوقيع صلح كاتوكمبرسيس، ولقد شهد هذا الدور صراع أكبر أسرتين في ذلك الوقت ، وهما أسرة آلهابسبرج النمساوية الأصل والتي أضحى ابنها شارل ملكا لأسبانيا وإمبراطورا للدولة الرومانية المقدسة وأسرة آلفالوا الفرنسية. لقد شهد هذا الدور تطبيق مبدأ التوازن الدولي.

الدور الأول (1494 - 1515):

تولى شارل الثامن ملك فرنسا العرش بعد وفاة لويس الحادي عشر وورث عنه جيشا قويا، ذلك أنه كان يدين بالطاعة والولاء التام للملك،

تطوير سلاح المدفعية الفرنسية لدرجة مناسبة حتى أصبح الجيش الفرنسي من أقوى الجيوش  الأوروبية في ذلك الوقت.

شارل الثامن الأب في سبتمبر 1494 ونزل في بيدمونت واجتاح الجيش الفرنسي فلورنسا وأنزل حاكمها عن عرشها، ووصل شارل الثامن إلى العصمة روما في 31 ديسمبر 1494 قاصدا نابولي.

أدى هذا النصر السريع إلى إثارة المخاوف، فتكون حلف البندقية في مارس 1495 للحد  من زحف شارل. وكان أعضاء هذا الحلف: الإمبراطور مكسيمليان الذي استاء من النصر السياسي والعسكري لفرنسا وفرديناند الكاثوليكي صاحب الادعاء في نابولي وأيضا البندقية، والتي خافت على مصالحها التجارية، وميلان والبابا إسكندر السادس والعضو الأخير كان صاحب فكرة الزحف الفرنسي لوفيكو سفورزا الذي أراد التخلص من سيطرة فرنسا.

وصلت أنباء هذا الحلف إلى شارل الثامن وهو في فورنوفو، وهنا خاف شارل الثامن من أن يقطع عليه هذا الحلف خط الرجعة، ولذا قرر الانسحاب إلى فرنسا من جديد فخرج من نابولي في 20 مايو 1495، وعند عودته عقد صلحا مع لودفيكو سفورزا وترك له بمقتضاه ميلان.

توفي شارل الثامن الملك الفرنسي في أبريل 1498م من دون أن يحقق الأهداف التي كان يحلم بتحقيقها، وخلفه في الحكم ابن عمه لويس الثاني عشر، الذي رؤيته التوسع الفرنسي في إيطاليا.

وتماما مثلما فعل شارل الثامن من قبل، سار لويس الثاني عشر في سبيل تمهيد الطريق أمام احتلاله لميلان، حيث أنه ضم جمهورية البندقية إليه، كما أنه تقرب من البابا، وعقد إتفاقا بين فرنسا وكل من إنجلترا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، حتى يكونا على الحياد من صراعه مع ميلان. عبر لويس الثاني عشر إلى إيطاليا في أغسطس 1499م، وتمكن من أسرة لودفيكو سفورزا  وأرسله إلى فرنسا ودانت له إيطاليا الشمالية.

رغب لويس في تحقيق حلم سابقه في الاستحواذ على نابولي، ولكن هذا لم يكن بالسهولة التي كان قد استولى بها على ميلان، فقد عقد اتفق ثنائي بين فرديناند الكاثوليكي ولويس الثاني عشر بمعرفة البابا إسكندر، غرف بمعاهدة  غرناطة Grenada  سنة 1500م، وكانت هذه المعاهدة تنص على إرساله حملة عسكرية مناصفة إلى نابولي على أن يكون لقب الدوق الكبير من نصيب فرديناند، ولقب ملك نابولي من نصيب لويس الثاني عشر.

لم تستطع نابولي الصمود أمام الاتحاد العسكري إلا أن تضارب المصالح لم يلبث أن دب بين المتحالفين فرديناند ولويس الثاني عشر وفك التحالف، وتتابعت الهزائم الفرنسية وطردت من نابولي ولم يلبث الفرنسيون أن اعترفوا بسيادة الأسبان على نابولي، ولم يعد يملك الفرنسيون في إيطاليا سوى ميلان.

وبالرغم من أن الفرنسيين لم يبق لهم في إيطاليا سوى ميلان إلا أنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا عليها بسبب تغير الموقف الدولي، إذ إن البابا إسكندر السادس توفي وخلفه على كرسي البابوية؛ البابا يوليوس الثاني الذي أرد استعادة مجد البابوية القديم.

الدور الثاني : (1515 - 1559)

                بدأت الحرب في هذه المرحلة بتولي فرانسوا الأول عرش فرنسا، الذ بدأ عهده بعقد حلف مع كل من جمهورية البندقية وشارل حاكم الأراضي المنخفضة وهنري ملك إنجلترا تمهيدا لغزو إيطاليا.

وبمقابل هذا عقد البابا حلفا مضادا مكونا من الإمبراطور مكسيمليان وفرديناند الكاثوليكي وفلورانس والسويسريين ودوق ميلان، فكانت المواجهة في معركة مارينيانو Marignano التي انتصر فيها الجيش الفرنسي واستولى على ميلان وأسر دوقها وأرسله إلى فرنسا. من أهم نتائج هذا الانتصار:

-          اتفاق يولونيا الذي نص على أن يقوم ملوك فرنسا بتعيين كبار رجال الدين مقابل أن تدفع فرنسا أموال الكنيسة التي كانت قد قطعتها منذ قرن تدعيما للملكية الفرنسية.

لكن بوفاة الإمبراطور ماكسمليان واختيار الملك شارل إمبراطورا للإمبراطورية الرومانية المقدسة باعتباره حفيدا له، وبالتالي أصبح ملك اسبانيا والنمسا بالإضافة إلى ألمانيا وإقليم برجنديا على الحدود الفرنسية وهو ما قلب موازين القوى الأوربية، فكان ربط أملاكه ضرورة  تطلبتها الظروف الجغرافية على حساب فرنسا.

ومن أهم المعارك المسجلة في هذا الدور، تلك التي وقعت في بافيا 24 فبراير 1525 أسر فيها الملك فرنسوا الأول وأرسل إلى إسبانيا، ووقع رغما عنه معاهدة مدريد 14 يناير 1526 التي تعهد فيها بعدم المطالبة بميلان والتنازل عن جنوة ونابلي وبرجنديا وأراضي أخرى.

ومنذ سنة 1529م، غير الإمبراطور شارل الخامس سياسته أمام ما عرفته ألمانيا من مشاكل في ظل الإصلاح الديني اللوثري، وازدياد قوة العثمانيين في البحر المتوسط وداخل القارة الأوربية ما زاد  من مخاوفه، في حين أن فرنسوا الأول تحالف مع الدولة العثمانية وعمل مع اللوثريين في ألمانيا لتحقيق مطامعه في إيطاليا، وتجددت الحروب بين الطرفين.

كانت هزيمة الجيش الفرنسي في جرافلين (Gravelines) في جويلية 1558م بداية لعقد ترتيبات الصلح الذي أنهى الحرب وهو صلح كاتو كمبرليسيس (Cateau-Cambersis) 2/3 أفريل 1559م، وتقرر إنهاء الحرب التي استنزفت قوى الدول المتصارعة.

ويسجل من هذا الصلح الملاحضات التالية:

-          الاعتراف بالسيطرة الاسبانية على إيطاليا واحتفاظها بملان ونابولي، وفقدت فرنسا وجودها في إيطاليا.

-          عودة الأراضي  المنخفضة إلى حدودها القديمة.

-          حصول فرنسا على كاليه وتول ومتز وفردان أعطاها فرصة توجيه ضربات لإسبانيا التي أرهقت قواها في الأراضي المنخفضة والبحر المتوسط، خاصة بعد تحطيم الأرمادا 1588م.

وفي الأخير يمكن القول أن الحروب الإيطالية كرست مبدأ التوازن الدولي، أي أن أية دولة تبلغ قدرا من القوة السياسية حيث تصبح خطرا على الدول المجاورة يجب تكوين حلف سياسي عسكري للحد من نفوذ تلك الدولة من جهة ثانية.  شغلت هذه الحروب حكام أوربا الكاثوليك عن مواجهة حركة الإصلاح الديني في وقت انتشرت فيه البروتستانتية في أوربا الشمالية وألمانيا وانجلترا.

قائمة المراجع:

-          عبد العزيز سليمان نوار  ومحمود محمد جمال الدين، التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة في نهاية الحرب العالمية الأولى، دار الفكر العربي، مصر، 1999م

-          محمد مخزوم، مدخل لدراسة التاريخ الأوربي (عصر النهضة)، دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة، لبنان، ط1، 1983م.

-          عبد الحميد البطريق وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوربي الحديث من عصر النهضة إلى أواخر القرن الثامن عشر، دار الفكر العربي، مصر، 1997م.

-          عبد الفتاح أبوعليه واسماعيل أحمد ياغي، تاريخ أوربا الحديث المعاصر، دار المريخ، الرياض، ط3، 1993م.

 

Modifié le: samedi 21 décembre 2024, 16:12