تقديم لمفهوم الشخصية عبر التراث السيكولوجي
الجزء الأول: مدخـــــل عــــــــــــــــام:
يعد موضوع الشخصية من المواضيع الاساسية التي اهتم بها الكثير من العلماء والباحثين، ولقد انعكس هذا الاهتمام على البحوث التي تهتم بدراسة الشخصية مما يؤكد مكانتها كتخصص مستقل قائم بذاته إلى أن اقترح بعض المتخصصين أن يطلقوا عليها علم الشخصية.
فالشخصية اصطلاح خاص بالانسان، سابقا استخدم لكن بشكل غير علمي ( للدلالة على الفردانية في سنوات 1795). واستخدم المصطلح سنة 1895 بالمعنى الحديث ( للدلالة على ان كل شخص له خصوصياته وسماته التي يتفرد بها وتميزه عن الآخر، فلا يوجد شخصيتان متطابقتان ولو كانت لتوائم متطابقة) فالشخصية هي مجموع صفات تبرز جلية للآخرين.
فالشخصية مصطلح نستخدمه كثيرا في تعاملنا مع الناس، وفي معظم الاحيان يكون معناه ايجيابيا، فهو يستخدم للدلالة على شخص في حسن تعامله مع الناس اجتماعيا. أما علماء النفس فينظرون لمصطلح الشخصية من خلال كونه موضوعا للدراسة، له علاقة بالسلوك الانساني المعقد بما في ذلك العواطف، والافعال والعمليات العقلية او المعرفية (صالح مأمون، 2008)
فالشخصية الانسانية هي شخصية الفرد بعينه وهي تعني أيضا شخصيا بالذات، وهذا يعني أن هذا الفرد كيان متفرد خاص به يحمل صفاته وسماته وخصائصه، وكل خصيصة فيه تختلف عن خصيصة شقيقه التوأم. هذه السمات او الصفات يعرف بها وتفرقه عن الآخرين من البشر. فهو تأكيد لذاته ونفي لوجود الآخر (فالآخر ليس هو، وهو ليس الآخر).
استخدم اصطلاح الشخصية personality في اللغات الأوروبية المنحدرة من اصول لاتينية. هذه الكلمة مشاقة من لفظة برسونا persona ومعناها القناع الذي يرتديه الممثل. وهذه الكلمة بدورها مركبة من لفظتين وهما: بير- وسوناري per-sonare، ومعناها عبر او عن طريق الصوت. بكاملها يعود استعمالها إلى الزمن الذي كان فيه الممثل على المسرح الاغريقي، حينما يريد آداء أدوار وايضاح الصفات المميزة التي يتطلبها الدور في هذه الشخصية. هذه الشخصية هي البطل على المسرح بكل سماته الشرير، الاناني، البخيل ، الوفي، الصادق، الكئيب والمنحرف. ويقال ايضا ان استعمال القناع جاء بناء على ضرورة التي يشعر بها أحد الممثلين. وهذا ما شكل بداية استخدام الكلمة حتى تم تطويرها إلى ما تعنيه الآن من مفاهيم حديثة.
استخدم عالم النفس الشهير (كارل يونغ) لفظة برسونا persona ليشير إلى جانب الشخصية الذي يظهر للعالم الخارجي أو للدلالة على القناع الذي يتحتم على كل فرد أن يلبسه لكي يستطيع أن يلعب دوره بنجاح على مسرح الحياة الاجتماعية. وإزاء ذلك فإن الفرد من خلال شخصيته يستطيع ان يكيف نفسه بنجاح مع واقعه الاجتماعي، وما يفرضه عليه من قيم ومعايير لكي يحقق التوافق بينه وبين المجتمع.
وهذا ما يقوم عليه علم الفراسة: الذي يقوم على اساس الاستدلال بالاشياء الظاهرة على الاشياء الخفية الباطنة. فشكل الجمجمة البارز للعيان يتبين منها ذكاء الفرد، هذا الذكاء المتخفي بين ثنايا المخ، كذلك معرفة ملكاته تلك التي توجد كل منها في منطقة خاصة من مناطق المخ.
كما نجد علم فراسة الوجه الذي يعتمد على الحكم على الاتجاهات والسمات العقلية من المظهر الخارجي للوجه، كما يتخذ من التعبيرات الانفعالية للوجه وسيلة للحكم على أن هذا الفرد طيب أو شرير، حكيم أو بليد. كما تم الاعتماد على تحليل "خط اليد- graphologie" للتعرف على هوية الشخص، وكذلك تم الاعتماد على ما عرف قديما بتقفي آثار سير المارة.
أما فيما يخص اخضاع الشخصية للقياس والتجريب كخطوة إجرائية ومقاربة علمية، فقد أنشأ "ويليام فونت" عام 1879 -بألمانيا- معملا يعتبر اللبنة الأولى لعلم النفس التجريبي، أو حركة القياس النفسي (وقد كان العالم "فونت" من الباحثين في الفيزيقا والفيسيولوجيا وكانت تجاربه حول الحواس: كالابصار واللمس والسمع، كما اهتم بالتذكر والتعلم والتفكير والانتباه وقياس سرعة التنفس والنبض...أثناء الانفعال).