عرفت الجزائر على عهد العثمانيين عدّة متغيرات سياسية وإدارية لم تكن معروفة قبل القرن السادس عشر ميلادي، وهي المتغيرات التي ساهمت في تبلور شخصية الدولة الوطنية الجزائرية، وتنامي دورها على الصعيدين؛ الإقليمي والدولي. ومّا لاشك فيه أن هذا الوضع السّياسي الذي آلت إليه الجزائر مع قدوم العثمانيين إليها، كان نتيجة مباشرة للسيّاسة الإدارية المحكمة التي طبعت أجهزت الإدارة المركزية والمحلّية في إيّالة الجزائر، والتي تميزت بمجموعة من الإيجابيات (نقاط القوة) المتمثلة أساساً فيما يلي:

- اعتماد الجهاز الإداري على مجموعة من الأسس والثوابت التي شكلت في جوهرها مقومات الدولة الجزائرية الحديثة، كاختيار العاصمة، وتقسيم الإيّالة على وحدات إدارية محلية (مقاطعات أو أقاليم)، واستحداث المؤسسات الإدارية، وسن الأنظمة الاقتصادية، وإقرار الأوضاع الاجتماعية، وانتهاج علاقات سيّاسيّة خارجية تتلاءم وأوضاع البلاد الجزائرية آنذاك، حيث برزت هوية الجزائر الإقليمية واضحة المعالم. كما أصبحت الجزائر تتمتع بكيان معترف به دولياً، وتمارس استقلالا حقيقيا ولو في نطاق الرابطة العثمانية التي تقوم على المصلحة المتبادلة والروابط الروحية.

- التوزيع المحكم للوظائف الإدارية ضمن أجهزة الإدارة المركزية والمحلية، حيث ارتكز النظام الإداري للجزائر العثمانية على مبدأ احترام التسلسل التدريجي للمناصب الإدارية؛ الذي تُؤخذ فيه بعين الاعتبار، صلاحيات الموظفين ونوعية المهام الإدارية المنوطة بهم، وبالتالي أصبح من الناذر أن نجد موظفا يماثل عمله الإداري عمل موظف آخر أو يتعارض معه، ليأخذ بذلك الجهاز الإداري تركيبة هرمية محكمة المهام، يتبوأ قمتها الداي (الحاكم الأعلى)، ويحتل أعلى المراتب الإدارية بها الموظفون السامون، بينما يشكل الكتاب الرسميون للدولة "الخوجاباشي" والقادة العسكريون "الأغوات" وحكام الأقاليم "البايات" بنيتها الأساسية، في حين يُكوّن قاعدتها جماعة الشواش وصغار الموظفين "الخوجات".

- المرونة والفاعلية التي كان يتصف بها الجهاز الإداري في إيّالة الجزائر، فهو بسيط في تنظيماته، عملي في إجراءاته، يعتمد أساساً على توزيع صلاحيات الموظفين على مختلف المهام حسب ما تقتضيه الحاجة. فالنظام التركي كان يفضل أسلوب الإدارة المركزية عندما يكون ذلك ممكناً، وهو ما تجسّد فعليا في المنطقة التابعة لدار السلطان، وبعض مناطق التيطري؛ التي تعتبر من المناطق الأولى التي استقر بها الأتراك، ويكتفي في مثل هذه الحالات بوضع مسؤول تركي في أعلى السلم الإداري هناك، تاركاً بذلك الحرية التامة لأبناء البلد في تصريف شؤونهم الداخلية. وممّا لا شك فيه أن مرونة الإدارة التركية هي التي مكنت من تحقيق وحدة الجزائر الترابية (دون تحقيق الوحدة المعنوية)؛ في نطاق حدودٍ تكاد تكون هي الحدود التي وجدها عليها الفرنسيون إبّان الاحتلال. كما ساعدت مرونة الإدارة على تدعيم الحكم العثماني بالجزائر لمدة تجاوزت ثلاثة قرون.

- الانضباط والتفاني في العمل الإداري، وهو ما يعكس حالة التطور التي عرفها جهاز الإدارة العثمانية في الجزائر، إذ يُشيد المستشرق الفرنسي فونتور دو بارادي بواقع الإدارة المنظم والمحكم قائلاً: "الحياة الإدارية في ولاية الجزائر حياة جِدٍّ، وعمل صعب، والأمور تسير بدقّة مدهشة، وممّا يلفت النّظر في دقّة الأعمال الإدارية، أنّ كل واحدٍ من رجال الإدارة لا يشتغل إلا بعمله فقط، والذين يشغلون المراكز الكبرى في الحكومة هم أكثر اشتغالاً وكداًّ من الآخرين، حتى أن المرض الخفيف لا يعوقهم أبداً عن إتمام واجباتهم...".

- جدّية الجهاز الأمني وحيوية مصالحه على المستويين؛ المركزي والمحلي، حيث تمتع أفراد المجتمع الجزائري بالأمن والطمأنينة عَبر مختلف أنحاء الإيّالة الجزائرية، إذ يُشيد وليام شالر بواقع الأمن السائد فيها قائلاً: "... وأنا أعتقد أنه لا يُوجد مدينة أخرى في العالم (يقصد الجزائر العاصمة) يُبدي فيها البوليس نشاطاً أكبر ممّا تُبديه الشرطة الجزائرية، التي لا تكاد الجريمة تفلت من رقابتها، كما أنّه لا يوجد بلد آخر يتمتع فيه المواطن وممتلكاته بأمن أكبر"؛ أي أكبر من أمن الجزائر، إن دلّ هذا على شئ إنما يدل على نجاح الجهاز الأمني الذي يعتبر أحد أهم أجهزة الإدارة العثمانية بالجزائر، في إرساء الأمن والسلم داخل الإيّالة.

- محافظة الحكام العثمانيين على العلاقة التي كانت تربطهم بشيوخ القبائل والعلماء والمرابطين، وهو ما يُوحي بقرب الإدارة من السكان ولو عن طريق ممثليهم من الشيوخ والقياد...، إذ نجد البعض من شيوخ القبائل أو العلماء والمرابطين، ممّن كانوا أكثر تأثيراً وأرفع منزلة لدى السلطة الحاكمة، ولدى السكان، من البايات الذين يحكمون المقاطعات، حيث كان الحكام ينزلونهم المنزلة المحترمة ويأخذون بآرائهم، بل ويرضخون لهم في كثير من الأحيان عندما يتطلب الأمر ذلك. فكثيراً ما كان القائمون على إدارة الحكم في البلاد؛ يتخذون قرارات تقضي بمراجعة الأوامر التي يصدرها البايات إذا ما أبدى هؤلاء الشيوخ رفضها، ولم تكن بذلك الهوّة كبيرة بين الحكام العثمانيين والسكان، بل كان الجميع يقف وقفة رجل واحدٍ لأجل مصلحة الجزائر.

- حرص الإدارة العثمانية بمختلف أجهزتها على مراعاة أحوال الرعيّة وتتبع أخبارها والنظر في شكاويها؛ حفاظا على الاستقرار الذي كان ينشده الجميع، حيث التزم الحكام الأتراك بتجسيد العدالة بين الجميع وفق قوانين الإسلام، كما عملوا على احترام عادات وتقاليد السكان، واجتهدوا كثيراً في الابتعاد عن كلّما من شأنه أن يُسئ إلى وُجودهم بأرض الجزائر. وفي هذا السياق يُشيد حمدان بن عثمان خوجة بسلوكات الحكام العثمانيين قائلاً: "... ومن الناذر أن تجد فيهم سارقاً أو قاتلاً...، وقد كانوا شديدي الحرص على احترام عادات البلاد ليحبّبوا أنفسهم إلى سكان الإيّالة، ومن كانت لهم بعض المساوئ كانوا يعملون على إصلاحها، أو يُخفونها بدقة؛ لأن مستقبلهم موقوف على حسن سيرتهم".

- اعتماد الإدارة العثمانية على مجموعة من الأجهزة والمؤسسات التي تساهم في الحفاظ على خزينة الدولة والذّود عن تبذير المال العام، كمؤسسة بيت المال ومؤسسة سبل الخيرات، وغيرها من المؤسسات الأخرى التي لعبت دورا هاما في الحفاظ على تماسك المجتمع الجزائري، وزرع روح التضامن والتعاون بين أفراده.

- العمل بأحكام المذهبين؛ الحنفي والمالكي ضمن أجهزة الإدارة العثمانية المتعلقة بالقضاء والأوقاف طوال العهد العثماني بالجزائر، فإدارة الأتراك في الجزائر لم تفرض المذهب الحنفي على بقية السكان على حساب المذهب المالكي، بل العكس، فقد بقي السكان على مذهبهم في معاملاتهم اليومية والفقهية والاجتماعية من بيع وشراء وزواج وطلاقٍ و كراءٍ ومنازعات وغيرها، ولم يأخذ الجزائريون بالمذهب الحنفي إلا فيما يخص التحبيس، وما تعلق به من معاملات وطرق استغلال الأملاك الموقوفة. كما تواجدت بإيّالة الجزائر محاكم شرعية حنفية وأخرى مالكية، وتُركت بذلك الحرية التامة للسكان في التقاضي بحسب المذهب الذي يريدونه دون تدخل السلطة الحاكمة في ذلك.

       وزيّادة على ما سبق ذكره من إيجابيات (نقاط القوة)، فإن إيجاد إدارة مركزية واحدة، وتركيز السلطات في يد الديوان الذي يتولى تعيين أو انتخاب الداي، وتعامل دُول أوروبا وأمريكا مع الداي، والمعاهدات المبرمة بينها وبين الجزائر، يدل على أن الجزائر قد تطورت في إدارتها خلال العهد العثماني إلى أن أصبحت دولة قائمة بالمعنى الحديث للكلمة.   


Modifié le: mardi 19 décembre 2023, 11:29