1- مؤسسة أوقاف الحرمين الشريفين: احتلت مؤسسة أوقاف الحرمين الشريفين الصدارة على باقي مؤسسات الأوقاف القائمة بإيّالة الجزائر، وهي تعود في نشأتها إلى العهد الإسلامي الأوّل، أي قبل العهد العثماني في الجزائر. وقد حُظيت هذه المؤسسة بأغلبية الأوقاف الخيرية والأهلية، حيث استمدت أهميتها من المكانة السامية التي كانت تحتلها الأماكن المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة) في نفوس الجزائريين؛ مما جعلها في طليعة المؤسسات الخيرية، سواء من حيث عدد الأملاك التي تعود إليها أو الأعمال الخيرية التي كانت تقوم بها.
وبالنسبة لتسيير هذه المؤسسة، فإنها كانت تخضع في إدارتها إلى مجلس مكون من أربعة أشخاص؛ على رأسهم وكيل يُعينه الباشا، وكان لها وكلاء آخرين في عدّة مدن جزائرية أخرى على غرار مدينة البليدة، وهران، قسنطينة...، وغيرها من المدن التي كانت تساهم في أوقاف هذه المؤسسة. وقد خُصّصت أوقافها لتقديم الإعانات لأهالي الحرمين الشريفين المقيمين بالجزائر أو المارين بها، والإنفاق على بعض المساجد الحنفية بمدينة الجزائر، وإرسال جزء منها إلى فقراء مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ سواء عن طريق البر مع قافلة الحجاج، أو عن طريق البحر إلى الوكالة الجزائرية بالإسكندرية في سفن إسلامية أو نصرانية، ومنها إلى الحرمين الشريفين، على أن يتم صرف ما تبقى من أوقاف هذه المؤسسة على أعضاء إدارتها والمحتاجين من السكان. وعليه يمكن القول أن هذه الأوقاف كانت لها أهمية سيّاسية مُضافة لقيمتها الدينية، باعتبار أنها كانت تعكس صورة الجزائر في العالم الإسلامي كما يرى أبو القاسم سعد الله.
2- مؤسسة أوقاف سبل الخيرات: أسسها شعبان خوجة التركي سنة 1584، وهي مؤسسة وقف جماعية شبه رسمية، تتولى الإشراف على جميع الأوقاف المتعلقة بخدمة المذهب الحنفي من زوايا ومدارس ومساجد وموظفين وفقراء، ويعود أمر التصرف فيها إلى المفتي الحنفي، الذي يُساعده في تسيير إدارتها أحد عشر عضواً، وكيل وكاتب وثمانية مستشارين وشاوش يعينهم الباشا بنفسه. وقد تدعمت مكانتها في الفترة الأخيرة من العهد العثماني، حتى أصبحت تحتل المرتبة الثانية بعد مؤسسة الحرمين الشريفين من حيث وفرة مداخيلها؛ بسبب انتمائها للمذهب الحنفي من جهة، وغنى الطائفة التركية وجماعة الكراغلة وبعض العائلات الحضرية؛ التي كانت تُوقف أملاكها لفائدة المساجد الحنفية من جهة أخرى
3- مؤسسة أوقاف الجامع الأعظم وبقية المساجد الحنفية والمالكية الأخرى: يعود تاريخ ظهورها إلى مطلع الأربعينيات من القرن السادس عشر (1541)، وهي تحتل المرتبة الثانية بعد أوقاف الحرمين الشريفين من حيث كثرة عددها ووفرة مردودها؛ وذلك راجع إلى الدور الكبير الذي كان يلعبه الجامع الأعظم في الحياة الثقافية والدينية، ولكثرة عدد المساجد المالكية في الحواضر الجزائرية. وقد بلغت أوقاف هذه المؤسسة حوالي 550 وقفا، تشتمل على المنازل والحوانيت والبساتين والمزارع والضيعات وغيرها، ويعود أمر التصرف فيها إلى المفتي المالكي؛ الذي يُوكل مهمة تسيير شؤونها إلى الوكيل العام الذي يُساعده في مهامه وكيلان،
4- مؤسسة أوقاف بيت المال: تعتبر مؤسسة بيت المال من التقاليد العريقة للإدارة الإسلامية بالجزائر، التي تدعمت في العهد العثماني، وأصبحت تتولى إعانة أبناء السبيل، واليتامى، والفقراء، والأسرى، وتتصرف في الغنائم التي تعود للدولة، كما تهتم بشؤون الخراج وشراء العتاد، وتشرف على إقامة المرافق العامة من طرق وجسور، وتشييد أماكن العبادة. كما كانت تهتم بالأملاك الشاغرة، وتتولى تصفية التركات. وتحافظ على ثروات الغائبين وأملاكهم. وتقوم ببعض الأعمال الخيرية مثل دفن الموتى من الفقراء، وأبناء السبيل ومنح الصدقات للمحتاجين.
كان يشرف على هذه الهيئة موظف سامٍ يُعرف ببيت المالجي، يُساعده قاضٍ يلقب بالوكيل، ويتولى شؤون التسجيل فيها موثقان
5- مؤسسة أوقاف الأندلسيين: قامت هذه المؤسسة بعد محنة الأندلسيين الذين نزحوا إلى المغرب العربي واستقروا في المدن الساحلية، وساهموا في الجهاد ضدّ الأسبان ، وترجع أولى عقود هذه المؤسسة إلى سنة 1572 (حسب ديفوكس). فقد كان أغنياء الجالية الأندلسية يوقفون الأملاك على إخوانهم اللاجئين الفارين من جحيم الأندلس.
لقد تعززت مؤسسة أوقاف الأندلسيين بعدما تم تأسيس مجمع ثقافي وتعليمي وديني سمي بزاوية الأندلسيين، خلال النصف الأوّل من القرن السادس عشر، حيث خصّ مهاجري الأندلس بالبلاد الجزائرية كل من جامع الأندلس والزاوية الملحقة به؛ بكثير من الهبات والأوقاف التي بلغت حوالي 40 ملكية و61 عناء، وُضعت كلها تحت تصرف وكيل الأندلس، ثم تضاعفت أوقاف هذه المؤسسة إلى أن بلغت 101 وقفا عشية الاحتلال الفرنسي
6- أوقاف الزوايا والأولياء الصالحين والأشراف: تعود أحباس هذه المؤسسات المستقلة عن بعضها إلى أضرحة الأولياء الصالحين، والأشراف، وإلى المدارس التي أسسوها في حياتهم، وتتمثل مهمة هذه الأحباس في تسديد التكاليف الجارية للمؤسسة التعليمية أو الدينية؛ من خلال العوائد التي يقدمها فقراء الأشراف أو تلك التي تصلها من أوقاف بيت المال.
لقد تعددت مؤسسات أوقاف الزوايا والأولياء والأشراف، وكثر وجودها في المدن الجزائرية على غرار مدينة الجزائر، حيث كانت تقدم لها الهدايا والهبات، وتحبس عليها الأملاك المختلفة حتى تكونت لكل منها ملكية خاصة بها. ومن أبرز هذه المؤسسات تلك التي ترجع إلى ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي والتي بلغت أحباسها خلال السنوات الأولى من الاحتلال الفرنسي بــــ 69 وقفاً. مردودها السنوي 6000 فرنك، تُنفق على القائمين على الضريح ويوزع قسم منها على فقراء المدينة كل يوم خميس بمقدار فرنك إلى ثلاثة فرنكات لكل فردٍ. وكذلك مؤسسة زاوية الأشراف التي أسسها الداي محمد بكداش لفائدة الأشراف سنة 1709، والتي خُصصت لها أوقاف كثيرة قبل أن تتعرض للتصفية من الاستعمار الفرنسي عام 1832.
7- أوقاف المرافق العامة: يصر الكثير من المؤرخين –حسب ما جاء به فارس مسدور وكمال منصوري– على تسميتها بالمؤسسة غير الدينية؛ نظراً لدورها التقني في مدينة الجزائر، غير أن نشأتها كانت بدوافع دينية واضحة، من خلال الرّغبة في الثواب الجزيل بإرواء عابري السبيل ورعايتهم. وقد جرى العرف على ذلك حتى سميت العيون الموجودة في الأماكن العامة بالسبيل، ولا يزال هذا المصطلح يستعمل إلى يومنا هذا للدلالة على المنافع العامة. وللإشارة فقد أوقفت عدّة أملاك داخل مدينة الجزائر وخارجها للإنفاق على المرافق العامة كإنشاء وصيانة الطرقات، حفر الآبار، العيون، السواقي...، وقد خصّص لكل مصلحة من هذه المرافق العامة، وكيل خاص يرعى أوقافها ويتعهد شؤونها؛
8- مؤسسة الأوجاق: تشمل أوقاف الجند والثكنات، وهي مخصصة في مجملها للإنفاق على المعوزين من الجند، وصيانة بعض الثكنات والحصون والأبراج، وحسب بعض الدراسات فإن مداخيل هذه المؤسسة كان تعود إلى العسكر المقيم في الثكنات العسكرية أو الجنود الذين ترقوا في رتبهم العسكرية.