1- مجالات القضاء وفروعه في إيّالة الجزائر:
لقد تعددت مجالات القضاء في الجزائر خلال العهد العثماني. وهذا راجع إلى تنوّع وتشعب القضايا التي كانت تعالجها مؤسسة القضاء، وعلى هذا الأساس فإننا نميّز بين عدة مجالات للقضاء:
1-1: القضاء في المجال المدني: وهو الذي يشمل معاملات الأشخاص من بيع وشراء وإيجار وزواج وطلاق...الخ؛ إذ يتم النظر في مثل هذه القضايا من طرف القضاة الذين يعينهم الداي، ويُطلب منهم تنفيذ الأحكام بسرعة، على أن يساعدهم في ذلك كل من:
* الكُتاب الذين يُخول لهم تسجيل كل القضايا والأحكام والعقود الصادرة عن القاضي في الجلسة.
* الشواش الذين يتمثل دورهم في إحضار المتحاكمين، ويمكن للقاضي أن يكلفهم بأمور أخرى خلال جلسة الحكم.
* العدول الذين يحضرون الجلسة كشهود، ولا يقل عددهم عن اثنان.
1-2: القضاء في المسائل الجنائية: ينقسم بدوره إلى صنفين:
* الصنف الأوّل: الذي يشمل المسائل الخطيرة المعاقب عليها بالإعدام كجريمة القتل، الاغتصاب، السطو بالسلاح، الزنا...؛ إذ يعود الفصل في مثل هذه القضايا إلى الداي ووزرائه، حيث يكون الحكم فيها بالإعدام (الموت)، مع وُجود اختلاف في تنفيذ الحكم حسب الانتماء الديني والطبقي لمرتكبي الجريمة. فإذا كان الجاني تركيا، يتم خنقه بطريقة سرية في بيت الآغا بعيداً عن العامة، أما إذا كان الجاني من الأهالي، فإنه يشنق في ساحة عمومية أو يقطع رأسه أمام الملأ.
* الصنف الثاني: الذي يشمل الجرائم الأقل خطورة، التي لا تحتاج إلى عقوبة الإعدام كالسرقة والغش في الميزان...الخ. بحيث تتراوح العقوبة ما بين قطع اليد والتغريم والأعمال الشاقة والجلد والسجن...، علماً بأن الحكم في هذا النوع من الجرائم يعود إلى الداي في دار السلطان أو الباي في بقية البايلكات.
1-3: القضاء في المجال العسكري: يخص الجيش الانكشاري الذي انفرد بقضاء خاص ومحكمة خاصة، باعتبار أن العسكريين لا يُحاكمون أبدا بواسطة القوانين المدنية ولا أمام الشعب. وقد عالج هذا القضاء عدّة مسائل كالتورط في الخيانة، ومخالفة الأوامر العسكرية، التمرد وتدبير الاغتيالات والانقلابات، ويعود اختصاص الفصل في هذا النوع من الجرائم إلى الداي الذي يجمع بين السلطتين المدنية والعسكرية.
2- الأحكام القضائية في الجزائر العثمانية:
لقد تنوعت مستويات الأحكام القضائية في إيّالة الجزائر، وهذا راجع بالدرجة الأولى إلى اختلاف القضايا التي كانت تعرض على مؤسسة القضاء، إذ يمكننا أن نميز بين عدة أحكام نذكر منها:
- الصلح بين المتخاصمين، وهو الحكم الذي كان سائداً بكثرة في المجتمع الجزائري، خاصة عندما يتعلق الأمر ببعض النزاعات البسيطة كالتعارك الكلامي.
- التغريم عن طريق فرض غرامات مالية على كل من أخل بما اتفق عليه العرش أو الجماعة، كالمطففين في الميزان أو الذين يغشون في الأسعار.
- الأشغال الشاقة في حق مرتكبي جرائم المخالفات الصغيرة كإضرام النيران البسيطة.
- قطع اليد اليمنى لكل من ثبتت في حقه تهمة السرقة أو تزوير النقود.
- عقوبة الضرب بالهراوة والعصي، حيث يتم ضرب المخالف وهو ممدد على الأرض، ويتم تركيز الضرب على قدميه أو على بطنه، ثم يُصب الخل على الجروح لكي يزداد المخالف ألما ولا يعود إلى جريمته ثانية.
- الإعدام الذي كان ينفذ بإحدى الطرق الثلاث: الأولى وهي القتل بالسفود، حيث تؤخذ قطعة دائرية من الخشب، طولها ثلاثة أدرع وعرضها في حجم ساق الرجل، أحد طرفيها حاد، ثم تدخل في جسم الرجل بين الكتفين وتخرج، إلى غاية وفاته. أما الثانية فهي الجلد بالسوط، حيث يضع الجلادونالمجرم مضطجعا على ظهره بعد نزع ثيابه، ويباشرون بضربه على بطنه بحبلين شديدين حتى الموت. أما الطريقة الثالثة فهي التي تعرف بالارتماء القصري؛ إذ يعلق المدان ثلاثة أو أربعة أيّام قبل إعدامه ثم يرمى من حائطٍ عالٍ أو سور ليقع على قطعة حديدية حادة جداًّ. وقد يكون الإعدام أيضا عن طريق الخنق والشنق وقطع الرأس، أو بالرمي في البحر أو عن طريق الحرق وإطلاق النار.
3- علاقة القضاء بالسلطة في إيّالة الجزائر:
لقد ارتبط النظام القضائي بسلطة الحاكم في إيّالة الجزائر خلال العهد العثماني، إذ يعتبر الداي مصدراً للسلطة السيّاسيّة والقضائية. وهو الذي يقوم بتفويض هذه السلطات إلى البايات والقضاة في مختلف مقاطعات الإيّالة. كما يمكنه أيضا سحب هذا التفويض منهم في حالة عدم موافقته على الأحكام الصادرة عنهم.
وباعتباره حاكم الإيّالة، كان الداي هو القاضي الأعلى لها. لذا كان من حق كل طرف من أطراف النزاع، الذي سبق له أن رفع قضيته أمام المجلس الشريف، أن يطرح النزاع من جديد وبرمته على الداي شخصياً، للفصل فيه بصفة نهائية غير قابلة للطعن. وذلك إن لم يكن راضياً بحكم أعضاء المجلس المذكور. كما أن سلطة الفصل في الأحكام المتعلقة بالمسائل الجنائية كانت تعود إلى سلطة الداي في دار السلطان.
ومن جهته أيضاً، كان الباي هو مصدر السلطة السيّاسيّة والقضائية على مستوى البايلك، إذ يَحظى الباي على مستوى مقاطعته بصلاحيات واسعة في مجال القضاء، يمكن القول أنها توازي صلاحيات الداي على مستوى الإيّالة، ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن تنال أحكام القضاة موافقة الداي خاصة فيما يتعلق بالقضايا المدنية، أما في الجنايات، فإن الباي هو الذي يتولى مثله مثل الداي مهمة الفصل في أحكامها؛ باعتبار أنها مرتبطة بالسيّاسة وأمور السلطة. إن دلّ هذا على شيء إنما يدل على تبعية (عدم استقلالية) القضاء للسلطة.
يمكننا القول في خاتمة هذه الدراسة أن دائرة القضاء في إيالة الجزائر، قد عرفت توسعا كبيرا لتشمل بذلك مختلف مجالات المجتمع الجزائري (المدنية والسياسية، الجنائية، العسكرية ...)، ونتج عن ذلك أن تنوعت الأحكام القضائية الصادرة عن مؤسسات القضاء، وهذا في ظل تبيعة الجهاز القضائي الدائمة لسلطة الحكام العثمانيين، طيلة تواجدهم في الجزائر.