1 – تعريف الإدارة المحلية :

الإدارة المحلية هي أسلوب من أساليب التنظيم الإداري في الدولة، يتضمّن توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة (السلطة المركزية)، والهيئات الإدارية المحلية المتخصصة على المستوى الإقليمي، هذه الأخيرة التي تُمارس ما يُعهد به إليها من اختصاصات تحت إشراف الحكومة المركزية. وبهذا تكون الإدارة المحلية بمثابة ذلك الجزء من الدولة؛ الذي يختص بالمسائل التي تهم سكان إقليم معيّن، وغيرها من الأمور التي ترى الحكومة أنه من الملائم أن تديرها سلطات محلية معينة أو منتخبة تكمّل الحكومة المركزية. بحيث تمارس السلطات المحلية مهامها على مستوى المقاطعات الإدارية المحلية تحت رقابة وإشراف الحكومة المركزية.

2- الجهاز الإداري المحلي والموظفين القائمين عليه:

لقد سبق وأن أشرنا إلى تقسيم الجزائر خلال العهد العثماني إلى مقاطعات إدارية كبرى؛ هي دار السلطان والبايلكات الثلاثة: بايلك الشرق، بايلك الغرب، بايلك التيطري. والحقيقة أنّ الإطار العام لإدارة الإيّالة الجزائرية وموظفيها لا يُكتمل إلاّ بدراسة الجهاز الإداري على المستوى المحلي لهذه البايلكات التي تتكون منها إيّالة الجزائر. فعلى الرغم من اختلاف أوضاع البايلكات، إلاّ أن الوظائف الإدارية والصلاحيات التنفيذية كانت متشابهة فيما بينها، وحتى النظام الإداري الذي كان معمولا به في إقليم دار السلطان، كان يماثل تقريبا الجهاز الإداري على المستوى المحلي، أي في البايلكات الثلاثة، مع وُجود بعض الفوارق والاختلافات الناجمة عن الوضعية الخاصة بكل بايلك. ويمكن الإشارة إلى أجهزة الإدارة المحلية وأعوانها على المستوى المحلي من خلال ما يلي:

2-1: الباي: هو صاحب السلطة القيادية الأولى في الإقليم. وهو بمثابة الوالي في يومنا هذا، إذ يقوم بأعماله في الإقليم الذي يشرف عليه نيابة عن الداي. علما بأن هذا الأخير (الداي) هو الذي يختاره من بين الشخصيات المقربة لحكام الجزائر على أساس كفاءته ومقدرته السيّاسية والعسكرية، ومعرفته بعادات وتقاليد وأعراف سكان البايلك مدنا وأريافا. كأن يكون الباي ممّن تولّوا منصب القيادة مثل قائد الحواسي ( الحراكتة ) بالنسبة لبايلك قسنطينة، أو يكون قد شغل منصب خليفة للباي السابق.

لقد دامت مدة تعيين الباي في منصبه مدة 03 سنوات قابلة للتجديد، بحيث يكون البايات مُطالبين بعد انقضاء هذه المدّة بالتوجّه إلى دار السلطان؛ لأجل تسليم عائدات بياليكهم مع التقارير الخاصة بأوضاع المناطق الخاضعة لهم لحكومة الداي، على أن يتم في نفس الوقت تجديد تعيينهم أو عزلهم نهائيا، وفقا لما كان يتم تقديمه للداي من فروض الطاعة وأصناف الهدايا والضرائب في إطار ما يعرف بالدنوش الكبرى كزيارة إجبارية يؤديها البايات اعترافا منهم بالولاء للحكومة المركزية، وتثمين الإحساس بسلطة الداي. وكثيرا ما كانت هذه الزيّارة محفوفة بالأخطار؛ لأن الباي قد لا يعود إلى مقر إدارته إذا لم يرض الداي وحاشيته ومقربيه بالهدايا الثمينة ومظاهر النجاح في فرض سلطته، وفي حال رضاه (الداي) يتسلم الباي قفطانا جديدا من الباشا كرمز على تجديد الثقة فيه من الإدارة المركزية ليعود بذلك إلى مقر عمله.

ويمتاز الباي عن بقية موظفي الإيّالة بممارسة صلاحيات واسعة ضمن الحدود الترابية للبايلك. غير أن هذه الصلاحيات لم تكن مطلقة؛ فعلى الرغم من كون الباي سيّدا في مقاطعته، يستحق الطاعة والاعتراف بسلطته، إلا أنه كان مقيدا باستشارة أعضاء الديوان المحلي للبايلك في الشؤون الهامة المتعلقة بإدارته، مع قبوله بوجود قائد عسكري (آغا الدائرة) على رأس الحامية بالبايلك، هذا فضلا على تنفيذه لأوامر الداي والتزامه برحلة الدنوش الكبرى. ويمكن الإشارة بإيجاز إلى مهام الباي الأساسية من خلال ما يلي:

- ضمان موارد دخل الخزينة الخاصة بالبايلك ولو باستعمال مختلف الوسائل؛ كالقيام بالحملات العسكرية "المحلة الفصلية ربيعا وخريفا" واستمالة الرؤساء المحليين، وهذا كله من أجل تجديد أرصدة خزينة الدولة من جهة والقيام بالدنوش الصغرىعلى يد خليفته إلى مدينة الجزائر من جهة أخرى.

- المحافظة على الأمن وإقرار الهدوء والحيلولة دون انتفاضة وعصيان القبائل بالأرياف.

- التكفل بدفع أجور الحامية التركية الموجودة بمركز البايلك، مع الاهتمام بالمرافق العامة الموجودة في المدن الكبرى التابعة له، وتأمين الطرق وإبقاء الاتصال بمركز السلطة في الجزائر.

- إدانة المتورطين في القضايا الأخلاقية الفاسدة.

- تعيين شيوخ القبائل أو عزلهم. وكذا تعيين قياد القبائل باستشارة رؤساء المخزن في الأرياف.

2-2: ديوان البايلك المحلي (ديوان الأوجاق) :

يشكل ديوان البايلك، الجهاز الإداري المحلي الذي يعتمد عليه الباي في إدارة شؤون بايلكه، وهو يتكون من مجموعة من الموظفين المحليين الذين يمكن تصنيفهم كالتالي:

- الموظفين المقربين من الباي: وهم الذين يرجع إليهم الباي للبث في الأمور الهامة أو لطلب الرأي والمشورة، إذ يحتفظون بالسلطات العليا إلى جانبه، ويتصلون به مباشرة، ويشتركون معه في اتخاذ القرارات، وهم بذلك يكونون مجلسا حكوميّا شبيها بمجلس حكومة الداي على المستوى المركزي، ومن أبرزهم:

* الخليفة: هو الموظف السامي الثاني في البايلك بعد الباي، وغالبا ما يكون صاحب هذا المنصب مرشحا لشغل وظيفة الباي. يُعينه الباشا باقتراح من الباي. وهو الذي يخلف الباي عند غيابه وينوب عنه في بعض المناسبات، ويعتبر الخليفة مسؤولاً عن شؤون الأوطان أو أقاليم البايلك، إذ يخضع له القواد ورجال الميليشيا المنظمين، وينظم عملية استخلاص الضرائب، كما يتولى الخليفة مهمة إخضاع السكان لحكومة البايلك، هذا فضلا على تقديم الدنوش الصغرى لحكومة الداي في العاصمة مرتين في السنة (في الربيع والخريف)، وذلك في حال عدم ذهاب الباي بنفسه.

* الباش خزناجي أو الخزندار: يُعين من طرف الباي. وهو الذي يشرف على مصادر دخل البايلك والنفقات المترتبة عن مختلف أوجه النشاطات الاقتصادية والمالية بالبايلك، ويساعده على مهامه كاتبان رئيسيان يعرف كل واحدٍ منهما بالدفتردار.

* آغا الدائرة: وهو الذي يعرف في بعض المقاطعات بآغا العرب أو الباش آغا أو خوجة الخيل، وهو قائد الحامية التركية المستقرة بمركز البايلك. يتلقى أوامره من الداي مباشرة. ويقوم بعزل أو إعدام أو تعيين البايات الجدد عندما تصدر له الأوامر بذلك، ويخضع لأوامره فرسان المخزن، الأمر الذي مكنه من التصرّف في الأرياف ومراقبة البايات في تعاملهم مع السلطة المركزية.

* شيخ البلد أو قائد الدار:  الذي يتولى مهمة المحافظة على أملاك الدولة الواقعة داخل أسوار المدينة كما يتصرف في مرتبات الجند وتوزيع المؤونة الشهرية عليهم. ويخضع لأوامره قائد الباب المكلف بمراقبة عوائد ومداخيل حقوق الكراء داخل المدينة.

* الباش كاتب: وهو كبير الكتاب أو الكاتب العام، المكلف بكتابة رسائل الباي وكل ما يتصل بشؤون السيّاسة للبايلك، ويتخذ لنفسه دفتراً يسجل فيه كل أموال البايلك (نقود، أحصنة، بغال، أغنام...)، وله اتصال بالخزناجي نظراً لتوليه المحاسبات المالية للباي.

* الباش سيار: وهو المسؤول عن بريد البايلك، حيث يتولى مهمّة نقل الرسائل بين الباي والداي، ويُرافق الخليفة أثناء تقديمه للدنوش الصغرى إلى حكومة الداي بالعاصمة.

* الباش سايس أو الباش سراج: وهو المسؤول عن حيوانات البايلك وحمايتها ورعايتها والاعتناء بها، القائم بتجهيز حصان الباي عند السفر.

* الباش مكاحلي: وهو قائد الحرس الشخصي للباي.

* الباش علام: وهو قائد حاملي شارات الحامية التركية بالبايلك وعددهم سبعة.

* الباش شاوش: المكلف بتنفيذ الأوامر الموجهة إلى الأتراك.

* شاوشا الكرسي: وهما من الأتراك، يتوليان مهمة جلد من يأمر الباي بجلدهم، ويسيران أمام الباي عند خروجه، كما يتوسطان بينه وبين بعض المسؤولين الأجانب في مسائل السلم وتمتين الروابط.

- الموظفين المساعدين: وهم الذين لا يتصلون بالباي إلاّ عند الضرورة ومن أهمهم :

* آغا الصبايحية: وهو المسئول عن الصبايحية والشواش الذين يقومون بدور المساعدين.

* شاوش محلة الشتاء: المكلف بتوزيع ما يحتاج إليه جنود المحلة من مؤن وأغذية وخيام....

* باش الطبل: وهو رئيس الطبول التي تضرب في حالات الحرب والسلم.

* باش خزناجي: الذي يتولى مهمة حراسة قوافل المحلة التي تستخلص الضرائب من الناس.

- موظفو قصر الباي: نذكر منهم:

* قائد المقصورة أي الحاجب الخاص بالباي.

* قائد الجبيرة؛ أي حامل محفظة الباي.

* قائد السبسي؛ أي حامل غليون الباي، ويعدّ له حشيشة الدخان.

* قائد السيوانة؛ الذي يحمل مظلة الباي في الأمطار والحرارة.

* قائد الطاسة؛ الذي يتكفل بحمل أدوات شرب القهوة من الفضة خلال سفر الباي.

* باش قهواجي الذي يقوم بإعداد القهوة وتقديمها للباي وضيوف القصر.

* باش فراش الذي يهتم بفراش قاعات القصر.

* قائد الدريبة (آغا الطواشي) وهو البواب الأوّل لمنزل الباي، ويكون خصيّا أسود.

2-3- إدارة المدن وأعوانها :

تخضع المدن الكبرى في البايلكات إلى إدارة خاصة على غرار مدينة الجزائر في دار السلطان. فهناك بعض المدن التي كانت تابعة في إدارتها بصفة مباشرة للإدارة المركزية في العاصمة؛ مثل مدينة المدية ومدينة تلمسان اللتين كان يشرف على كل واحدةٍ منهما حاكم يُعينه الداي. في حين خضعت أغلبية المدن الأخرى في البايلكات الثلاثة لسلطة "قائد الدار" الذي يعينه الباي، وغالبا ما كان هذا التعيين -سواء كان من طرف الداي أو الباي– يتم عن طريق الالتزام؛ باعتبار أن القياد كانوا يشترون وظائفهم بكمية من المال التي تختلف قيمتها حسب مكانة المدينة وأهميتها.

مثل قائد الدار السلطة الحضرية في المدينة، إذ يوجد تحت تصرفه 60 حارساً. فهو الذي يشرف على حراسة المدينة وحفظها، وتموين العسكر وإمدادهم برواتبهم الشهرية، وتجهيز الفرق العسكرية عند خروجها للغزو. هذا فضلا على صلاحياته القضائية المتمثلة في تسليط العقوبات الجسدية والمالية على المخالفين، وضمان عوائد ومداخيل حقوق الكراء داخل المدينة.

وتسهيلا لمهام قائد الدار، فقد وُضع تحت تصرفه كل من أمناء الحرف والمهن؛ مثل أمين الفضة وأمين الخبازين والمقدم أو رئيس اليهود، وعدد كبير من الموظفين، نذكر من أهمهم:

* قائد الباب المسؤول عن البضائع والسلع التي تدخل أسواق المدينة، حيث يستخلص الضرائب من أصحابها، وعادة ما يكون له كاتب خاص وعدد من المساعدين.

* قائد السوق الذي يتولى مهمة تفتيش الأسواق.

* قائد الزبل المسئول على تنظيف الشوارع والأسواق والحارات.

* البراح الذي يبلغ أوامر قائد الدار والباي والخليفة، ويصاحبه شاوش الباي.

* الباش حمار أو رئيس الحمارين المسؤول عن البغال الذي يتولى تجهيزها عند الحاجة إليها.

* قائد القصبة المسئول عن شرطة المدينة ليلا.

* وكيل بيت المال الذي يهتم بتقديم المساعدات للفقراء والتصرّف في المواريث؛ التي لا صاحب لها، وحفر القبور والاعتناء بالمقابر. ويضع الباي تحت تصرفه مبلغ من المال من الخزينة العمومية.

2-4- إدارة الأرياف وأعوانها:    

تعتبر الأرياف الخلية الأساسية في بناء الإدارة العثمانية بالجزائر، فهي المورد الأساسي لإيّالة الجزائر، خاصة بعدما تراجعت الموارد البحرية وغنائم الحروب مع أواخر العهد العثماني، حيث برز تأثيرها واضحا في العلاقة بين السكان والسلطة الحاكمة. وكانت الإدارة المحلية في الأرياف تعتمد بشكل خاص على مجموعة من الموظفين؛ الذين كانوا يشكلون معاّ حلقة وصلٍ بين العثمانيين في المدن والسكان الأصليين في الأرياف وفق نظام إداري محلي منظم ومنسجم، ومن أبرز هؤلاء الموظفين نذكر:

* القياد: كان القائد يُختار من قبل الآغا الذي يرشحه، على أن يتم تعيينه من طرف الباي، وهو بمثابة همزة وصلٍ بين القبيلة التي يُنصّب عليها والموظفين الكبار على مستوى البايلك. وبعبارة محددة هو الذي يمثل البايلك لدى سكان الريف، ويعمل القائد بالاعتماد على الشيوخ وزعماء القبائل، على إقرار الأمن وجمع الضرائب، كما تتوسع صلاحياته لتشمل مراقبة الأسواق الريفية والحد من المنازعات بين أفراد القبائل، هذا فضلا على خروجه مع فرسان الوطن الريفي لتأديب القبائل العاصية ومعاقبتها.

* شيوخ القبائل: يعدّ شيخ القبيلة الشخصية الثانية بعد القائد التي تستدعي الاهتمام، ويتم تعيينه من طرف القائد بعد استشارة رؤساء الدواوير، وحرصاً على الأمن وضمانا لطاعة أفراد القبائل فإن شيخ القبيلة كان يختار من القبيلة ذاتها. ليتولى بذلك الإشراف على شؤونها. وتتنوع مهام الشيخ حسب القبيلة التي يشرف عليها، فهو مكلف بمراقبة مواسم الحرث والحصاد وتقسيم الأراضي بين العائلات إذا كانت الأرض مشاعة. وينظر في قضايا توزيع مياه الري وتخصيص المراعي واختيار مكان استقرار الدوار إذا كانت القبيلة تمارس حياة الترحال الموسمي، كما يحق للشيخ في الجهات البعيدة عن نظر القائد؛ مراقبة الأسواق الريفية وفرض الغرامات، وإلزام السكان بدفع المطالب المخزنية حسب قدرتهم، مما يجعل منه المرجع الأوّل لأفراد القبيلة في حالة وقوع المخالفات وتقدير الضرائب المتوجب بعثها إلى القائد.

* قائد الدوار: يلي شيخ القبيلة، له صلاحيات محدودة لا تتجاوز نطاق الدوّار ولا تتعدى السكان الذين ينتمون إليه.

* وكلاء المخازنية: الذين يتنقلون عبر الأرياف لضبط الملكيات المزروعة وتقدير محصولها.

* قائد العشور: المسؤول على تحديد مبلغ العشور المدفوع من طرف كل قبيلة.

* قائد الدين: المكلف بقبض الضرائب التي يفرضها الباي على القبائل.

* قائد مخزن الزرع: الذي يقدر مساحة الأراضي المزروعة وما يمكن أن يؤخذ منها من عشور بالرجوع إلى قائد العشور.

* قائد التوت: الذي يستخلص الضريبة السنوية المفروضة على شجر التوت.

* المرابط: الذي يمثل القائد الروحي للقبيلة بدواويرها، فهو الذي يتولى إدارة القضايا الخطيرة التي تواجهها القبيلة ببطونها ومداشرها.


Modifié le: mardi 19 décembre 2023, 10:59