إنّ الجمال والتحسينيات من المقاصد التي حرصت الشريعة الإسلامية على حفظها، وتجلّى ذلك في مجال العمران من خلال الرسومات والزخارف وطرق النقش والتلوين والتزيين التي أضافت قيمة جمالية وإبداعية على العمائر الإسلامية.

ولأنّ الإسلام دينٌ حيُّ، يترك بصمته على سائر ميادين الحياة، فقد كانت الزخرفة الإسلامية متأثّرة بنصوص الوحي الناهية عن تصوير الكائنات الحية، لذلك اعتمد الفنان المسلم على أسلوب اللامحاكاة، كما أنّ حرمة استعمال الذّهب والحرير دفعت بالفنان المسلم إلى إيجاد بدائل تجوز شرعا، فهرع إلى استخدام الخزف المذهب بالأكاسيد التي تُحرق وتتحول للون ذهبي أو بني أو أحمر أو زيتوني، و أيضا تمّت زخرفة المحاريب بالخشب والصلصال المزجج أو الجص، وبذلك تمكّن الفنّ الإسلامي من تحويل الخسيس إلى نفيس، ولم يعرف الفن الإسلامي التّجسيم والبروز حيثُ اكتفى بالرسومات الثنائية الأبعاد.

وتعددت عناصر الزخرفة الإسلامية فوُجدت العناصر النباتية التي تُسمى بالأرابسك* التي سخّر فيها الفنان صور العنب وورق الأكانثوس والنخيل والصنوبر والسوسن وغيرها من النباتات، والتي قد تخرج الغصون من جذع شجرة أو ساق أو إناء ملتوية متتابعة، وأيضا هناك العناصر الهندسية المتمثّلة في الدوائر المتماسة والمتجاورة والجدائل.

إنّ هذا النّوع من الفنون يؤكّد سُموّ العقل العربي، وتأثير الفكر الإسلامي الذي زاوج بين الروح والمادّة، والذي يؤمن بالعالم العلوي وتأثيراته، وبالسرمدية بخلاف الفن المحاكي للواقع الذي يعتمد على التجسيد فيحبس العقل في التفاصل، كما تكشف الرسومات التي تعود إلى الفترتين الأموية والعباسية عن التأثيرات الساسانية وقصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة مدى صفاء مخيّلة الفنان المسلم وسعة أفقه وهو يتخيّل الأسود المجنحة والحيوانات الناطقة والحيوانات التي تتفرع من نباتات، وأيضا نجد التأثيرات الصوفية في الرسومات والزخارف الهندسية، ونقصد هنا التصوف القائل بوحدة الوجود، فالأشكال الهندسية تتشابك وتتوالد ومع ذلك تُشكّل وحدة تنضوي تحتها تلك الأشكال من دوائر وخطوط وغيرها.

 واستطاع الفنان المسلم أن يبدع في الزخرفة بالخطوط العربية فرسم ألواحا رائعة، كما أنّ تأمّلاته في الجزء العلوي من الكون جعلته يختار الألوان السماوية التي تسلب الأشياء مادتها كالذهبي والأخضر والأزرق وهي ألوان الماء والسماء والسهول والشمس، وقليلا ما يستخدم الأحمر والبني والأصفر.

ورغم النهي عن تزيين المساجد فلم يلتزم الفنان المسلم كليّا بتلك القيود، فيكفي أن تتفحص مسجد القيروان والمسجد الجامع بمدينة سوسة، ومسجد الزيتونة، ومسجد السيدة بالمنستير، وبعض الزخارف من المهدية حتى ترى الكثير من الطرق الزخرفية الجدارية على شاكلة الزخارف المدهونة، و الزخارف المحفورة، و زخرفة القرميد.

إنّ العمارة الإسلامية ليست مادية بحتة، فهي تتّسم بطابعها الإنساني، ترعى الإنسان باعتباره روح وجسد، لذلك راعت القيم الروحية والأخلاقية وكذا الصحيّة، فكانت نصوص الكتاب والسنّة وفتاوي الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمة المذاهب الفقهية هي مرجع المعماري المسلم، فحديث نفي الضّرر "لا ضرر ولا ضرار" كان هو القاعدة العامّة التي احتكم إليها في مسائل العلاقات بين المواطن مع جيرانه، وكذا بين المواطن و الدّولة ومنشآتها العامّة، فساهم هذا الحديث في حل النزاعات حول الجدار المشترك والمائل والسَّقف المشترك وإحياء الموات وممارسة الأنشطة التي ربّما تضر بالسّاكنة والعمران على حدّ سواء.

لقد منع الفقهاء أن يتصرف المالك في ملكه إذا أضر بجاره، وهو قول ينسب لأحمد في أحد أقواله وكذا إلى الإمام مالك، كأن يفتح نافذة في بناءه العالي وهي مشرفة على بناء جاره ولا يسترها، وأن يحفر الرجل بئرا قرب بئر جاره فيذهب ماؤها فإن الحاكم يأمره بردمها في مذهب مالك ويعتمدون في ذلك على حديث لا تضاروا في الحفر، وذلك أن يحفر الرجل إلى جنب الرجل ليذهب بماءه ، وهكذا نجد أن الفقهاء أفتوا بإزالة كلّ أنواع الضّرر، مثل الضرر البصري الذي يكون نتيجة اطّلاع الجار أو غيره على محارم جاره، كأن يفتح نافذة ينظر من خلالها إلى بيت جاره أو سطحه أو فناءه، أمّا الضرر السمعي مثل اتخاذ المساكن كمحلات للحدادة أو إسطبلات ونحوه، فمنعه عدد من الفقهاء، ويقر المالكية بضرر المطحنة وبأضرارها على حوائط الجار، لكنهم لم يعتبروا الصوت الذي تحدثه من الضرر.

وحرصا على سلامة الهواء وطيبه، سعى الفقهاء إلى إزالة ضرر الشم الناتج عن الروائح الكريهة، كضرر الدباغين والحدادين أو ما يصدر من مداخن الأفران والخبازين والقلائين، والأصل في منع ضرر الرائحة قول الرسول: (من أكل من هذه الشجرة فلايقرب مساجدنا). و لهذا كان يتم اختيار أجود الأماكن وأطيبها هواء من أجل إقامة المدن عليها، فجعلوا من شروط اختيار المدينة اعتدال المكان وجودة الهواء.

ولغرض الحفاظ على أخلاق المجتمع كان للطّريق أحكام أفاض الفقهاء والمحتسبون في سردها، فالطريق تعتبر بمثابة الشرايين، وهي المقياس الحقيقي لدرجة التحضر داخل المجتمعات، فالمدن العامرة هي التي تعج شوارعها بالحركة وتمتلئ بالسلع، ولا تكاد تخلو ساعة من نهار، فلذلك جاء الأمر بتنظيف الطريق، وعدم تلويثها، والنهي عن الجلوس في قارعتها أو الإضرار بسالكيها أو اتخاذ المصاطب في أبواب الدور والأفنية. وتمّ تغليظ عقوبة من يقطع الطّريق على النّاس ويسلبهم أمنهم وأموالهم، ودعى الفقهاء إلى تعزير من يتحرش ببنات المسلمين أو يتلفظ بما لا يليق.

وحفاظا على صحّة الفرد ولأجل سلامته من وهج الشمس وحرّها الحارق كان يتمّ تسقيف الشوارع وتم إبراز الواجهات من أجل حماية المارة والسلع كالحرير، وانتشرت السباطات فكان بين قصر قرطبة ومسجدها ساباط، وآخر بين قصر الزهراء ومسجدها، وفي طرابلس حي يسمى تحت السيباط، وتم استعمال البروزات في الطوابق لتوفير الظلال والأجنحة والرواشن، وعند أحد جانبي أبواب البيوت كانت توجدُ عتبة مرتفعة حتّى يجلس عليها الشيوخ أو المُرهقين عند التّعب وعدم القدرة على الوقوف وتسمى بالمصطبة أو المكسلة أو الدكّة.

Modifié le: samedi 17 décembre 2022, 19:52