علم التاريخ
مرت كلمة تاريخ أو history التي صارت تستخدم في مقدمة ابن خلدون على أنها فن التاريخ ، و كما ظهرت في مدارس القرن التاسع عشر الأوربية بأنها علم ، بمسارات مختلفة و معقدة في حملها فكرة التاريخ إلى أن أصبحت تجسدها فعليا كعلم مستقل بذاته له منهجه و طريقته .
أصل كلمة التاريخ :
يقول فرانز روزنتال :" إن الأصل التاريخي لكلمة Istoria الاغريقية ذو أهمية كبيرة ، فعندما نشطت الحركة الفكرية و السياسية في الدويلات الأيونية في القرن السادس والخامس قبل الميلاد كانت كلمة Istoria تعني البحث عن الأشياء الجديرة بالمعرفة ..... وسرعان ما أصبحت هذه الكلمة مقتصرة على معرفة الأحداث التي رافقت نمو هذه الظواهر، و بذلك ولد تعبير التاريخ بمعناه الشائع " ، ثم أخذ الرومان هذا التعبير Historia كما هو .
يقول المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف أن الأصل الإغريقي لكلمة Histoire هو Istor أي الشاهد ، و يضيف بأن معنى Histoire في اللغات اللاتينية الرومانية له ثلاث أوجه ، أولا التحقيق و البحث في الأعمال التي ينجزها البشر و هو المعنى الذي تطور و صار علم التاريخ ، ثانيا معنى غرض البحث و بذلك يكون التاريخ متابعة الأحداث أو سرد متابعة الأحداث ، ثالثا أن التاريخ هو السرد نفسه .
أخذ استعمال كلمة Historia في اللغات المشتقة من اللاتينية الفرنسية و الانجليزية يتدهور إلى أن استعادت هذه الكلمة مكانتها مع تغير في شكلها مثل كلمة Histoire و History ، و منذ عصر النهضة الأوربية حتى القرن التاسع عشر صارت كلمة التاريخ أعم و أشمل ، و أصبحت تدل على حقل واسع من المعارف الإنسانية ، و تطور مدلول التاريخ فصار مليئا بالدلالات و المعاني الفكرية و الثقافية ، كما صار مصدرا لعدة اشتقاقات منها Historiographie و تعني كتابة التاريخ و سرده و هي مرادف لكلمة التأريخ في العربية ، و Historicisme و هي التاريخانية ، و تشير هذه الكلمة إلى معرفة حركة التاريخ و انتظامها في مسار له مسبباته و حيثياته و مآله و غايته .
تجدر الإشارة إلى أن هذه الاتجاهات الفلسفية و العلمانية ستصبح في غضون القرن العشرين موضوع نقاش و نقد ، عبر مدارس و اتجاهات معرفية جديدة ، كما سنرى مع المدرسة البنيوية و مدرسة الحوليات .
التاريخ في الحضارة العربية الإسلامية
شاع في الأدبيات العربية تعبير الخبر و الأخبار لاسيما في القرنين الأول و الثاني للهجرة للدلالة على معنى التاريخ ، باعتباره وصف أو سرد للأحداث و نقلها على صورة السيرة و المغازي ، و هذا لا يعني أن كلمة التاريخ لم تكن موجودة في اللغة العربية بل كان يقصد بها الزمن فقط .
يرى روزنتال أن كلمة تاريخ جاءت من العربية الجنوبية باليمن و أصلها توريخ ثم عدلت في اللغة العربية الشمالية فصارت تاريخ ، و هناك رأي آخر يقول بأنها فارسية الأصل ، و هي تحوير لتقويم فارسي يسمى ماهروز ، كما يلاحظ أن كلمة تاريخ لم ترد في الأدب الجاهلي أو في القرآن الكريم .
هناك روايتان حول أصل كلمة تاريخ في الحضارة العربية الإسلامية ، أولهما أن أبا موسى الأشعري بعث إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه " يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيهما قد قرأنا صكا محله شعبان ، فما ندري أي الشعبان هو؟ أهو الماضي أم الآتي " ثم جمع الحليفة الصحابة فأشار إليه الهرمزان ( ملك الأهواز الذي أسر في فتوح فارس و أسلم) بأن للفرس تقويما يسمونه ماهروز ، فعربوا اللفظ و صار مؤرخ و جعلوه مصدر التاريخ ، و بعد ذلك أعتمد تاريخ هجرة الرسول صلى الله عليه و سلم بداية التقويم الهجري الإسلامي .
أما الرواية الثانية فيذكرها السخاوي فيقول " و ذكروا في سبب عمل التاريخ أشياء منها ما أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه و من طريقه الحاكم من طريقه الشعبي ، أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ ، فجمع عمر الناس فقال بعضهم أرخ بالمبعث و بعضهم أرخ بالهجرة فقال عمر الهجرة فرقت بين الحق و الباطل فأرخوا بها " ، و يرجح السخاوي بأن الكلمة عربية ، و ستند إلى الأصمعي الذي أشار إلى لفظين عربيين للكلمة " بني تميم يقولون ورخت الكتاب توريخا ، و قيس تقول أرخته تأريخا ، و هذا يؤكد كونه عربيا"
و يدعم روزنتال هذه الفرضية اعتمادا على دراسات للنقوش اليمنية التي ظهرت فيها كلمة أرخ كأحد التعابير التي تدل على حكم أو سنة أو حقبة ، و منذ القرن الثاني للهجرة أضحت كلمة تاريخ تدل على كتب التاريخ أو كتل الأخبار ، و أخذت معنى أوسع لتشير إلى تدوين أخيار الإنسان عبر الزمن .