الكشوف الجغرافية الأوروبية
1- الكشوف البرتغالية:
يرجع الفضل الأكبر في الكشوف البرتغالية إلى الأمير هنري الملاح (Don Hanrique) (1394- 1460م)وهو ابن ملك البرتغال يوحنا الأول وهو أول من قام بعملية الكشف الجغرافي البرتغالي وكان قد اشترك مع والده في الاستيلاء على مدينة سبتة سنة 1415م، حيث لم يكن في استطاعة البرتغال وهي بلاد صغيرة فقيرة أن توسع حدودها البرية المشتركة مع جارتها إسبانيا فلم يبق لها إلا أن تتوسع من ناحية البحر بالتجارة والاستثمار، فبدأ البرتغاليون يسيطرون تدريجيا على الساحل الغربي لإفريقيا وشاعت تجارة العبيد المجلوبين من إفريقيا بواسطة التجار البرتغاليين الذين جنوا فوائد اقتصادية كبيرة لتمويل مشاريعهم الاستكشافية، فقد استطاع البرتغاليون الوصول إلى ماديرا ثم جزر الأزور وفي عام 1446م وصلوا إلى مصب نهر السنغال وإلى الرأس الأخضر واستطاعوا الوصول إلى بلاد غانة، وفي عام 1482م وصل البرتغاليون إلى مصب نهر الكونغو واحتكروا الملاحة الساحلية بالمحاذاة مع الشاطئ الإفريقي حتى غينيا، وفي سنة 1488م وصل بارثميو دياز إلى رأس الرجاء الصالح (خليج العواصف) وبعد هذا الاكتشاف أصبح البرتغاليون يسيطرون على الساحل الإفريقي الغربي وهو ما أدى إلى نمو الاقتصاد وجني أموال طائلة.
- النظام الإستعماري للبرتغال: نظرا لصغر حجم البرتغال مساحة وشعبا فإنها لم تستطع أن تدعم حكومتها القومية الحديثة داخل القارة الأوروبية فاتجهت إلى تدعيم مركزها خارجيا عن طريق احتكار التجارة الخارجية لأوروبا والسيطرة على مراكزها ما بين أوروبا والهند والشرق الأقصى. فاعتمد البرتغاليون في حكم المستعمرات على نائب الملك والذي كان مسؤولا عن إدارة المستعمرات وعن التجارة الخارجية وحمايتها ونشر المسيحية، ولقصر مدة تولي هذا المنصب كان نائب الملك يعمد إلى جمع أكبر قدر من المال عن طريق فرض الضرائب والإتاوات واللجوء إلى أساليب القتل والأسر وهو ما أرهق كاهل السكان وأذاقهم الذل والهوان ولهذا لم يجدوا ترحيبا من أهالي البلاد.
2- الكشوف الإسبانية:
في الوقت الذي بدأت فيه البرتغال في البحث عن مستعمرات لها في طريق التجارة الهندية اتجهت إسبانيا هي الأخرى إلى تدعيم مركز ها السياسي الأوروبي بالكشوف والتوسع الخارجي واتجهت كشوف الإسبان إلى الغرب، وتنقسم الكشوف الإسبانية إلى المراحل التالية:
المرحلة الأولى (1492- 1516م): كان المخطط الأول والمنفذ لاكتشافات إسبانية الأولى الملاح كريستوفر كولمبس الذي فكر في الوصول إلى شواطئ آسيا الشرقية عن طريق الغرب، وقد لقي الدعم من الملكة إزابيلا والملك فرديناند الكاثوليكين، ورغم أنه لم يحقق النتائج المرجوة إلا أنه شجع المغامرين بعده للخروج في رحلات كشفية، لكن سرعان ما ظهر الصدام بين البرتغال وإسبانيا فتم الاتفاق بموجب معاهدة تورديسيلاس 1494م بقرار من البابا اسكندر السادس بأن يكون هناك خط وهمي من نقطة غربي جزر الرأس الأخضر فتكون الاكتشافات التي تظهر في الغرب من نصيب إسبانيا والشرق من نصيب البرتغال.
المرحلة الثانية (1516- 1600م): بلغت الكشوف الإسبانية أوج عظمتها وتمكن الإسبان من الاستيلاء على المكسيك وأمريكا الوسطى وبيرو وأمريكا الجنوبية، واكتمل في هذه المرحلة أهم مشروع جغرافي وملاحي وهو مشروع الرحلة حول العالم الذي نفذ من قبل الملاح البرتغالي ماجلان (Magellan) بعد رفض مشروعه بالوصول إلى الهند عن طريق الغرب بدلا م السير عبر طريق رأس الرجاء الصالح من الحكومة البرتغالية، فلجأ بعدها إلى إسبانيا.
أما بالنسبة لإدارة المستعمرات فقد حرصت الحكومة الإسبانية على تنمية الاقتصاد الإسباني من خلال إنشاء مكتب الإدارة للإشراف على الشؤون المادية في الهند الغربية وتأسيس ما يسمى غرفة التجارة للإشراف على كل ما يتعلق بالاقتصاد في الهند الغربية من تجارة ومهاجرين وتنفيذ قوانين الملاحة، ومن الناحية السياسية فكان يقوم بالحكم نائب الملك الذي يختار لهذه الوظيفة على أساس ولائه للتاج الإسباني والذي يعمل لمصلحته الشخصية والحرص على زيادة ثرواتهم الخاصة بغض النظر عن الكفاءة العلمية والخبرة الشخصية.
3- الكشوف الفرنسية:
على الرغم من أن فرنسا كانت قد حققت وحدتها مبكرا، إلا أنها تأخرت في مجال الاستعمار الخارجي إلى غاية منتصف القرن السادس عشر للميلاد، حيث استطاع الملاحون الفرنسيون الوصول إلى العالم الجديد واكتشف الملاح الفرنسي جون كارتيه مصب نهر سانت لورانس لكن فشل الفرنسيون في التوسع في كندا بسبب البرد القارص والعداء الشديد للهنود، وقد نجح الفرنسيون في إقامة مستعمرة كيبك في كندا، وفي عام 1682م استطاع البحار الفرنسي لاسال الوصول إلى نهر الميسيسيبي وكان إنشاء مستعمرة لويزيانا مكونين إمبراطورية فرنسية في القارة الجديدة، وبعد أن تراجعت قوة الإمبراطوريات البرتغالية والإسبانية والهولندية في جنوب شرق آسيا، اتجهت فرنسا إلى الهند وأقامت مراكز تجارية واتخذتها نقاطا للتوغل في الهند.
4- الكشوف الهولندية:
بعد القضاء على قوة البرتغال على يد إسبانيا انقضت هولندا على أملاك البرتغال في الهند والهند الشرقية وأقامت مستعمرات ساحلية على ساحل غانة واستطاع الهولنديون كشف ساحل شمال أستراليا، وفي العالم الجديد عملت شركة الهند الغربية الهولندية على زيادة مساحة الأراضي الهولندية في أمريكا الجنوبية، وأبر ما يسجل عن الاستعمار الهولندي ما يلي:
- كانت بداية الاستعمار الهولندي من تذمر التجار الهولنديين من احتكار تجار البرتغال للتوابل لكن بعد أن تأسست شركة الهند الشرقية 1602م، انتقلت تجارة الهند الشرقية إلى هولندا
- قامت السياسة الاقتصادية الهولندية في المستعمرات على تحقيق أكبر قدر من المنفعة الاقتصادية لهولندا باستغلال أهالي المستعمرات.
5- الكشوف البريطانية:
كان دخول إنجلترا مضمار حركة الكشوف الجغرافية في العصر الحديث متأخرا، فقبل القرن السابع عشر الميلادي استغلت إنجلترا موقعها المنفصل عن القارة ولجأت إلى القرصنة البحرية فكانت تعترض السفن الإسبانية القادمة من العالم الجديد قاصدة إسبانيا محملة بالمعادن النفيسة، فكان دخول إنجلترا في صراع ضد إسبانيا ما نتج عنه تحطيم أسطول هذه الأخيرة، كما أوجدت إنجلترا كلا من هولندا وفرنسا وهو ما أدى إلى تحول ممتلكات هتين الدولتين إلى إنجلترا فتأسست في إنجلترا سنة 1606م شركتان ملاحيتان هما شركة لندن وشركة بليموت ( London Company and Plymouth Company) لتقوم الشركتان بالاستيلاء على الشاطئ الأمريكي وتأسيس مستعمرات إنجليزية وما يسجل عن الاستعمار الإنجليزي ما يلي:
- اضطهد الإنجليز السكان الأصليين وعملوا على إبادتهم.
- استجلب المستوطنون الإنجليز الرقيق لاستخدامهم في الزراعة والصناعة.
-نتائج وآثار حركة الكشوف الجغرافية:
لقد نتج عن قيام حركة الكشف الجغرافي هذه أن انتقلت الزعامة التجارية من حوض البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي. وأصبحت التجارة بيد دول أوروبا الغربية، ودبت حياة جديدة في موانئ البرتغال والأسبان التجارية، ونظمت خطوط ملاحية للتجارة عبر المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، وقد أطلق على هذه الحركة التجارية الجديدة باسم (الثورة التجارية – The commercial Revolution ) وقد تدفقت السلع والبضائع الشرقية إلى موانئ أوروبا الغربية بكميات كبيرة جدا، كما أغرقت أوروبا بمنتجاتها الصناعية أسواق البلاد المكتشفة، وهذا بدوره أدى إلى تقوية غرب أوروبا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. وقد أخذت تتدفق هجرات أوروبية من غرب أوروبا إلى البلاد المكتشفة حديثا.
كما أن حركة الكشف الجغرافي الأوروبي كانت قد أوجدت جوا من التوتر والمنافسة بين الدول المكتشفة. وهذا بدوره أدى إلى نمو الأطماع الاستعمارية بين الدول الأوروبية، وشاعت روح الاستيلاء والسيطرة عن دول أوروبا الغربية من أجل زيادة الأراضي المكتشفة ومن أجل الاستفادة الكاملة من كل مورد من موارد البلاد المكتشفة. ظهرت نظرة استعمارية أوروبية للشعوب التي اكتشفوا بلادها، فظهرت التفرقة العنصرية وظهرت حركة تبيح تملك الأوروبي للأراضي في البلاد المكتشفة، وأن أبناء هذه البلاد يجب أن يكونوا تحت إرادتها وسيطرة الرجل الأبيض. وقد حدثت ثورة كبيرة في تغيير المعلومات الجغرافية التي كانت سائدة قبل الكشوف الجغرافية، كما اتسع مجال البحوث التاريخية فأصبحت تمتد بحيث أخذت تشمل معلومات جديدة عن البلاد المكتشفة، وزادت أوروبا في إرسال الإرساليات الدينية، وزادت مراكز التبشير بالدين المسيحي في أمريكا الجنوبية والوسطى والشمالية وكندا وبلاد الشرق. كما أن تجارة المعادن من الفضة والذهب قد زادت و راجت في موانئ إسبانيا والبرتغال، وسمي القرن السادس عشر الميلادي في أوروبا (بعصر الفضة ) ففي عهد فيليب الثاني (1556-1598م) تدفقت الفضة على الموانئ الإسبانية خاصة بعد اكتشاف موانئ الفضة في (بوتوسي- Potosi) في بوليفيا 1545م.
وقد أدى هذا التقدم الاقتصادي ارتفاع في الأسعار وارتفاع في مستوى الحياة بين أفراد الطبقة الوسطى في أوروبا، وهذا الوضع الاقتصادي أدى إلى تقوية مركز هذه الطبقة ضد الإقطاع. كما أن ارتفاع مستوى تكاليف المعيشة في أوربا قد أدى إلى تعاسة الطبقة الفقيرة فيها.
هذا ودخلت إلى أوربا محاصيل جديدة كالبطاطا والكاكاو والتبغ والذرة، وغدت هذه المحاصيل من ضروريات الحياة في أوربا بعد أن كانت تعتبر من الكماليات ، وأصبحت عنصرا هاما في القطاع التجاري العام.
وبهذا يمكن القول أن حركة الكشف الجغرافي الأوربي حركة دينية سياسية علمية تجارية في آن واحد أحدثت انقلابا كبيرا في أحوال أوروبا الغربية وأفكارها وفي أحوال البلاد المكتشفة التي عمتها حركات ثورية وطنية عارمة ضد المستعمرين الأوروبيين خاصة في مناطق الشرق.
المراجع:
عبد الحميد البطريق وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوربي الحديث من عصر النهضة إلى أواخر القرن الثامن عشر، دار الفكر العربي، مصر، 1997م.
صلاح احمد هريدي وآخرون ، التاريخ الأوروبي الحديث،مكتبة بستان المعرفة،الإسكندرية، 2008م
عبد الفتاح أبوعليه واسماعيل أحمد ياغي، تاريخ أوربا الحديث المعاصر، دار المريخ، الرياض، ط3، 1993م.