المحاضرة الثانية: علاقة علم السكان بالعلوم الأخرى

تمهيد:

يتمتع علم السكان بروابط مع جل العلوم الاجتماعية، والتي تتقاطع جميعها عند محاولة فهم مقدار التغير الطارئ على الظاهرة السكانية )وفاة، هجرة، خصوبة، التركيب السكاني ..( واتجاهاته، وذلك تحت ضغط مجموعة الظروف والمتغيرات التي تحيط به في حياته اليومية، كالجماعة والمكان والإنسان والعادات والتقاليد والدين، ..

علاقة علم السكان بعلم الاجتماع:

موضوع دراسة علم الاجتماع هو المجتمع من حيث بنائه وتغيره، وحيث أن السكان يشكلون العنصر الأساسي في المجتمع، فإنهم بالتالي يدخلون في دائرة اهتمام علم الاجتماع.

يعتمد علم الاجتماع في تحليله للظواهر الاجتماعية على المعطيات الديمغرافية والمتغيرات السكانية، )الأسرة والمدينة، والجماعات والأقليات والطبقات الاجتماعية،...(

استفاد علم السكان من علم الاجتماع، حيث حرص على توفير الشروط النظرية والمنهجية لعلم اجتماع السكان، وتثبيت دعائم استقلاله وتميزه، من خلال توفير القضايا الامبريقية عن المتغيرات السكانية والاجتماعية، وتمكينه من الاستعانة بمناهج وأدوات البحث الاجتماعي في دراسته للظواهر السكانية.

علاقة علم السكان بعلم النفس:

لجأ كينز في تفسيره للعوامل المتحكمة في تحديد الطلب على الاستهلاك والطلب على الاستثمار إلى التحليل النفسي لسلوك المستهلكين والرأسماليين، "أن الناس يميلون إلى زيادة استهلاكهم كلما تزايد حظهم"، وهو القانون الذي رأى انه له صلاحية مطلقة باعتباره متصل بالطبيعة الإنسانية. وأبدى العديد من علماء النفس في السنوات الأخيرة، اهتمام متزايد بمعالجة عدد من المواضيع ذات الارتباط الوثيق بالسلوك الديمغرافي، من بينها عمليات تحديد النسل، وذلك رغم كونها مسالة ديمغرافية بحتة، حيث حاول الكثير من المهتمين والدارسين لهذا التخصص، معرفة الدوافع التي تصنع الفوارق في استجابات الأفراد، فتدفع البعض إلى كثرة الإنجاب وبعضهم الآخر إلى قلته.

 

علاقة الديمغرافيا بالانثروبولوجيا:

الانثروبولوجيا الطبيعية تدرس المواصفات الطبيعية للإنسان، والانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية تهتم بوصفه ظاهرة اجتماعية، لها نمط معين بالمعيشة والسلوك والعقائد والتقاليد. وهي المعطيات التي بات يستفيد منها علماء السكان في بعض دراساتهم، ولا سيما ما تعلق منها بالبحث في الأصول السلالية والثقافية لسكان مجتمعات معينة، ولقد تولد عن ذلك ما يعرف بتمييز العنصر والتفاوت في الخصائص النوعية لبعض السكان دون غيرهم، ومن أمثلة ذلك الجهود التي بذلها العلماء لدراسة التغيرات النوعية والسلالية التي تطرأ على السكان تحت تأثير الهجرة والانعزال، وقسم بعضهم سكان العالم على أساس دوائر ومناطق ثقافية واثن ولوجية، كما حاولوا إثبات وجود علاقات أساسية بين هذه الأجناس، تساعد على معرفة الثقافة الأصلية والحياة الفكرية الأولى لأقدم السلالات، والعلاقة الزمانية بين الثقافات بين السكان في مختلف القارات.

علاقة علم السكان بالعلوم السياسية:

تلعب المتغيرات السياسية دور بالغ الأهمية في تشكيل الأحداث الديمغرافية، وعلى سبيل المثال صدر في اليابان عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، قانون يبيح بل ويشجع على عمليات العقم والإجهاض، وقد أدى ذلك إلى انخفاض المواليد، وكذلك الصين اليوم، بمنح كل أسرة الحق بإنجاب طفل واحد، مع إمكانية تمديد هذا الحق إلى طفل ثان إذا كان الطفل الأول بنت، إلى تغير جذري في التركيب السكاني للمجتمع الصيني، كما أن القوانين المتعلقة بعملية الهجرة )منع/ترخيص( والمتبعة في الكثير من الدول، تؤثر على عدد السكان وتوزيعهم بطريقة ملحوظة سواء كانت هذه الهجرة داخل البلد فقط أو إلى خارجها.

علاقة الديمغرافيا بالعلوم الاقتصادية:

العلاقة بين الاقتصاد والديمغرافيا ذات طابع أزلي، ذات تأثير متبادل، ففي حين يحدد تطور الاقتصاد طبيعة السمات الأساسية للنمو السكاني وتركيبه، فان حجم السكان وتركيبهم يؤثران أيضا في وتيرة النمو الاقتصادي ومستوياته ونوعية الخيارات الواجب اعتمادها.

وهو ما جعله محط اهتمام الحكومات، لتحقيق الرفاه الاقتصادي، عن طريق دراسة العلاقة بين حجم السكان والموارد الطبيعية والإنتاج ومدى كفايته، ومن شواهد ذلك:

تأثير المتغيرات الاقتصادية على معدل الحراك السكاني )الهجرة(، إذ انه في أوقات الكساد تقل الهجرة إلى داخل البلاد، وفي أوقات الانتعاش الاقتصادي فإنها تزيد.

الأحوال الاقتصادية تؤثر في الخصوبة، وارجع العلماء ذلك إلى أن الأوضاع الاقتصادية السيئة قد دفعت الشباب للإحجام عن الزواج.

كما يستوجب لمعرفة المتطلبات المالية لسياسة التامين الاجتماعي في المستقبل، أن نعرف التركيب العمري للسكان في المستقبل. نتج عنه قيام حقلين معرفيين:

اقتصاد السكان: الأسس والمبادئ المنهجية الخاصة ببحث العلاقة بين تطور السكان وتطور المجتمع في جوانبه الاقتصادية، معتمدا على المبادئ والقواعد المنهجية للاقتصاد السياسي.

بالديمغرافيا الاقتصادية: ويتناول تأثير الجوانب الاقتصادية في عملية إعادة النتاج، معتمد في تحليلها على المبادئ المنهجية والمقولات المحددة في علم اقتصاد السكان.

علاقة الديمغرافيا بالايكولوجيا:

ترتبط الايكولوجيا الاجتماعية ارتباط قوي بقضية السكان، ودلك لان الزيادة السكانية المتسارعة لها دور كبير في فهم الكثير من المشاكل الايكولوجية المطروحة، إذ أن تلك الزيادة السكانية ترفع من استنزاف الموارد، وتزيد من حدة الصراع على مساحان الأراضي المزروعة، كما تتسبب في ارتفاع معدلات التلوث، جراء التضخم المسجل في حجم النفايات المنزلية، وتزايد استخدام وسائل النقل مما يؤدي لتصاعد حجم التلوث الهوائي .

علاقة الديمغرافيا بالجغرافيا:

تنقسم الجغرافيا اصطلاحا إلى حقلين معرفيين: الجغرافيا الطبيعية والتي تركز جل اهتمامها على دراسة مظاهر سطح الأرض الطبيعية، كالسلاسل الجبلية والأنهار، .. والجغرافيا البشرية أو جغرافيا السكان كما يسميها البعض، والتي ظهرت في القرن 20 مع توسع اهتمام الجغرافيا إلى العنصر البشري ونشاطاته ومظاهر ذلك على سطح الأرض، حيث باتت تهتم بحسب الجغرافي الانجليزي كلارك، بتحليل التباين والاختلافات المكانية لتوزيع وتركيب وهجرة ونمو السكان وعلاقتها بالبيئة الطبيعية.

كما تعد دراسة الهجرة السكانية من ابرز ملامح الارتباط بين العلمين، وذلك لان الهجرة ظاهرة ديمغرافية تتحكم فيها مجموعة متنوعة من العوامل، والتي تتطلب في قراءتها واستشعار أهميتها أساسا إحصائيا توفره الديمغرافيا،

وفي تحليلها أساسا جغرافيا تفسر من خلاله أسباب الوفود ودوافع النزوح. كما تعني العلاقة القائمة بين العلمين بدراسة مستقبل السكان وتخطيط مواردهم، عن طريق تحديد اتجاه النمو السكاني داخل رقعة إقليم ما، معتمدة في ذلك على دراسة الظروف التي تؤدي إلى توفر عوامل الجذب والطرد به.

علاقة الديمغرافيا بالطب:

حرص فريق من العلماء على دراسة السكان من النواحي الصحية، فعمدوا إلى بحث نسبة الأمراض المتوطنة، ونسبة الوفيات والمواليد ومتوسط العمر والقوة والحيوية، وربط هذه الأمور وما إليها بالظروف والأحوال البيئية الطبيعية وبالنظام والتغذية، ومدى كفايتها للتعويض عن الجهود المبذولة أو صلاحيتها للنمو الصحي، كما يفسرها في ضوء الحالة الثقافية الاقتصادية بالنسبة للمستويات الاجتماعية المتباينة، وغيرها من العوامل التي لها صلة مباشرة بالحالة الصحية.

فبعض البيئات الجغرافية، تزداد فيها نسبة الأمراض المتوطنة وتكثر نسبة الوفيات بين المواليد. وفي بعض البيئات الريفية حيث تتوزع التكتلات البشرية، لا تكون فرص العدوى الوبائية بمثل الحال في البيئات الصناعية، التي يشتد فيها تركز السكان على نحو يزيد من احتمالات انتقال العدوى بنسبة اكبر.

علاقة الديمغرافيا بعلم الأحياء:

كثيرا ما يهتم الديمغرافي بالتغيرات البيولوجية التي تطرأ على جسم الإنسان، وبكل ما يتعلق بالنواحي الفسيولوجية والتشريحية له، حيث تعتبر المعطيات المتعلقة بالخصوبة والوفاة من أهم المتغيرات التي يهتم بها الديمغرافي عادة. فبالنسبة للأولى مثلا، نجد أن الكثير من العلماء ابدوا اهتمام بالغ بتتبع مستويات الخصوبة )الممكنة منها أو الفعلية(، وعوامل اختلاف نسبتها من مجتمع إلى آخر، وكذا اختلافها بين مكونات المجتمع الواحد. أما الوفاة، فقدحظيت بقسط وافر من اهتمام علم البيولوجيا، لارتباط الوفاة بالمتغيرات البيولوجية، مثلا كما تخضع سياسة تحديد النسل كثيرا لاختبارات بيولوجية هامة والتي تتعلق أساسا باستئصال الرحم، الإجهاض، شيوع كثرة استعمال أدوات منع الحمل.

 

 

 

علاقتها بعلم التغذية:

تتصل الدراسات السكانية ببحوث التغذية اتصالا وثيقا، إذ نجد من علماء السكان من يتخذ من سوء التغذية أو قوتها أو وفرتها مقياسا للكثافة السكانية، فحين تسوء التغذية يكون ذلك في الغالب عاملا من عوامل الزيادة السكانية، إلى جانب ما يحتمل أن يكون من تنظيم اجتماعي تدريجي، يرتكز على سوء التغذية وعدم تحقق العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يترتب عليه أن يكون الاستهلاك الغذائي لبعض الطبقات، دون ما يحتاج إليه الفرد للاحتفاظ بمستوى صحي ملائم. وهذا هو السر وراء انتشار أمراض مثل البلاجرا الناجمة عن سوء التغذية، والعكس كذلك إذا ما كانت التغذية ملائمة، فانه في هذه الحالة سوف يتخذ مظهرا من مظاهر اقتراب حجم السكان من حده الأمثل، والذي يسمح بتحقيق الرفاهية لسكانه، وما يقال عن التغذية ينجر أيضا عن الخدمات الصحية والثقافية والرعاية الصحية.__

آخر تعديل: الأحد، 26 يناير 2025، 10:22 PM