المحاضرة الأولى: السياق التاريخي لتطور الديمغرافيا

تمهيد:

سمح التزايد السكاني المتسارع الذي يشهده العالم المعاصر من تعاظم أهمية الدراسات السكانية، وتوسع

نطاق البحث فيها في شتى أقطار المعمورة، وذلك لما لها اثر مباشر في الكثير من المتغيرات الدولية منها والمحلية.

1  - الاشتقاق اللفظي:

 -  أطلق عليه البعض مسمى الإحصاء الحيوي.

-  سماه إميل دوركايم المورفولوجيا الاجتماعية، دلالة على دراسة السكان وأحوالهم من منظور اجتماعي. قبل أن يستقر به المطاف في الأخير عند مصطلح الديمغرافيا.

- أول من استخدم مصطلح ديمغرافيا "اشيل غيار" " GUILLARD ASIL " في كتابه "مبادئ الإحصاء البشري أو الديمغرافيا المقارنة" 1855 .

- اشتقه من لفظتين يونانيتين، DEMOS وتعني الناس أو السكان، و graphy بمعنى العلم أو الدراسة الوصفية، لتصبح العبارة تعني العلم المهتم بوصف السكان ودراساتهم دراسة إحصائية.

2  - تعريف الديمغرافيا:

1 . أسيل غيار: "تمثل التاريخ الطبيعي والاجتماعي للجنس البشري، وهو بالمعنى الضيق الدراسة الرياضية للسكان من حيث تحركاتهم العامة وأحوالهم الفيزيقية والحضارية والفكرية والأخلاقية.

2 . الأمريكي "ويلكوكس" wellcox : دراسة الظواهر ذات الصلة بالسكان، مثل المواليد والوفيات والهجرة، وكذلك دراسة العوامل التي تؤثر في هذه الظواهر.

ويمكن في إطاره تعريفها "تدرس حجم السكان وتوزيعهم وتركيبهم وتغيراتهم"، حيث:

حجم السكان: عدد الوحدات أو الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع.

التوزيع: يشير إلى ترتيب السكان من حيث المكان والزمان، ويندرج ضمن هذا التوزيع مثلا سكان الأرياف والمدن خلال فترة زمنية محددة.

التركيب: ويعني بعض الخصائص الديمغرافية كالسن، الجنس، الحالة الزواجية ..

التغير: ويدل سواء على الزيادة أو النقصان الحاصل في مجموع من السكان، أو احد العناصر المكونة له، وذلك عن طريق الولادات، الوفيات أو الهجرة.

3  - عوامل تطور علم السكان:

أ. الانفجار السكاني:

ظل النمو السكاني طيلة العهود الماضية يتسم بطابع دوري، يمر فيه معدل النمو بدورات ارتفاع وانخفاض على مستوى العالم كله، وهو ما جعل خط النمو السكاني ثابتا عند نفس المستوى تقريبا، غير أن الذي حدث مند منتصف القرن التاسع عشر سمح بتحقيق قفزة نوعية في عدد السكان:

قبل حوالي 2000 سنة: حوالي 250 مليون نسمة.

بعد 1600 سنة تضاعف فاصبح 500 مليون نسمة )القرن 17 .)

بعد 200 سنة تضاعف العدد الى 01 مليار نسمة )سنة 1800 .)

بعد 130 سنة: تضاعف العدد الى 02 مليار نسمة )سنة 1930 .)

بعد 44 سنة فقط: تضاعف العدد الى 04 مليار نسمة )سنة 1974 .)

الوقت الحالي عدد السكان حوالي 08 مليار نسمة )سنة 2019 .)

ب. تقدم البحث في علم الإحصاء: التوسع المسجل في مجال استخدام المسوح الميدانية والتطور في مناهج وتقنيات البحث والتحليل والاعتماد عليها للتنبؤ واتخاذ القرارات.

ج. التطور العلمي والتكنولوجي: أتاح التطور الهائل في مجال العلوم الطبية منذ مطلع القرن السابع عشر، وما صاحب ذلك من تطور مماثل في مجال العلوم الصيدلانية، من القضاء على الكثير من الأمراض والأوبئة، نتج عنه انخفاض في معدلات الوفيات، وتحسن مستويات الرعاية الصحية المقدمة.

د. نشأة هيأت دولية متخصصة: هناك الكثير من المؤسسات الدولية المختصة، سواء تلك التي كانت ترعاها منظمة الأمم المتحدة كالمكتب الإحصائي للأمم المتحدة، منظمة الصحة العالمية، منظمة الأمم المتحدة للسكان.

السياق التاريخي لتطور الديمغرافيا

المرحلة الأولى: الحضارات القديمة.

لدى الصينيين:

اهتموا بمحاولة تحقيق التوازن الأمثل بين الأرض والسكان. مثل ما جاءت بها كتابات "كونفوشيوس" وعدد من الفلاسفة، وبحثهم عن الحد الأمثل للسكان ومعوقات نموهم:

- الوفيات تزداد نتيجة قلة الغذاء.

- الزواج المبكر يقود إلى ارتفاع معدلات وفيات الأطفال.

- الحروب تحد من نمو السكان.

- تكاليف مراسيم الزواج الباهظة تقلل معدلات الإقبال على الزواج.

لدى اليونانيين:

اجمع الفلاسفة اليونان في الدعوة إلى ضرورة تحقيق حجم سكاني ثابت، للمحافظة على الأمن والنظام في المدينة واهتموا بمشكلة حجم السكان من ناحية الدفاع والأمن أكثر من اهتمامهم بعلاقة السكان بالنواحي الاقتصادية.

فأفلاطون يقول انه على الحكام أن يثبتوا عدد السكان عند حد امثل، على أن يعوضوا ما فقد من أقرانهم من جراء الأمراض أو الحروب، عن طريق تنظيم عقود الزواج. واقترح أن يكون عدد سكان المدينة في حدود 5040 ،فان زاد فمن الضروري تحديد النسل، وتنظم الهجرة، وإذا انخفض فالواجب تشجيع الزواج وتأسيس دوائر تعمل على منح الجنسية للمهاجرين كآخر إجراء.

أما أرسطو فقد كان يرى أن أفضل حجم مناسب للمدينة هو أن تضم اكبر عدد ممكن من السكان، بحيث تستطيع توفير الحاجات الضرورية لهم، واذا كانت الزيادة كبيرة فهناك عوامل تسهم في منعها: كرمي الأطفال في العراء والإجهاض.

لدى الرومان:

كانوا أكثر اهتماما بفوائد السكان العسكرية أكثر من أي شيء آخر، لذلك فقد اظهر الكتاب وفلاسفة الرومان اهتمام بالغ بزيادة السكان، ورفضهم للعزوبية، ونظرتهم للزواج باعتباره أساس النسل، فقد كانت تشريعاتهم تحث على ذلك، فأعطت امتيازات خاصة للمتزوجين وإنجاب الأطفال وحجبتها عن العزاب.

في الحضارة العربية الإسلامية:

ابرز من تكلم على الظاهرة السكانية هو ابن خلدون:

- الزيادة السكانية عامل مساعد على رفع مستوى المعيشة، لأنها تسمح بزيادة تقسيم العمل وتنوع المهن، وشعور بالأمن عسكريا وسياسيا وبها يتطور العلم.

- التغير في حجم السكان يواكب التقلبات الاقتصادية، فالرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي يؤديان إلى الزيادة، لارتفاع المواليد وقلة الوفيات، وميل الناس إلى حياة البذخ.

في عهد ضعف الدولة يضطر الحكام إلى فرض الضرائب العالية، فيكون ذلك بادرة التدهور السياسي -والكساد الاقتصادي وقلة السكان.

المرحلة الثانية: عصر التنوير.

جون جرانت "انجليزي"، أول من حاول القيام بأبحاث منظمة في مجال الديمغرافيا، في كتابه ، "ملاحظات

طبيعية وسياسية حول قوائم الوفيات" 1662 ، حدد فيها أسباب الوفيات، وأدرك مدى تأثر الولادات بالعوامل الاجتماعية، والوضع الاقتصادي السائد.

ويليام بيتي william petty "الانجليزي"، كتابه "الحساب السياسي" 1690 ، أكد على أهمية

المقاييس الإحصائية في حل مشاكل الاقتصاد، وتوجيه السياسات الحكومية. اهتم بالتنبؤ السكاني، واقتصاديات التحضر، تركيب السكان، القوى العاملة ..ابرز أهمية الفوائد المالية والإدارية لكثرة السكان، فقلة السكان هي الفقر الحقيقي.

جوهان سوسملش johann sussmilsh "الماني": المؤسس الثاني للديمغرافيا، صاحب أول بحث شامل عن السكان "النظام الإلهي" درس نمط تغير التركيب الجنسي مع تطور العمر، وقام بعدة حسابات لمعدلات الولادة والوفاة والزواج.

أدولف كيتليه بلجيكي: "الفيزياء الاجتماعية" درس الظواهر الاجتماعية الإدارية القابلة للإحصاء سواء كانت سوية كالولادات والوفيات والزواج والهجرة أم غير سوية كالإجرام والانتحار في مختلف الظروف والأحوال، والغاية منها الوصول إلى الكشف عن القوانين الخاضعة لها في زيادتها أو نقصانها وفي تأثرها بمختلف العوامل الاجتماعية.

المرحلة الثالثة: مطلع القرن العشرين:

بدأت تتشكل في فرنسا معالم مدرسة في علم السكان، من خلال أعمال مجموعة من الباحثين خاصة عند تحسن الوضع بعد الحرب العالمية 2 ، تحت تأثير ظاهرتين متعارضتين عملتا في نفس الاتجاه:

- وهما الفقر السكاني في فرنسا وتقدم المجتمع نحو الشيخوخة والانقراض منذ 1939 .

- التزايد السكاني المفرط في الدول النامية.

أهمية الديمغرافيا:

تسليط الضوء على المجتمع البشري كالعمر، الجنس، المهنة، الدين، التعليم، الحالة الزواجية، اللغة، محل

الولادة ..، باعتبار أن وصف السكان هو في الوقت ذاته وصف النظام الاجتماعي.

التنبؤ والتوقع بمعدلات النمو السكاني القصير والمتوسط، وما سيطرأ عليهم من تغيرات في المستقبل.

معرفة وتقدير حاجيات المجتمع المادية كالصحة، التعليم، قوة العمل.

مؤشر على مستوى الرفاه الاجتماعي، أو الفقر المدقع.

تمكن من معرفة عدد السكان النشيطين وغير النشيطين، وتوزيع القوى العاملة على مختلف الأنشطة الاقتصادية كالزراعة، الصناعة، التجارة.__