Topic outline

    • الدرس الأولى

      تعريف الجمال

      كلمة الجمال أصلها يوناني، ويُقصد بها العلم المتعلِّق بالإحساس أو علم التعرّف على الأشياء من خلال الحواس، ويعرف باسم (الإستاطيقا ) وكذلك باسم فلسفة الفن، وقد عَرَّف هربرت ريد الجمال بأنه وحدة العلاقات الشكليَّة بين الأشياء التي تدركها حواسنا، ومن التعريفات الجميلة حول الجمال ما قاله هيجل عنه بأنه الجنّي الأنيس الذي نصادفه في كل مكان، وقديماً كان الجمال أحد فروع الفلسفة، إلى أن جاء الفيلسوف بومجارتن، وفرّق بين علم الجمال وباقي المعارف. تاريخ علم الجمال إنَّ فلسفة الجمال قديماَ ارتبطت بنظريّات الكون والإلهيّات، إلا أنّها اقتربت من نظريات المعرفة والأخلاق عبر التاريخ. إن فلسفة الفن والجمال نشأت بنشوء الفلسفة مع فلاسفتها القدماء من اليونان، وهي لا تنفصل عنها؛ إذ تستمدُّ أُصولها من المذاهب الفلسفية، ويُعتبر علم الجمال هو علمٌ حديث النشأة، إذ انبثق بعد تاريخ طويل من الفكر التأمليِّ الفلسفيِّ، أي إنّه يُعدّ علماً قديماً حديثاً، فلم يكن اليونانيون يعرفونه لذاته ، لكنَّهم اهتمّوا به من حيث أنّه دالٌ على الخير والحقيقة.

       نظريات الجمال عند الفلاسفة

       النظرية الفيثاغورية:

       إن الفيثاغورية فلسفة تُفرِّق بين مستوى الوجود معقول الوجود، ومستوى الوجود المحسوس، وتقول بثنائيَّة النَّفس والجسم، ووضعت متقابلاتٍ عشرٍ، من الأمثلة عليها الخير والشر؛ أي إنّها صاغت الأفكار الفلسفيَّة بصيغةٍ رياضيةٍ. نظرية الجمال عند جورجياس: نظرية جورجياس قائمةٌ على دور الجمال الفنّيِّ المؤثرِ على إحساس الإنسان؛ إذ تُقدّم الفنون للنفس البشريَّة لذّةً حسيَّةً؛ ذلك لأنّ فِكرتَه تستند على الوهم وتستقلّ عن الحقيقة، ومثال ذلك أسطورة بجماليون الذّي كان يكره النساء، فصنع تمثالاً من العاج لامرأةٍ جميلةٍ ووقع في عشق التمثال، وكان جورجياس يقول باستحالة إثبات الوجود واللاوجود معاً؛ فانتهى من إنكاره للوجود إلى إنكاره للمعرفة بالحقيقة. نظريّة الجمال عند سقراط: إنّ سقراط لا يأبه بالجمال الحسّي بقدر اهتمامه بجمال النّفس والأخلاق؛ فالجمال لديه هو ما يُحقّق النفع والفائدة الأخلاقيِّة ويخدم الحياة الإنسانيّة، وهو يعتبر أمر ارتباط الجمال باللَّذة الحسية كما في نظرية جورجياس انحلالاً خُلقياً وتدهوراً فنياً؛ فالحُكم على الجمال مرجعه الذات العاقلة والضمير الباطن. نظريّة الجمال عند أفلاطون: يمكن اختصار الجمال لدى أفلاطون بأنه ربطهُ بالحُبِّ الإلهيِّ، ذلك لأنّ موضوع الحب هو الجمال بالذات، ويرى أنّ الفنون تأخذ جمالها من محاكاتها للطبيعة، وإن كانت هذه المحاكاة ناقصةً باعتبارها محاولةُ وصولٍ إلى العالم المثاليِّ.

    • الدرس الثاني

      الفن:

      يحتل الفن جزء هام من المعرفة البشرية بحيث لا يمكن الفصل بين الإنسان والفن، ويعد الفن من الوسائل المهمة للتعبير عن حاجات الإنسان واهتماماته الروحية والنفسية، كما انه يعبر عن غايات جمالية منها ما ترتبط بجمال الحقيقة الإلهية، المتمثل بالجمال المطلق، والتي من خلالها يجسد الفن أسمى الغايات عبر التسامي والارتقاء بالواقع المادي والحسي، إلى ما هو روحي، ويتم ذلك عبر البصيرة النافذة للفنان والغور في أعماق ذلك الواقع للكشف عن ماهيات الأشياء وجوهرها الحقيقي . ويعد الفن الإسلامي ثمرة فنون العالم القديم، ووليد رؤية إلى الوجود والكون والحقيقة، والتي تعتبر جزء من رؤية إسلامية اشمل وأكمل، والتي هي بدورها نموذجا خاصا ومتميزا هي الرؤية الدينية، رؤية الإنسان الأكمل للوجود، والتي ينبعث منها وعي بالقدسية والمعنى .

      فالإسلام كمعتقد ديني له تقاليده ومعالمه التي لها الفضل في خلق الفن الإسلامي، لما له من أبعاد وجوانب وتوجهات روحية تتعالى نحو عالم الحق، الأمر الذي جعل من الفنان المسلم ان يخلق نتاجات تتوسم تلك التوجهات، وتطفح بالروحي الذي يتسامى تمظهرات عالم الحس، وبعيدا عن محاكاة مباشرة للواقع، وبالتالي فالعقيدة الدينية ألزمت في روحية الإنسان (الفنان) تحوير الواقع بكل معالمه والابتعاد عن التشبيه بالشيء، والأخذ بالتجريد وصولا إلى ماهية أشياء الواقع وغاياتها .

      ان الارتقاء بالعالم المادي إنما يتم من خلال تجربة روحية متعالية، تتمثل بتجربة الذات الإنسانية عبر مجاهدات روحية، وذوقية من خلال استبصار ما وراء عالم الواقع من جهة، والوصول إلى الحقيقة الكامنة خلف ذلك الواقع من جهة أخرى، الذي يفضي إلى الوصول إلى الذات الإلهية والتماهي فيها . وغالباً ما ترتبط التجربة الروحية للفنان بالمعتقدات الدينية (الطقوس والعبادات) ؛ بوصف ان هذه المعتقدات لها غايات لا متناهية ومطلقة، بعيدة عن الحدود الزمكانية للعالم المتناهي والمادي الزائل، فيعمل الفنان بذلك من خلال رؤيته الباطنية الروحية إلى تجسيد موضوعه، للوصول إلى تلك الغايات، فالحاجة الكلية للفن هي حاجة الإنسان العقلية ليرفع العالم الباطني والخارجي إلى وعيه الروحي في شيء يتبين فيه نفسه من جديد .

      ويمثل الفن الإسلامي كل ما هو روحي، فهو ثمرة الرؤية الروحية للعالم والوجود والحقيقة، إذ يعبر عن الفكرة المطلقة التي تعد محور الكون، وبذلك يعبر عن الجمال اللامتناهي والمطلق، الذي هو أصل الموجودات ومصدرها، فالفنان المسلم يسعى إلى المعاني الكامنة وراء الأشياء حيث المعنى الإلهي، ولذلك فان هدف الفنان من الفن ليس غرضاً نفعياً مادياً وإنما ممارسة الكشف، وتوسم التقوى والتقرب من الله  . لذلك تبلورت فكرة التجريد لدى الفنان المسلم، كما في فن الرقش على سبيل المثال وليس الحصر، إذ ترتقي فيه الأشكال فوق ما هو حسي من خلال التكرار والتتابع والتنوع والحركة .

      ومما لا شك فيه أن الفن الإسلامي تعددت أساليبه وتقنياته، وغدت نتاجاته تتوسم كل ما هو تجريدي خالص تتجاوز المحاكاتية التسجيلية، إذ تعد ذات محمولات بضرورة داخلية وطاقة روحية ترتبط بمرجعيات وتأثيرات دينية وتوجهات إسلامية، والتي تشكل حيزاً من خبرة الفنان المسلم بتشظياتها الروحية وانعكاساتها على مكونات وموضوعات سطحه التصويري، وهي مكونات وموضوعات تبحث في الماهيات وتتجاوز الحيثيات والمسميات التسجيلية إلى ما ورائها والوصول إلى خطاب بصري جمالي يتسم باللامحدود من خلال تجاوز شيئيته الضيقة ؛ بوصف ان هذا الفن ليس مرآة تعكس العالم المرئي، بل يحكمه منطق تشكيلي داخلي وتنظيم دقيق، وبهذا اكتشف الفنان المسلم المبدأ الجمالي الخاص، الذي يتجاوز به مظاهر العالم المرئي، واتخذت فيه الأشكال مواضعها تبعاً لمسوغات الجمال الحسي والروحي الخالص، وليس تبعاً لمسوغات المحاكاة الطبيعية .

      لذا هناك حاجة إلى التعرّف والكشف على الأبعاد الجمالية والروحية للفن الإسلامي ؛ بوصف ان تلك النتاجات تعبر عن ذاتية الفنان الفردية ذات المنحى الروحي والإحساس العالي بما هو مطلق، البعيد عن المحاكاة التسجيلية للواقع، وهذا ما يحيل الى وجود محمولات جمالية روحية تتوسم الفن الإسلامي وما ينشده في غاياته على مستوى المنظومات الإيقونية والرمزية والاشارية .

  • Topic 1

    • الدرس الثالث

      المذاهب الفنية:

      تعددت المذاهب الفنية في اروربا بعد انقضاء فترة الفن المسيحي الذي انتشر في القرون الوسطى فظهر فن النهضة العظيم في أائل القرن الخامس عشر وصاحب ذلك اعتزاز الفنان بفرديته بدلا من إن يكون ذائبا في مجتمع كبير ،، إلا أن التغيرات الدينية والسياسية والفكرية التي ظهرت في المجتمع خدمة الطبقة عام 1600 كان لها دور في ظهور فن الباروك الذي كان في خدمة الطبقة البروجوازية وطراز الروكوكو الذي ارتبط بالعائلات الحاكمة ، على إن طراز الروكوكو اختفي من فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789م وظهر بها طراز فني استمد من مقوماته الفنون الإغريقية الرومانية باسم الكلاسيكية العائدة . وتوالت الحركات الفنية في الغرب منذ مطلع القرن التاسع عشر فظهرت الرومانتية والطبيعية والواقعية .. ولأول مرة في تاريخ الفنون نجد إن الهجوم التشكيلي للفن يخضع لتأثير العلم والاكتشافات الحديثة حيث بدأ العلماء يبحثون في علاقة الضوء بالألوان كما اخترعت آلة التصوير الشمسي وساهمت هذه الأحداث في ازدهار المذهب التأثيري .. وما إن نصل إلى القرن العشرين حتى نقابل مذاهب جديدة من أهمها التكعيبية والوحشية والمستقبلية ..وعندما قامت الحرب العالمية الأولى أثرت الفوضى التي عمت البلاد في المجتمعات الإنسانية وانفعلت طائفة من الفنانين تبحث عن الشهرة بالأهوال والمآسي فضربوا بالقيم الجمالية التي ورثوها الفنان عن أجدادهم عرض الحائط وأخرجوا أعمالا شاذة تحارب الفن عرفت باسم - الدادا- واختتمت هذه الحركات المتعددة بحركتي السريالية والتجريدية وتهدف الأولى إلى الغوص في أعمال اللاشعور على حين تسعى الثانية إلى البحث في جمال الأشكال اللاموضوعية والهندسية .
      -:-:
      المدرسة الكلاسيكية :-:-:
      قبل أن نتحدث عن المدرسة الكلاسيكية في الفن يجدر بنا أن نتعرف على المعنى الذي يكمن خلف هذا المسمى (كلاسيكي ) ، لقد جرت العادة أن نطلق لفظ كلاسيكي على الشئ التقليدي أو القديم ، بل نطلق هذا اللفظ على الشخص الذي يتمسك بالنظم السابقة التقليدية دون تغيير أو إضافة . والحقيقة أن لفظ كلاسيكية هو مفردة يونانية وتعني ( الطراز الأول ) أو الممتاز أو المثل النموذجي ، حيث أعتمد اليونان في فنهم الأصول الجمالية المثالية ، فنرى في منحوتاتهم أشكالا للرجال أو النساء وقد اختاروا الكمال الجسماني للرجال والجمالي المثالي في النساء ، فقد كانوا ينحتون أو يرسمون الأنسان في وضع مثالي ونسب مثالية ، لقد ظهر الرجل في أعمالهم الفنية وكانه عملاق أو بطل كمال جسماني ، وظهرت النساء وكأنهن ملكات جمال ، فالمفهوم الكلاسيكي كان عندهم هو الأفضل ، بل المثال والجودة ..
      وقبل أن تستخدم هذه الكلمة في القرن الثامن عشر كانت الكلاسيكية قد أنبعثت من جديد في إيطاليا ، في بداية القرن الخامس عشر ، إذا كانت إنذاك نهضة شاملة في كافة ميادين العلم شملت فن الرسم والنحت ، وقد تركز في تلك الفترة الأهتمام بالأصوال الإغريقية في
      الفنون الجميلة ، ثم نادت مجموعة من الفنانين بإحياء التقاليد الإغريقية والرومانية ، والتي كانت أثارها في فن النحت والعمارة والتصوير تنتشر في إنحاء إيطاليا.
      ومن أشهر فناني هذه المدرسة الفنان المعروف (ليوناردو دافنشي) في فن التصوير والرسم و(مايكل أنجلوا) في فن النحت والعمارة وغيرهم ، وقد سميت فترة هؤلاء بفترة العصر الذهبي ، وإعتبرت أعلى المراحل الفنية في عصر النهضة ، وكان ذلك في القرن السادس عشر ، ومن أشهر أعمال الفنان ليوناردو دافنشي لوحة ( الجيوكندا) أو ما تسمى بالموناليزا ، أما أشهر اعمال مايكل أنجلوا فهو تمثال موسى .
      ..:-:-:
      المدرسة الواقعية :-:-:
      جاءت المدرسة الواقعية ردا على المدرسة الرومانسية ، فقد أعتقد أصحاب هذه المدرسة بضرورة معالجة الواقع برسم أشكال الواقع كما هي ، وتسليط الأضواء على جوانب هامة يريد الفنان إيصالها للجمهور بأسلوب يسجل الواقع بدقائقه دون غرابة أو نفور .
      فالمدرسة الواقعية ركزت على الاتجاه الموضوعي ، وجعلت المنطق الموضوعي أكثر أهمية من الذات فصور الرسام الحياة اليومية بصدق وأمانة ، دون أن يدخل ذاته في الموضوع ، بل يتجرد الرسام عن الموضوع في نقلة كما ينبغي أن يكون ، أنه يعالج مشاكل المجتمع من خلال حياته اليومية ، أنه يبشر بالحلول .

      لقد اختلفت الواقعية عن الرومانسية من حيث ذاتية الرسام ، إذ ترى الواقعية أن ذاتية الفنان يجب أن لا تطغى على الموضوع ، ولكن الرومانسية ترى خلاف ذلك ، إذ تعد العمل الفني إحساس الفنان الذاتي وطريقته الخاصة في نقل مشاعره للآخرين .
      أن المدرسة الواقعية هي مدرسة الشعب ، أي عامة الناس بمستوياتهم جميعا ، ويصفها عز الدين إسماعيل عندما يتحدث مقارنا فنانا رومانسيا بفنان واقعي قائلا : كان (ديلاكروا) وهو فنان رومانسي يرى أن على الفنان أن يصور الواقع نفسه من خلال رؤيته الذاتية في حين ذهب كوربيه وهو فنان واقعي إلى ضرورة تصوير الأشياء الواقعية القائمة في الوجود خارج الإنسان ، وأن يلتزم في هذا التصوير الموضوعية التي تنكمش أمامها الصفة الذاتية ، وان يستخدم في هذا التصوير أسلوباً واضحا دقيق الصياغة وأن يختار موضوعة من واقع الحياة اليومية ، فينفذ بذلك إلى حياة الجماهير ، يعالج مشكلاتهم ويبصر بالحلول ، ويجعل من عمله الفني على الإجمال وسيلة اتصال بالجماهير.
      ويعتبر الفنان كوربيه من أهم أعلام المدرسة الواقعية فقد صور العديد من اللوحات التي تعكس الواقع الاجتماعي في عصره ، حيث أنه أعتقد أن الواقعية هي الطريق الوحيد لخلاص أمته والجدير بالذكر أن الفنان كوربيه فنان فرنسي ريفي بدأ حياته بتصوير حياة الطبقات الغنية ثم سار على النهج الباروكي في الفن ، وهو فن أهتم بتصوير حياة الطبقات الغنية ، ثم سار على نهج الروامنسيين ، وفي عام 1848 م بدأ يفكر في ترك الحركة الرومانسية ، بعد أن أقتنع أنها هرب من الواقع ولجوء إلى الخيال والذاتية ، إذ يقول أنني لا أستطيع أن ارسم ملاكا ؛ لأنه لم يسبق لي أن شاهدته ).
      وعلى أية حال فقد صور الفنان كوربيه العديد من الأعمال الفنية ومن أشهرها لوحة ( المرسم ) ولوحة (الجناز ) وهي من أشهر أعماله إذ صور فيها كنازه لشخص وفي الجنازه صورة لكلب المتوفي ، وكانه يحس بالحزن ، وقد وقف مع المشيعين وكأنه يشيع صاحبه ، فالصورة تعكس واقعية صادقة لذلك المشهد 
      وكذلك يعد الفنان (كارفاجيو) فنانا واقعيا ، والجدير بالذكر أن الفنان (كارفاجيو) إيطالي الجنسية ، ظهر في القرن السادس عشر ، في فترة سابقة لعصر كوربيه ، ومن أشهر لوحاته (العشاء ) ويشاهد بها مجموعة من الأشخاص ، وقد أمتاز أسلوبه بتوزيع الأضواء الصناعية في اللوحة .
      __________________
      :-:-:
      المدرسة التأثيرية أو الانطباعية :-:-:
      ويحاول رسامو الانطباعية تقليد الضوء عندما ينعكس على أسطح الأشياء، ويحققون ذلك باستخدام الألوان الزيتية في بقع منفصلة صغيرة ذات شكل واضح، بدلاً من خلطه على لوحة الألوان، وفضَّل الانطباعيون العمل في الخلاء لتصوير الطبيعة مباشرة، وليس داخل جدران المرسم، وأحياناً كانوا يقومون برسم نفس المنظر مرات عديدة في ظروف جوية مختلفة، لإظهار كيف تتغير الألوان والصفات السطحية في الأوقات المختلفة.
      ومن أشهر رسامي الانطباعية "أوجست رينوار" و"بول سيزان" الفرنسيان "رينوار" أظهر براعة فائقة في رسم الطبيعة تحت الضوء الدافئ وخاصة التغيرات الدقيقة في المناخ وتأثير ضوء الشمس على الأجسام والأشكال والزهور، ويبدو هذا واضحاً في لوحاته "في الشرفة" التي رسمها عام 1879م. أما "سيزان" فقد أظهر فهماً وتقدير للألوان بكل ثرائها وشدتها اللونية مثل لوحة "زهور الأضاليا في إناء" عام 1875م.
      ولقد أعتقد الإنطباعيون أن الخط في الرسم من صنع الإنسان ، إذا لا وجود للخط في الطبيعة ، وألوان المنشور كما هو معروف هي : البنفسجي والنيلي ، والأزرق والأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر .
      وكانت ألوان الانطباعيين نظيفة نقية صافية ، عنيت بتسجيل المشاهد بعين عابرة ولحظة إحساس الفنان في مكان وزمان واحد ، إذ أن الفنان الانطباعي يقوم بتسجيل مشاهداته وانطباعاته في فترة معينة من الزمن ، كما يلتقط المصور الفوتوغرافي صورة لشيء ما في لحظة معينة من النهار ، لقد عني التأثيريون بتصوير الأشكال تحت ضوء الشمس مباشرة وخاصة لحظة شروق الشمس ، فظهرت لوحاتهم متألقة بالألوان الجميلة.
      لقد عنيت الانطباعية بتسجيل الشكل العام ، فالتفاصيل الدقيقة ليست من أهدافها بل يسجلون الانطباع الكلي عن الأشياء ، بطريقة توحي للمشاهد انه يرى الأجزاء رغم أنها غير مرسومه ،مما يزيدها سحرا وجمالا وجاذبية من قبل المشاهد . ومن مميزات الانطباعية أيضا عدم الاهتمام بالناحية الموضوعية للوحة ، إذ تمتزج الأشكال في اللوحة فتصبح كلا ، وان البعد في اللوحة يأخذ امتداد واحدا ، وكما ذكرنا فالضوء في اللوحة هم أهم العناصر البارزة ، ومما هو جدير بالذكر ان الانطباعية قد انبثقت من الواقعية ، لكن ضمن إطار علمي مختلف ، فهي تصور الواقع لكن بألوان تعتمد على التحليل العلمي .

      بقي أن نذكر جانبا هاما هو الأساليب التي ظهرت في هذه المدرسة ، إذا ظهرت فيها أساليب تؤمن بنفس النظرية ، لكن التنفيذ يختلف من فرد لاخر ، فالتأثيرية لها اساليب ثلاثة :

      الأسلوب التنقيطي :وهو أسلوب يتبع برسم اللوحة بكاملها عن طريق النقاط الملونة المتجاورة ، ويشبه هذا الأسلوب إلى حد كبير المشاهد التي نراها على شاشة التلفزيون الملون عندما تتحول الصورة إلى نقط نتيجة لعدم ضبط الهوائي أو لبعد محطة الإرسال ورداءه الأحوال الجوية.
      الأسلوب التقسيمي : ويعتمد هذا الأسلوب على تقسيم السطوح إلى مجموعة ألوان متجاورة صريحة دون أن يمزج الألوان أو يخلطها ، فالأصفر هو الأصفر والأزرق والأحمر ، وهكذا فالمهم لا يرسم بالألوان الأساسية نقية صافية .
      ج- تعني برسم الأشكال أكثر من مرة في لحظات متغيرة من النهار ، كأن يرسم الفنان منظراً للطبيعة في الصباح ، ثم يعود ليرسمه في الظهيرة ، ثم يرسمه في المساء عند غروب الشمس .
      __________________
      :-:-:
      المدرسة الوحشية :-:-:
      المدرسة الوحشية اتجاه فني قام على التقاليد التي سبقته ، وأهتم الوحشيون بالضوء المتجانس والبناء المسطح فكانت سطوح ألوانهم تتألف دون استخدام الظل والنور ، أي دون استخدام القيم اللونية ، فقد اعتمدوا على الشدة اللونية بطبقة واحدة من اللون ، ثم اعتمدت هذه المدرسة أسلوب التبسيط في الإشكال ، فكانت أشبه بالرسم البدائي إلى حد ما ، فقد اعتبرت المدرسة الوحشية إن ما يزيد من تفاصيل عند رسم الأشكال إنما هو ضار للعمل الفني ، فقد صورت في أعمالهم صور الطبيعة إلى أشكال بسيطة ، فكانت لصورهم صلة وثيقة من حيث التجريد أو التبسيط في الفن الإسلامي ، خاصة أن رائد هذه المدرسة الفنان (هنري ماتيس ) الذي استخدم عناصر زخرفية إسلامية في لوحاته مثل الأرابيسك أي الزخرفة النباتية الإسلامية .

      أما سبب تسمية هذه المدرسة بالوحشية فيعود إلى عام 1906 م ، عندما قامت مجموعة من الشبان الذين يؤمنون باتجاه التبسيط في الفن ، والاعتماد على البديهة في رسم الأشكال قامت هذه المجموعة بعرض أعمالها الفنية في صالون الفنانين المستقلين ، فلما شاهدها الناقد (لويس فوكسيل ) وشاهد تمثلا للنحات (دوناتللو ) بين أعمال هذه الجماعة التي امتازت بألوانها الصارخة ، قال فوكسيل دوناتللو بين الوحوش ، فسميت بعد ذلك بالوحشية ، لانها طغت على الأساليب القديمة ، مثل التمثال الذي كان معروضا حيث أنتج بأسلوب تقليدي قديم، ويعد الفنان (هنري ماتيس ) رائدا وعلما من أعلام هذه المدرسة ثم الفنان (جورج رووه ).

    • الدرس الرابع

      -:-: المدرسة التجريدية :-:-:
      اهتمت المدرسة التجريدية الفنية بالأصل الطبيعي، ورؤيته من زاوية هندسية، حيث تتحول المناظر إلى مجرد مثلثات ومربعات ودوائر، وتظهر اللوحة التجريدية أشبه ما تكون بقصاصات الورق المتراكمة أو بقطاعات من الصخور أو أشكال السحب، أي مجرد قطع إيقاعية مترابطة ليست لها دلائل بصرية مباشرة، وإن كانت تحمل في طياتها شيئاً من خلاصة التجربة التشكيلية التي مر بها الفنان.

      وعموماً فإن المذهب التجريدي في الرسم، يسعى إلى البحث عن جوهر الأشياء والتعبير عنها في أشكال موجزة تحمل في داخلها الخبرات الفنية، التي أثارت وجدان الفنان التجريدي. وكلمة "تجريد" تعني التخلص من كل آثار الواقع والارتباط به، فالجسم الكروي تجريد لعدد كبير من الأشكال التي تحمل هذا الطابع: كالتفاحة والشمس وكرة اللعب وما إلى ذلك، فالشكل الواحد قد يوحي بمعان متعددة، فيبدو للمشاهد أكثر ثراء.

      ولا تهتم المدرسة التجريدية بالأشكال الساكنة فقط، ولكن أيضاً بالأشكال المتحركة خاصة ما تحدثه بتأثير الضوء، كما في ظلال أوراق الأشجار التي يبعثه ضوء الشمس الموجه عليها، حيث تظهر الظلال كمساحات متكررة تحصر فراغات ضوئية فاتحة، ولا تبدو الأوراق بشكلها الطبيعي عندما تكون ظلالاً، بل يشكل تجريدي. وقد نجح الفنان كاندسكي –وهو أحد فناني التجريدية العالميين- في بث الروح في مربعاته ومستطيلاته ودوائره وخطوطه المستقيمة أو المنحنية، بإعطائها لوناً معيناً وترتيبها وفق نظام معين. ويبدو هذا واضحاً في لوحته "تكوين" التي رسمها عام 1914م.
      __________________
      :-:-:
      المدرسة التكعيبية :-:-:


      المدرسة التكعيبية هي ذلك الأتجاه الفني الذي أتخذ من الأشكال الهندسية أساسا لبناء العمل الفني إذا قامت هذه المدرسة على الأعتقاد بنظرية التبلور التعدينية التي تعتبر الهندسة أصولا للأجسام . أعتمدت التكعيبية الخط الهندسي أساسا لكل شكل كما ذكرنا فاستخدم فنانوها الخط المستقيم و الخط المنحني ، فكانت الأشكال فيها اما أسطوانيه أو كرويه ، وكذلك ظهر المربع والأشكال الهندسية المسطحة في المساحات التي تحيط بالموضوع ، وتنوعت المساحات الهندسية في الأشكال تبعا لتنوع الخطوط والأشكال واتجاهاتها المختلفة ، لقد كان سيزان المهد الأول للأتجاه التكعيبي ، ولكن الدعامة الرئيسية هو الفنان ( بابلو بيكاسو ) لاستمراره في تبينها وتطويرها مدة طويلة من الزمن .
      كان هدف التكعيبية ليس التركيز على الأشياء ، وإنما على أشكالها المستقلة التي حددت بخطوط هندسية صارمة ، فقد أعتقد التكعيبيون أنهم جعلوا من الأشياء المرئية ومن الواقع شكلا فنيا ، كانت بداية هذه الحركة المرحلة التي بدأها الفنان سيزان بين عامي 1907/1909 وتعتبر المرحلة الأولى من التكعيبية والمرحلة الثانية هي المرحلة التكعيبية التحليلية ، ويقصد بها تحليل الأشكال في الطبيعة وإعادة بناءها بطريقة جديدة وقد بدأت هذه المرحلة عام 1910 / 1912 م إذ حلل الفنان فيها أشكاله بدقة ، وأظهر اجزاء الأشكال باسلوب تكعيبي .

      وتمثل المرحلة الثالثة الصورة الموحدة التكوين ، وتبدأ من عام 1913 / 1914 م وركزت على رسم وموضوع مترابط وواضح المعالم من خلال الخطوط التكعيبية .
      ويعد بابلو بيكاسو أشهر فناني هذه المدرسة ، وكذلك الفنان (براك ) و(ليجرد)وغيرهم وقد صور بيكاسو العديد من اللوحات ، وكان أبرز الفنانين التكعيبين إنتاجا ، ومن أشهر أعماله ( الجورنيكا ) وهي تمثل المأساة الأسبانية في الحرب العالمية الأولى .
      .....................................................
      :-:-:
      المدرسة السيريالية :-:-:
      نشأت المدرسة السيريالية الفنية في فرنسا، وازدهرت في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، وتميزت بالتركيز على كل ما هو غريب ومتناقض ولا شعوري. وكانت السيريالية تهدف إلى البعد عن الحقيقة وإطلاق الأفكار المكبوتة والتصورات الخيالية وسيطرة الأحلام. واعتمد فنانو السيريالية على نظريات فرويد رائد التحليل النفسي، خاصة فيما يتعلق بتفسير الأحلام.

      وصف النقاد اللوحات السيريالية بأنها تلقائية فنية ونفسية، تعتمد على التعبير بالألوان عن الأفكار اللاشعورية والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام. وتخلصت السيرالية من مبادئ الرسم التقليدية. في التركيبات الغربية لأجسام غير مرتبطة ببعضها البعض لخلق إحساس بعدم الواقعية إذ أنها تعتمد على الاشعور.

      واهتمت السيريالية بالمضمون وليس بالشكل ولهذا تبدو لوحاتها غامضة ومعقدة، وإن كانت منبعاً فنياً لاكتشافات تشكيلية رمزية لا نهاية لها، تحمل المضامين الفكرية والانفعالية التي تحتاج إلى ترجمة من الجمهور المتذوق، كي يدرك مغزاها حسب خبراته الماضية.

      والانفعالات التي تعتمد عليها السيريالية تظهر ما خلف الحقيقة البصرية الظاهرة، إذ أن المظهر الخارجي الذي شغل الفنانين في حقبات كثيرة لا يمثل كل الحقيقة، حيث أنه يخفي الحالة النفسية الداخلية. والفنان السيريالي يكاد أن يكون نصف نائم ويسمح ليده وفرشاته أن تصور إحساساته العضلية وخواطره المتتابعة دون عائق، وفي هذه الحالة تكون اللوحة أكثر صدقاً.

      ...............................................................
      :-:-:
      المدرسة المستقبلية :-:-:
      بدأت المدرسة المستقبلية في إيطاليا، ثم انتقلت إلى فرنسا، وكانت تهدف إلى مقاومة الماضي لذلك سميت بالمستقبلية، واهتم فنان المستقبلية بالتغير المتميز بالفاعلية المستمرة في القرن العشرين، الذي عرف بالسرعة والتقدم التقني. وحاول الفنان التعبير عنه بالحركة والضوء، فكل الأشياء تتحرك وتجري وتتغير بسرعة.

      وتعتبر المدرسة المستقبلية الفنية ذات أهمية بالغة، إذ أنها تمكنت من إيجاد شكل متناسب مع طبيعة العصر الذي نعيش فيه، والتركيز على إنسان العصر الحديث.

      وقد عبر الفنان المستقبلي عن الصور المتغيرة، بتجزئة الأشكال إلا آلاف النقاط والخطوط والألوان، وكان يهدف إلى نقل الحركة السريعة والوثبات والخطوة وصراع القوى، قال أحد الفنانين المستقبليين "إن الحصان الذي يركض لا يملك أربعة حوافر وحسب، إن له عشرين وحركاتها مثلثية". وعلى ذلك كانوا يرسمون الناس والخيل بأطراف متعددة وبترتيب إشعاعي، بحيث تبدو اللوحة المستقبلية كأمواج ملونة متعاقبة.

    • الدرس الخامس

      من الفن إلى النص المقدس

      القديس اوغسطين ورواية الحمار الذهبي

      قد يكون المنتوج الأدبي والفني، قِبلة للتسلية، وفضاء لبث مختلف صور الخيال أو ترويحا عن النفس وهذا بالعودة إلى الروايات والأساطير التي لا تخلو عن مشاهد البطولات، إضافة إلى صور التراجيديا، والكوميديا، لكن الأمر ليس بهذا المغزى فالكتابات القصصية، والشعرية والروائية لها من الدلالات ما يكفي ليؤهلها بان تكون أرضية خصبة لتنمية وتغذية الروح النقدية والفلسفية والسياسية، فكان القديس أوغسطين بدوره ينهل ما أستطاع إليه سبيلا من هذا القبيل، إذ مزج الفن والأدب بالحكمة الفلسفية كوصفة ممتاز للوصول إلى سر الحياة الرغيدة، وهذا ما نلمسه من خلال عودة القديس إلى أعمال لوكيوس ابوليوس[2] صاحب رواية التحولات، أو بعبارة أخرى المسوخ التي  نقلت إلينا باسم الحمار الذهبي[3]، والتي استثمرها القديس اوغسطين تأويلا ومقاربة لثنائية الحياة في  المسيحية الرواية في النهاية عبارة عن تحولات عايشها   شخص زار مشعوذة واستهوته روح المغامرة، فطلب منها أن تحوله إلى طير جميل، لكنه أخطأ وخالف الوصفة المطلوبة وتحول إلى حمار، ولكن ليس أي حمار.

      فالغرابة انه نعت بالذهبي لأنه يحمل ويحبس نفسا بداخله، ومعدنها نفيس، وهذه النفس تبحث عن الخلاص وتأمل في العودة إلى النشأة الإنسية الأولى، لكن الأمر ليس بهذه البساطة فالعودة تكلف التضحيات والمكابدة، واللامنطوق من  وراء الرواية هو أن الاهتداء إلى الديانة الصحيحة يتطلب العمل، وبدوره الأمر أعجب القديس أوغسطين"ولعل حديث ابوليوس الشاب عن نفسه وتجاربه الخاصة هو الذي أوحى لأوغسطين بكتابة اعترافاته، وبوضع مؤلفه بمدينة الإله، الذي يدافع فيه عن الديانة المسيحية مقابل دفاع ابوليوس عن العبادة  الشرقية"[4] فهذه العبادة كانت هي الوصفة المطلوبة  بخلاص ابوليوس الحقيقي من الطبع البهيمي.

      فطابع النزاع من اجل الخلاص والوصول إلى التعقل، نفسه تعبير صادق عن الواقع التي عايشها أفراد المجتمع الروماني، بين الرغبة في الرهبنة مقابل تقديس الأوثان بتعاليمها ومبادئها، وتستمر مغامرة ابوليوس في البحث عن سبيل الخلاص والعودة إلى الصورة الآدمية، بعدما وعدته الساحرة في الصباح بتوفير الوصفة المناسبة، وينسلخ من ثوب الحمار، وبقي يسرع في الصبر على إماتة ساعات الليل داخل إسطبل الذي اختارته له الساحرة لقضاء ليلته لكن لسوء حظ ابوليوس في الليلة ذاتها يسطو اللصوص على المنزل ويأخذوا معهم الحمار بسره الذي يحمله داخله قصد بيعه في السوق، وهنا أصبح ابوليوس الشاب نفسها مسجونة في جسد حمار، وسلعة موجهة للبيع، إذ تداول بين مختلف المنازل وعايش صورا مختلفة حسب طبيعة الأفراد إذ ذاق التعذيب، وأبشع طرق الاستغلال، والأسر، والجوع، والقسوة بما يكفيه لعقاب نفسه.

      كما استخدم في الألعاب البهلوانية، ريثما سمحت له الفرصة بالفرار، فذهب إلى شاطئ البحر، وترجى ايزيس، بحيث مكنته من العودة إلى خلقته الأولى بعدما استقام الشاب واكتشف سر  الخلاص في الوازع الديني الروحي المستتر في القلوب، والذي دوما تتربص به قوى الشيطان قصد تضليله بغشاوتها ودنسها فكان خلاصه بالرهبنة لا بالشعوذة، مثلما يأمل أوغسطين بان الخلاص يكون بالتدين المسيحي وتبديد محور الشرفي المدينة الفاضلة، لكن الأمر يتطلب شيئا من الصبر و آخر من التضحيات للانسلاخ من تبعية الأوثان لا سيما وان غالبية سكان روما مسلوغين في تقديس كبير الآلهة جوبيتر، ومثلما وجد ابوليوس الشاب مفتاح الخلاص في العبادة الشرقية، فمفتاح الخلاص عند أوغسطين موجود داخل المؤسسة الكنيسة وبإتباع تعاليم التسامح، لا الانصهار في الندم، خصوصا بعد أفول حضارة روما التي بلغت العالمية قبل أن تخلص إلى مرحلة الانحطاط والهزال، لذلك يعد أوغسطين الرعية بالخلاص، ويشخص صورة الحمار في عمارة المدينة الأرضية الشيطانية.

      وتكون النفس الذهبية المحبوسة هي ذاتها الإيمان المسيحي الذي يفني ذاته من اجل محبة الله، والترفع عن ترف الحياة المادية، والخلاص من الأوثان التي لا ترد الأذى حتى عن نفسها فكيف لها أن تحمي أسوار روما ! إذا فتحولات الحضارة الرومانية، لا بد لها من بلوغ زمن الانفراد والانسلاخ عن الشيطان، كما من خلال الرواية ومغامرة ابوليوس ونقده للظروف الاجتماعية في زمانه، ومعانات ابوليوس تبدو بسبب النهاية غير العضوية بمثابة تجارب حياتية، تجد حلها في الأسرار المقدسة "فحطمت الرواية الوحدة الفنية المألوفة في مثل هذه الصنعة، وجعلت شخصية البطل متذبذبة بين الرغبة في الزهد والرهبنة حبا في القداسة، وبين الاستقامة لممارسة الحياة العادية"[5]

      و في اعترافات أوغسطين يتضح لنا مدى عدوله عن المانوية، التي شب عليها وتركها مقابل إفناء حياته في خدمة اللاهوت المسيحي، والمستقرئ لتراث الأدب والفلسفة يجده غنيا بمختلف الأساطير والأفكار التي تشخص السقم في الجور وإتباع الملذات وأهواء النفس الشهوانية، فبسبب هبوط النفس من جوار الآلهة فهذا عقاب لها وسجن داخل البدن، فبعدما عايشت النور هي تتذكر فقط وتتخبط في ظلمة البدن وسط عالم الطيف والأشباح المزيفة، وما الجسد ألا مقبرة، مثلما تكون هي مدينة الشيطان عند أوغسطين القديس مقبرة لدفن حقيقة الإيمان.

      وعند فلاسفة الإسلام يتحدث ابن سينا، الشيخ الرئيس عن هبوط النفس من المحل الأرفع ووصولها مكرهة إلى الجسد في قصيدة النفس* فإجماع الحكماء والفلاسفة ينص بان الجسد مقبرة، وصورته عند ابوليوس تمثلت في حمار، عايش البؤس والمعاناة، مثلما يذكر أفلاطون بان البدن عقاب للنفس ريثما تترقى إلى المطلق وتجتاز مراحل تربوية تؤهلها لقنص الحكمة والخلاص، والجسد هو عالم الرذيلة والأوثان عند أوغسطين، وما الإمبراطورية الرومانية في النهاية سوى مدينة أرضية قدرها المحتوم هو الزوال والاندثار، ومن خلال رواية المسوخ أو الحمار الذهبي نجد التحول هو الحدث الرئيسي فيها، هو التحول وفي الفكر الإغريقي نجد شيء من هذا القبيل فمع فيثاغورس نجد القول بتناسخ الأرواح ،وهدا ما انتشر واسعا مع العقيدة الأورفية، بحيث أن الجنة و النار في البدن.

      فمن أحسن نفسه تحل في إنسان خير، وإذا كان الفرد شرير نفسه تحل في حيوان واستبعد ابوليوس في البداية الخير مقابل تقريبه للملذات فتحول إلى حمار ريثما في النهاية يدرك حقيقة العبادة الشرقية ويعود آدميا زاهدا في الحياة، والأصل كله في هده التحولات يرجعه أوغسطين إلى انحراف الأفراد عن التعاليم الإلهية التي تتحول إلى غشاوة تقلص بصيرة الأيمان وتحد من محبة الله ، فوزن كل فرد هو من طبيعة حبه، من أحب الشيء المقدس يسمو ومن انهمك في حب المدنس يسفل دوما ويدنو، ومن أحب قوة روما فعليه أن يسلم بزوالها وسقوطها، ولا يحمل الديانة المسيحية عبء ذنب لم تقترفه قط.

      فلا اتهام المسيحية يعيد أمجاد روما التي أحرقت بوحشية، ولا التضرع للقرابين والأوثان، يضمن وحدة الإمبراطورية، بل هذا كله هو مرهون بالإيمان الذي هو ركن التعقل، بحيث أن مفتاح الحياة المستقرة الفاضلة يكون بإرادة الله و محبته، فدوام المجد والحضارة لا يضمنها البحث عن أكسير الحياة، ومثلما أدرك غلغامش في الفكر الشرقي بعد الكد والعناء بأنه لا جدوى من البحث عن عشبة الخلود، وبعد عنائه وتعبه وحزنه على افتقاد أكسير الحياة، قالت له عجوز تقدم بها السن مما يؤهلها بأن تكون حكيمة، يا غلغامش لا تقلق ولا تيأس إن الخلود هو حليف الآلهة ، فعندما خلقت الإنسان احتفظت لنفسها بالخلود، ونصيب الإنسان هو الموت، ومن أراد الخلود يوفره ويحققه بأعماله و أفكاره. وبالنسبة لأوغسطين فالخلود ليس من نصيب المدينة الأرضية وإنما هو لصالح المدينة السماوية ،ومعيار الفصل هو مقدار الحب والإيمان، والتسامح وما المدينة الأرضية وحضارتها سوى حالة ظرفية، شأنها في التطور شأن الإنسان المنتقل من صبا إلى كبر، وأما في نهاية التاريخ فيكون الخلاص، وهنا نلمس تداخل اللاهوت بالفلسفة السياسية والتاريخ عند القديس أوغسطين.

      ومثلما عايش أبوليوس تجارب الشقاء والألم إبان تحوله ومسخه إلى حمار، ومعاناته جراء اختلاف معاملة أفراد المجتمع الروماني، ليظفر أخيرا بالخلاص بعد إيمانه، أيضا في معارك عديدة تتغلب مدينة الشيطان الأرضية على المدينة السماوية ،النصر والخلاص لكن في النهاية هو لصالح مدينة الإله، وملازم لمحبة الله أين تتحقق أقاليم التسامح والعدالة، وتحاكي المدينة السماوية تنظيم عشيرة الملائكة الأخيار، و الحديث عن مسألة التحول التي يعقبها في النهاية الخلاص وظفها أفلاطون، مثلما هي سارية مع تحولاتها أبوليوس، الذي أدرك حقيقة الأيمان .ويوضح أوغسطين أيضا تحولاته، وتدبدب شخصيته بين المانوية والمسيحية في اعترافاته ليختار الديانة المسيحية، ويجعل نفسه خادما لها ومدافعا عنها وعن قيمها، ويعكف عن ملذات الجسد.

      والتقاء ثقافة أوغسطين، بتحولات ورواية أبوليوس، لم يكن هكذا ضربا من العبث وإنما له ما يبرره كون أبوليوس شخصا عايش الانسلاخ، فالحمار هو الرمز الحقيقي للانسلاخ، والجسد عبارة عن مقبرة، أما معدن الحمار هو الذهب، وبالطبع هو رمز للصفاء، وللحكمة، والتعقل وأشار أفلاطون في جمهوريته بأن المعدن الخير هو الذهب، والفيلسوف هو أحق به كونه يدرك الحقائق ولا يخدعه الزيف، عكس السذج من الدهماء حيث ينبهرون بالمظهر ولا يفقهون الجوهر، يخدعهم الحِس، الشمس أما في العالم العقلي نجد الخير، والذهن وصورة النماذج الأصلية. عالم المثل، ويمكننا أن نصف الفكرة بأنفسنا وصفا أكثر دقة على النحو التالي "يوجد عالمان، أما العالم المنظور فيتناوله البصر، وأما العقلي فهو حكر على البصيرة"[6] وأبوليوس خدعه عالم البصر، مثلما خدع الرومان بمظاهر القوة، وأسرفوا في عبادة الأوثان، ومحبة الذات، فكانت حتمية هذا السقوط والإنحطاط.

      ويعود أوغسطين ليبشر بسبيل الخلاص. والوصول إلى اللوغوس قصد بداية مسيرة الإيمان وصرف التهم عن المسيحية، والمغزى من عودة أوغسطين إلى رواية الحمار الذهبي .هي أن الحياة شقاء وتتطلب المقاومة ،والذي لا يدرك حمار، ويدرك الحمار حقيقة الله، ويرضى الإله عن الشاب، فيعود الشاب من جديد إلى طبيعته الأصلية فمهمة الرعية إذا هي البحث عن الخلاص، و جسد أوغسطين هذا بالعناية الإلهية وضرورة إتباع مخططها "فالتاريخ مسرحية ألفها الرب و يمثلها البشر"[7] وعلى هذا البند يسير أباء الكنيسة  و تبرير أوغسطين يمضي على أن الرومان أخطأوا التأويل فوقعوا في الإستعمار، والهزال لذلك الانسلاخ من هذا يكون بالإيمان المسيحي، والتحرر من طغيان الأوثان والأساطير على الفكر.       

       

       

       

      [2]  لوكيوس اوبوليوس: ولد عام 124 أو 125 بعد الميلاد في مدينة مدوار التي يطلق عليها اسم مدوارش وكانت مستعمرة رومانية، كان ذو طبيعة متنوعة، اهتم بالبلاغة والفلسفة من أهم أعماله: التحولات.  

      [3] الحمار الذهبي: عرفت الرواية أيام أوغسطين باسم الحمار الذهبي، وقد يكون هو من أطلق عليها الاسم الذي اجتاز فترة العصور وعرفت باسم التحولات في الأدب الأوربي، وترجمها البعض إلى العربية باسم  تحولات الجحش الذهبي، والمسوخ والحلوليون، انظر ابو العيد دودو.

      [4] ابوليوس لوكيوس، الحمار الذهبي،  ص05.

       [5]  ابوليوس لوبيوس، الحمار الذهبي،  ص 30.

       قصيدة النفس لابن سينا: وفحوى هذه القصيدة يدور حول علاقة النفس بالبدن، وهي قضية فلسفية لطالما تداولت على الألسنة.

       

      [6]  أفلاطون، الجمهورية، ص 176.

      [7]  صبحي احمد محمود، في فلسفة التاريخ،  دار النهضة العربية،  لبنان،   1994ص 166. د ط

       

  • Topic 2

  • Topic 3

  • Topic 4