الثورات الشعبية الأخرى خلال القرن التاسع عشر

1.    مقاومـــــــــــة الزعاطشـــــــــــة (1849)

              تعتبر انتفاضة واحة الزعاطشة بالزيبان غرب بسكرة إحدى أهم المقاومات الرافضة للوجود الاستعماري، قاد هذه المقاومة الشيخ الشريف محمد بوزيان الذي كان احد أتباع الأمير عبد القادر بعد استسلامه،  والحاج موسى الأغواطي، وعرفا بشجاعتهم ووطنيتهم وسمعتهم الطيبة، وكان الشيخ بوزيان من المرابطين الرحمانيين فكان الوازع الديني له دوره وحضوره في تعبئة المجاهدين للثورة وتقوية عزيمتهم، حيث احتلت المنطقة عام 1844 واستفحل التنصير بها، مما أدى بالشيخين إلى إعلان الثورة سنة 1849 على الفرنسيين، حيث تزامنت مع الثورة الفرنسية التي أسقطت النظام الملكي الدستوري في فرنسا،  لتشمل مقاومتهم بسكرة وصولا إلى الحضنة ومنطقة الأوراس، زرغم قلة الامكانيات المادية، إلا أنهم قادوا ثورة أعطت أمقلة في التضحية والصمود، حيث بدأت بانتصار أهالي بسكرة في معركة سريانة شهر سبتمبر، لكن الجيش الفرنسي استخدم المدفعية وقطعت أزيد من 10 آلاف نخلة مصدر رزق السكان، وأبادوا سكانها بمن فيها من أطفال ونساء وشيوخ،  وألقي القبض على الشيخ بوزيان وابنه والحاج موسى الدرقاوي في نوفمبر 1849، وأمر الجنرال "هيربيون (Herbillon)" بقطع رؤوسهم، وتعليقهم على بوابة مدينة بسكرة ترهيبا لمن يريد المقاومة.

لكن لهيب المقاومة لم ينطفئ بالمنطقة، حيث ظهرت عدة انتفاضات منها: انتفاضة الشريف محمد بن عبد الله في عام 1852، ولكن قضت القوات الفرنسية على مقاومته بمعاونة أحد عملائها المدعو حمزة ولد الشيخ الذي اعتقله وسلمه للسلطات الفرنسية. كما ظهرت سنة 1858 ثورة "سي الصادق بن الحاج" أحد مجاهدي ثورة الزعاطشة، لكنها عرفت نفس مصير سابقاتها. حيث تم القبض عليه في جانفي 1859. ثم بعد سنوات تحركت انتفاضة أخرى بقيادة شيخ الزاوية الرحمانية الإمام "أمزيان بن عبد الرحمان" بمنطقة الاوراس سنة 1879، حيث هاجم عدة مراكز للجيش الفرنسي، ولكن لقلة الإمكانيات هلك جنوده من شدة الجوع والعطش، أما الشيخ سلمته السلطات التونسية إلى الجيش الفرنسي حيث حكمت عليه محكمة قسنطينة سنة 1880 بالإعدام.

2.    مقاومة الشريف بوبغلة 1851-1854:

نظم شريف بوبغلة مقاومته بصور الغزلان (ولاية البويرة)، بعد استسلام الأمير عبد القادر،وكرد فعل قررت السلطات الاستعمارية إقامة مركز عسكري ببني منصور بقيادة الكولونيل "بوبريطر "، بعدها عقد بوبغلة اجتماع مع قبائل المنطقة مثل بني يجار ويلولة وزاوية ابن إدريس لتدارس الوضع، وكسب مناصرين جدد وتقرر في الاجتماع معاودة الهجوم على منطقة شلاطة، مما أدى إلى وقوع مواجهات خلفت 10 قتلى من أصحابه، وهو ما اضطره على الانسحاب نحو قرية "إيبوزيدين" ببني مليكيش. ونظرا لخطورة حركته، جنّدت سلطة الاحتلال الفرنسية قوات معتبرة تحت أوامر ضباط وجنرالات أمثال:          دوريـــــــــــــــــل، بلانجــــــــــــــــي، بوبريطـــــــــــــر، بوسكـــــــــــــي دوبروتـــــــــــــال، كامـــــــــــــــــــو.

وبعد الهزيمة التي تلّقاها أثناء هجومه على شلاطة، أعاد تنظيم قواته فهاجم عدة مراكز فرنسية متخذا من قرية بني مليكش مركزا لنشاطه وهجوماته.

          نتيجة الخسائر التي ألحقها بالقوات الفرنسية أصبح متابعا من طرف جنرالات فرنسا مما دفعه مع سنة 1851 الانتقال إلى منطقة جرجرة ونظم مقاومته من جديد، وبفضل السمعة الجيدة التي كان قد اكتسبها فان القبائل كانت تخضع له الواحدة تلو الاخرى وبالتالي كانت قوته تكبر يوما بعد يوم وفي كل مكان يمر به، كان يطرد القيادة والشيوخ الذين عينتهم فرنسا ويختار بدلهم آخرين وكان يفرض غرامات مالية على كل من إشتبه في أمره، أو عرف بتعاونه مع فرنسا، خاض العديد من المعارك ضد العدو الفرنسي وحقق العديد من الانتصارات من وادي الساحل الى وادي سيباو الى بلاد القبائل، وبالرغم من إجبار القوات الفرنسية بوبغلة على الانتقال الى الجهة الشمالية من جبال جرجرة ووظفت لذلك عددا هائلا من الرجال والأسلحة والأموال، وقعت عدة معارك بين بوبغلة وكل من الجنرالات "بيشو pechot" و"كوني kony" في كل من تيزي وزو وبترونة وعبيد شملال، وكانت لهذه المعارك اثار جد حسنة وسط الاهالي ورفعت من معنوياتهم وزادت من شهرة بوبغلة ومكانته فأصبح حقيقة الزعيم المنقذ. الى أن بدأت حملة بيليسي يوم 30 نوفمبر 1851 والتي دامت حوالي شهر انتهت بإستسلام قبائل المنطقة.

لكن بوبغلة لم يستكن بل إستأنف نشاطه وحركته ما بين شمال جرجرة وجنوبها، ففي يوم 25 جيلية 1852 وقعت المواجهة مع القوات الاستعمارية إثر الحملة التي نظمّها " بوسكي" شارك فيها نحو 3000 عنصر من المشاة الفرنسيين. ألحقت خسائر في صفوف الشريف، وفتحت الطريق بين القصر وبجاية وهو الطريق نفسه الذي يربط المنطقة بالجزائر العاصمة.

استمر الشريف ينتقل من قرية إلى أخرى يحاول جمع الأنصار والأتباع، إلى أن اصطدم بقوات بوبريط عند منطقة الواضية يوم 19 جويلية 1852 أصيب أثناءها بجروح في رأسه، ومع ذلك واصل أتباعه المقاومة بقيادة بعض مقربيه أمثال محمد بن مسعود من ونوغة وأحمد بن بوزيد من عائلة بورنان التي تنتمي إلى عائلة أولاد مقران.

تمكن الشريف من مواصلة المقاومة بعد ان تهيأت له الظروف عندما قامت السلطات الاستعمارية الفرنسية بإرسال جيوشها إلى حرب القرم، فخاطب السكان قائلا:" إن المناسبة قد حانت لطرد فرنسا من الجزائر لأنها أصبحت ضعيفة جدا ولا يتطلب الأمر منهم إلا مجهودا بسيطا ليلقوا بها في البحر الذي جاءت عن طريقه". على أن المنطقة طوال كل هذه الفترة بقيت تعيش جوا من الغليان، مما أدى بالحاكم العام الفرنسي إلى إرسال حملة بقيادة النقيب وولف. وبتواطؤ مع الباشآغا أقدمت القوات الفرنسية على مهاجمة عزازقة، وذكر وولف في تقريره عن المعركة، مدى استماتة سكان عزازقة في الدفاع عن ديارهم.

ثم قررت السلطة الاستعمارية الفرنسية القيام بحملة عسكرية أخرى قادها الجنرال راندون Randon يذكرها في رسالته المؤرخة في 26 ماي 1854 موضحا الأهداف من الحملة قائلا:" إن هدفي الأول هو ضرب قبيلة بني جناد التي قدمت العون في هذه المدة الأخيرة للشريف بوبغلة الذي ينبغي أن يعاقب، ويكون عقابه درسا للآخرين، وبعد ذلك أوجه جهودي إلى القبائل الأخرى التي تقع على الضفة اليمنى لسباو …"،  وكان الهدف من هذه الحملة هو إخضاع منطقة جرجرة، وقبيلة بني جناد تحديدا، لذلك استقدم قوات إضافية من وهران والجزائر بقيادة الجنرال كامو ومن قسنطينة بقيادة الجنرال ماكماهون.

كانت قرية اغريب هدفا لضربات الجيش الفرنسي رغم ما تتمتع به من تحصين دفاعي من حيث وقوعها على مرتفع، والاستعدادات التي أقامها أهلها للدفاع عنها، إلا أنها لم تصمد أمام القوات الفرنسية التي أحكمت السيطرة عليها. وفرضت على بني جناد غرامات مالية لوقوفها إلى جانب الشريف. وبعد اغريب عسكرت الحملة في بوبهير وهي نقطة قريبة من الأعراش الثلاثة : بني يجار وبني يتوراغ وبني يحي على أن هدف الجنرال راندون كان الوصول إلى بني يحي، وعليه دبر خطة أوهم بها قبائل المنطقة رغبته في الاتجاه إلى بني يجار الذين هيأوا أنفسهم لصد حملته. غير ان الحملة اتجهت إلى بني يحي خلال هذه المرحلة وقعت مواجهات بين المقاومين والقوات الفرنسية دامت 40 يوما خلفت خسائر بشرية قدرتها المصادر الفرنسية بـ94 قتيلا و593 جريحا في صفوف الفرنسيين لكن تمكنت قوات راندون من الوصول الى قلب جرجرة، تمخض عنها استسلامات جماعية للقبائل وفي كل المناطق التي مرت بها الحملة من بدايتها إلى اليوم الأخير منها. 

وامام الضغط الفرنسي وانقلاب المؤيدين له اصيب في إحدى المعارك وقبض عليه واعدم في 26 ديسمبر1854، وقطعت رأسه، ليتم عرضها كغنيمة حرب لترهيب الجزائريين في أسواق بني عباس وبرج بوعريريج و سطيف قبل نقلها إلى فرنسا، أين احتفظ بها بمتحف التاريخ الطبيعي بباريس، إلى غاية استرجاعها خلال شهر جويلية 2020 الفارط مع جماجم 23 مقاوم شعبي آخر تصدوا للاحتلال الفرنسي بالجزائر.

3.    مقاومة لالا فاطمة النسومر

قاومت لالا فاطمة نسومر* الاستعمار الفرنسي مقاومة عنيفة أبدت خلالها شجاعة وبطولة متفردتين إذ .أطلق عليها المستعمر الفرنسي اسم "جان دارك جرجرة" تشبيها لها بالبطلة القومية الفرنسية "جان دراك"، لكنها رفضت اللّقب مفضلة لقب "خولة جرجرة" نسبة إلى "خولة بنت الأزور" المجاهدة المسلمة التي كانت تتنكر في زي فارس وتحارب إلى جانب الصحابي خالد بن الوليد.

وكانت فاطمة نسومر قد ناضلت في سلك مقاومة الفرنسيين منتصف القرن التاسع عشر، واتصلت بالزعيم الجزائري المقاوم بوبغلة (محمد بن عبد الله) دفاعا عن منطقة جرجرة، فشاركا معا في معارك عديدة، وبعد استشهاد بوبغلة حملت راية الجهاد ، وكان لزعامتها تأثير  واسع على أعراش نايث يراثــــــــــــــن وايشريضـــــــــــن وبني يمــــــــــــــي ...إلخ. وألحقت بالجيش الفرنسي عدة هزائم من أشهرها معركة ايشريضن وتاشكريت سنة 1854، إذ أرغمت الجنرال راندون على الانسحاب يجر خلفه ذيل الهزيمة.

بعد ما شهد راندون قوة وعزيمة لالا فاطمة نسومر طلب هدنة من أجل استرجاع أنفاسه والانتظار وصول قوات إضافية. فنقض الهدنة  سنة 1857  وبادر بالهجوم عليها وتمكن من الاستيلاء على قرية نايث ايراثن بعد معركة دامية، لم تستسلم فيه لالا فاطمة نسومر بل قاومت بشدة، مما دفع برندون إلى تجنيد جيشا قوامه 45 ألف رجل بقيادته شخصيا، وباشر مهاجمة القبائل بأعالي جرجرة مستعملا سياسة القتل والحرق، ثم اتجه به صوب قرية آيت تسورغ حيث تتمركز قوات فاطمة نسومر المتكونة من جيش من المتطوعين قوامه 7 آلاف رجل وعدد من النساء. وقد أسرت فاطمة في هذه الموقعة مع عدد من النساء، ووضعت في "سجن يسر" وسط الجزائر تحت حراسة مشددة، وقد توفت الثّائرة لالا فاطمة نسومر بمنطقة عين التّاوسة ببني سليمان قرب تابلاط ولاية المديّة، عند الشّيخ الطّاهر بن أحمد بن علي بن محي الدّين سنة 1863م.

4.    مقاومة المقراني وشيخ الحداد 1871


       حملت أسرة المقراني لواء الجهاد ضدّ جيوش الإحتلال الفرنسي مع أحمد باي قسنطينة، وبعد ذلك وصلت زعامة الأسرة إلى محمّد المقراني الّذي تزعّم المقاومة بدءًا من عام 1870م، ثمّ أصبح رمزًا لثورة 1871م ضدّ الغزاة، وعندما أعلن محمّد بن الحاج أحمد المقراني الثّورة في "مجّانة وقلعة بني عبّاس" سنة 1871م، سانده الشّيخ الحدّاد شيخ الطّريقة الرّحمانيّة وأعلن الثّورة بدوره في
جبال البابور و حوض الصّومام و جبال جرجرة إلى حوض الحضنة، إذ كان يبلغ من العمر الثمانين سنة 1871م، وحوكم بمحكمة قسنطينة وعمره 81 سنة، فلفظ أنفاسه الأخيرة في زنزانته بعد خمسة أيام من الحكم بالسّجن، وحُكِم على ابنيه عزيز ومحند بالمؤبّد.

وقد غالت فرنسا في تحطيم نفوذ العائلات الكبرى(الكبيرة) فقد كان المقراني باشا آغا على منطقة مجانة ببرج بوعريريج  ثم عملت على تجريده من بعض الممتلكات والامتيازات، باالإضافة إلى مجاعة عامي 1867-1868، وما خلفته من تدهور للأوضاع الجزائريين الاقتصادية والاجتماعية، زائد إلى تطبيق النظام المدني وفرض سيطرة المستوطنين السياسية،  ليقود ثورة ضد الفرنسيين مستغلا الفوضى السياسية التي شهدتها فرنسا أمام هزيمتها ضد بروسيا (المانيا) وقد نشر أنصاره اخبار الهزيمة ليعلن في 26مارس 1871 بداية الثورة لتشمل العديد من المناطق من سوق أهراس حتى شرشـــــــال ومليانـــــــــة وبعض المناطق الصحراوية لكن إمام عدم توازن القوى استشهد المقراني في 05 ماي1871 في معركة واد السفيلات بمنطقة عين بسام ليخلفه اخوه الشيخ بومزراق –هو ثالث رموز هذه المقاومة-،  شارك في توسيع رقعة الثّورة في منطقة سور الغزلان وونّوغة، و شلالة العذاورة، ومدّدها نحو الأوراس وذلك بعدما طلب منه أولاد سلطان المساندة في صدّ الغزو الفرنسي، واصل بومزراق مقاومته للاحتلال الفرنسي إلى أن سقط أسيرًا في 20 جانفي سنة 1872م.

وكان مصير القبائل التي ساندت ثورة المقراني مصادرة املاكها وسجن الآلاف، ونفي أكثر من 500 من الثوار الى جزيرة كاليدونيا الجديدة المستعمرة، وعلى رأسهم بومزراق وسي عزيز ابن الحداد. هذه الثورة كانت الاقصر زمنيا لكنها الأخطر على وجود الفرنسي.

5.    مقاومة أولاد سيد الشيخ:

اعتمد الاستعمار الفرنسي في عملية التوسع وبسط النفوذ العديد من الأساليب كاستغلال نفوذ أسرة أولاد سيدي الشيخ مطية للتوغل في الجنوب، وحينما تيقن الزعماء من خطر هذه السياسة تصدوا له، وأعلنوا الجهاد .وهناك عدة دوافع أخرى دينية وسياسية واقتصادية عجلت باندلاع المقاومة يمكن حصر بعضها في النقاط التالية:

* سياسة المكاتب العربية، إذ تعمد ضباطها إهانة عائلة أولاد سيد الشيخ في منطقة لبيض سيد الشيخ

* إثقال كاهل السكان بالضرائب ، لتحطيمهم ماديا وتفقيرهم

* سياسة فرنسا القائمة على فكرة "فرق تسد " بضرب وحدة الصفوف

* محاولة فرنسا زعزعة نفوذ سي سليمان بن حمزة و الحد من نفوذه.

        نتيجة هذه الأسباب أعلن فيها سي سليمان بن حمزة (أحد أفراد أولاد سيد الشيخ) الجهاد، بعد أن وافقه شيوخ الزاوية واستجاب له عدد معتبر من أتباع وأنصار الطريقة البوشيخية المنتشرين عبر ربوع الصحراء.

وفي يوم 08 أفريل 1864 اندلعت المقاومة بالاغارة على مخيم للجيش الفرنسي في هضبة عوينة بوبكر شرق البيض مما أثار الارتباك والهلع في صفوف القوات الفرنسية، كما انقض سي سليمان على العقيد بوبريط وقتله ، غير أنه تعرض بالمثل على يد الجند الفرنسيين.

          خلف هذا الانتصار أثرا حسنا بين القبائل التي سارعت إلى الانضمام إلى المقاومة، خاصة بعد أن علمت بسقوط العديد من الضباط الفرنسيين ، نذكر منهم العقيد "بوبريتر  Beaupretre" والنقيب "إسنارد" (ISNARD) ونقيب الـمكتب العربي بتيارت والـمترجم "كابيسو" (CABISSOT) ، ونقيب الصبايحية "تيبولت" (THIBAULT) مع ملازمه الأول "بيران" (PERRIN) و ملازم القناصة "بوبيي" (BEAUPIED)..

          وبعد استشهاد سي سليمان بن حمزة بويع سي محمد قائدا، ولصغر سنه استعان بعميه سي الزبير وسي لعلا، وقد عرف عن هذا الأخير الحيوية والحنكة في ادارة المواجهة، بقدرته على التعبئة . كما تدعمت المقاومة يوم 17 أفريل بانضمام قبيلة أولاد شايب من دائرة بوغار تحت قيادة الآغا النعيمي ولد الجديد وحوالي خمسمائة فارس، بعد أن قاموا بهجوم مباغت على معسكر فرنسي، يقوم بمهمة التجسس وجمع الأخبار عن تحركات المجاهدين، وقضوا على الـملازم أحمد بن رويلة وضابطين فرنسيين و11 صبايحيا.

ومن أشهر المعارك التي خاضها سي محمد بن حمزة ، معركة ابن حطب يوم 26 أفريل 1864م ضد فيلق الجنرال "مارتينو (MARTINEAU)  المتجه إلى البيض.

           وفي يوم 13 ماي 1864م وقعت معركة "ستيتن" بين المقاومين بقيادة سي محمد وقوات العدو بقيادة الجنرال "دلينيه" ، فقد فيها المجاهدون العديد من الرجال ، مما جعل سي محمد ينسحب إلى الجنوب ، وتمكن بذلك الجنرال "دلينيه" من الانتقام من السكان العزل.

           استغل المجاهدون ظروف اشتداد الحر، للانقضاض على الـمراكز الفرنسية وتأديب القبائل الموالية للاستعمار فهاجموا فرندة في 12 جويلية 1864لتأديب الخونة، غير أن السلطات الفرنسية عززت مراكزها بتجهيز خمس كتائب منها كتيبة الجنرال "لوقران" و "دلينيه - مارتينو" ، وكتيبة "جوليفي" ولم يحول ذلك من شن هجوم بزعامة سي محمد على كتيبة الجنرال "جوليفي" بعين البيضاء يوم 30 سبتمبر 1864م ، وألحقوا بها خسائر جمة.

لهذا أصدرت الحكومة الفرنسية التعليمات للجنرال "دلينيه" والجنرال يوسف لفك الحصار عن هذه الجهات، وكلفت "شانزي" بمطاردة المجاهدين .

          فخيم الجنرال "دلينيه" بالبيض لمحاصرة المقاومين، ومراقبة تحركاتهم فوقعت معركة غارة سيدي الشيخ يوم 4 فبراير 1865م ، جرح خلالها سي محمد بن حمزة ، وتوفي متأثرا بجروحه يوم 22 فبراير من نفس السنة. خلفه أخاه سي أحمد ولد حمزة، ونظرا لصغر سنه تولى سي بوزيد مهمة تنظيم المقاومة، طوال سنة 1865.و شهدت سنة 1866 عدة اشتباكات ومعارك برز خلالها العقيد "دي كولومب الذي حقق بعض الانتصارات نظرا لخبرته ومعرفته بالـمناطق الصحراوية، من أهمها معركة الشلالة في أفريل 1866.

وبعد سنة 1873 همدت ثورة أولاد سيد الشيخ، إذ أدت سنوات الحرب الطويلة إنشقاق داخل أسرة أولاد سيدي الشيخ، في حين بدأت تبرز في الأفق شخصية الشيخ بوعمامة، الدي سيواصل ما قام به الآباء ولكن بنفس جديد.

6.    مقاومة الشيخ بوعمامة 1881-1908:

تعتبر ثورة بوعمامة من أعنف وأطول الثورات الشعبية التي عرفتها الجزائر، حيث كان منطلقها الزاوية الشيخية ذات النفوذ الروحي والتأثير السياسي الواسع، وكان شعارها رفع راية الجهاد ضد المحتلين، ووجدت في شخصية الشيخ بوعمامة الرجل المناسب لقيادة هذه الثورة لما له من خصال حميدة ومهبته القيادية وإدراكه المخططات الفرنسية والدسائس التي تفرق وحدة المسلمين.

اندلعت ثورة الشيخ بوعمامة -وإسمه الحقيقي محمد بن العربي من أحفاد سيدي ابراهيم بن تاج بن سيدي الشيخ- من عين الصفراء في 22افريل 1881 ، وانتشرت في الجنوب الغربي بواحات منطقة فقيق ببشار لتصل إلى عين صالح والهقار وتبلغ وهران والتيطري، فخاض الشيخ بوعمامة عدة معارك منها معركة الصفيصيفة ومعركة "تازينا" التي وقعت في 19 ماي من نفس السنة شرق الشلالة، وهي عبارة عن فج واسع بين هضبتين أظهر المجاهدون خلال هذه المعركة قدرة كبيرة على القتال وانتصر بوعمامة على أعدائه مما فتح له الباب بالتوجه نحو الشمال، في مسيرة استغرقت 23 يوما.

رغم الموانع الكبيرة التي وضعتها فرنسا أمام جيش بوعمامة، غير أنه قطع أكثر من 730 كلم من الأبيض سيدي الشيخ في 29 ماي 1881 مرورا بشمال البيض إلى فرندة ثم جنوب سعيدة والخيثر، ثم العودة نحو الجنوب وصولا إلى بوسمغون يوم 21 جوان من نفس السنة، مسيرة إقتحم فيها بوعمامة صفوف الجيش الفرنسي عدة مرات، وقام بالإستيلاء على مواشي القبائل الموالية لفرنسا، كما نجح في تجنيد عدد كبير من القبائل وقام بحرق العديد من المنشآت الإستعمارية، خاصة مراكز الحلفاء خلال هذه المسيرة حاولت قبائل أكسال الإلتحاق بثورة بوعمامة لكن السلطات الإستعمارية جندت لها قوة كبيرة بقيادة الرائد بيلان، واندلعت بينهما معركة قارة القشوة بالقرب من قرية أستيتن في 16جوان 1881 وشارك فيها الشاعر محمد بلخير.

 ولما فشلت فرنسا في شل حركة بوعمامة وقمعها، قامت عن طريق العقيد "نڤرييه" بالتحرك من البيض باتجاه الأبيض سيدي الشيخ، وقام بتدمير الزوايا وضريح سيد الشيخ في 16 أوت بعدها انسحب بوعمامة نحو الجنوب واستقر في الدلدول بمنطقة التوات وخاضت قواته عدة معارك منها معركة شط تيقري في 6 أفريل 1882 وقتل فيها الضابطان الفرنسيان "باربي" و"ماسوني".

واصل بعدها بوعمامة انتفاضته وسجل انتصارات عديدة على الجيوش الفرنسية، وفي الصيف اعتصم مع ثواره في أعماق الصحراء ودخل حدود المغرب الأقصى حيث توفي فيه سنة 1908 ودفن بعين الملوك جنوب مدينة وجدة المغربية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمـــــــــــــــة المراجــــــــــــــــع

 

[1] Le  Commandant Du Cheyron, Journal d’un officier ; Bord-Bou-Arreridj pendan l’insurrection de 1871 en Algérie, Henri Plon imprimeur-Editeur, Paris, 1873, p 15.

[2]  ابراهيم مياسي، من قضايا تاريخ الجزائر المعاصر، د م ج، الجزائر، 1999.

[3] Herbillon Emile (Général), Instruction survenue dans le sud de la province de Constantine en 1849 : relation du siége de Zaatcha, Libraire militaire, Paris, 1863..

[4] محمد سي يوسف، مقاومة منطقة القبائل للاستعمار الفرنسي (مقاومة بوبغلة)، دار الأمل، الجزائر، 2000.

[5]  المهدي البوعبدلي، ثورة بوبغلة، منشورات وزارة اليقافة والسياحة، الجزائر، 1985.

[6] Randon César, Alexandre, Mémoire, t1, typographie, Paris, 1875..

[7]  نشأت لالة فاطمة في أحضان أسرة تنتمي في سلوكها الاجتماعي والديني إلى الطريقة الرحمانية .أبوها سيدي محمد بن عيسى مقدم زاوية الشيخ سيدي أحمد امزيان شيخ الطريقة الرحمانية .كان يحظى بالمكانة المرموقة بين أهله ، إذ كثيرا ما يقصده العامة و الخاصة لطلب النصح وتلقي الطريقة ، أما أمها فهي لالة خديجة .

ولدت لالة فاطمة بقرية ورجة سنة 1246هـ/1830م ، لها أربعة إخوة أكبرهم سي الطاهر. وتذكر المصادر التاريخية ما كان للمرأة من خصائص تميزها عن بنات جيلها، من سحر الجمال ورقة الأدب .حيث عند بلوغها السادسة عشر من عمرها زوجها أبوها من المسمى يحي ناث إيخولاف، لكن عندما زفت إليه تظاهرت بالمرض فأعادها إلى منزل والدها ورفض أن يطلقها فبقيت تحت عصمته طوال حياتها .آثرت حياة التنسك والانقطاع والتفرغ للعبادة ،كما تفقهت في علوم الدين و تولت شؤون الزاوية الرحمانية بورجة .وبعد وفاة أبيها وجدت لالة فاطمة نسومر نفسها وحيدة منعزلة عن الناس فتركت مسقط رأسها وتوجهت إلى قرية سومر أين يقطن أخوها الأكبر سي الطاهر ، وإلى هذه القرية نسبت.تأثرت لالة فاطمة نسومر بأخيها الذي ألم بمختلف العلوم الدينية والدنيوية مما أهله لأن يصبح مقدما للزاوية الرحمانية في المنطقة وأخدت عنه مختلف العلوم الدينية ،ذاع صيتها في جميع أنحاء القبائل. توفيت في سبتمبر 1863،عن عمر يناهز 33 سنة. ينظر:بوعلام بسايّح، أعلام المقاومة الجزائرية ضذ الاحتلال الفرنسي (بالسيف والقلم 1830-1954)، مكتبة المهتدين الإسلامية،  2007، الجزائر، ص 152

[08]  يحي بوعزيز، ثورة 1871 (دور عائلتي المقراني والحداد)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978.

[09] Rinn Louis, Histoire de l’insurrection de 1871 en Algérie, jourdan, Alger, 1891.

[10]Pascall et Jourde, Les condamnés politique en Nouvelle-Calédonie : récit de deux évadés,  imprimerie Ziegler et Ce. Genéve, 1876.. 

[10]  الشيخ حمزة بوبكر، المقاومة الشعبية لأولاد سيدي الشيخ، تر: محمد حسين آل سيد الشيخ، (دن)، (د س).

[11]  عبد الحميد زوزو، ثورة بوعمامة 1881-1908، الجزء الأول، ط1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981.

[12] Le  Commandant Du Cheyron, Journal d’un officier ; Bord-Bou-Arreridj pendant l’insurrection de 1871 en Algérie, Henri Plon imprimeur-Editeur, Paris, 1873,..

[13]  ابراهيم مياسي، من قضايا تاريخ الجزائر المعاصر، د م ج، الجزائر، 1999.

[14] Herbillon Emile (Général), Instruction survenue dans le sud de la province de Constantine en 1849 : relation du siége de Zaatcha, Libraire militaire, Paris, 1863, p p 187-191.

[6] محمد سي يوسف، مقاومة منطقة القبائل للاستعمار الفرنسي (مقاومة بوبغلة)، دار الأمل، الجزائر، 2000.

[7]  المهدي البوعبدلي، ثورة بوبغلة، منشورات وزارة اليقافة والسياحة، الجزائر، 1985.

[8] Randon César, Alexandre, Mémoire, t1, typographie, Paris, 1875, pp 193-194.

[09] يحي بوعزيز، ثورة 1871 (دور عائلتي المقراني والحداد)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978.

[10] Rinn Louis, Histoire de l’insurrection de 1871 en Algérie, jourdan, Alger, 1891

[11] .Pascall et Jourde, Les condamnés politique en Nouvelle-Calédonie : récit de deux évadés,  imprimerie Ziegler et Ce. Genéve, 1876.. 

[12]   الشيخ حمزة بوبكر، المقاومة الشعبية لأولاد سيدي الشيخ، تر: محمد حسين آل سيد الشيخ، (دن)، (د س).

[13] عبد الحميد زوزو، ثورة بوعمامة 1881-1908، الجزء الأول، ط1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981

آخر تعديل: الاثنين، 5 مايو 2025، 10:55 AM