ليسانس لسانيات عامّة                                                            مقياس علم الدّلالة / السّداسي السّادس (س6)

المحاضرة السّادسة:

علم الدّلالة ونظرية التّلقّي2

هرميّة التّلقّي ودلالاتها:

                تتشكّل هرمية التّلقّي من عناصر ثلاثة تبنى عليها عملية التّخاطب والتّواصل هي المُلقي المُخاطِبُ، والمتلقّي المخاطَبُ، والخطاب؛ فأمّا المُلْقي فيريد معنى، وليس شرطا أنْ يُفهم في كل موضعٍ، أو أنْ يُظهِر المعنى بجلاء، فقد يشكّله ويعيّنه بطريقة خاصّة قد تكون رمزية يستتر من خلالها المعنى، وهنا يتعيّن على المتلقّي استقبال الخطاب وفهمه، ذلك أنّ الفهم هو الغرض الرئيس من التواصل، فإذا تمكّن من فهم الخطاب من أول قراءة/استقبال ودون بذل أي مجهود تأويلي، فالدّلالة هنا تكون تعيينية. فمثلا كلمة (أمّ)، فإن دلالتها معروفة يتعيّن منها معرفة (الأمّ) بمعنى الوالدة.

                وتلي هذه المرحلة، مرحلة الإدراك، وهنا تنشأ الدلالة الإدراكية لتُشرِك الفهم بالحال القائمة مستعينة بأصول التّخاطب. وتختلف عن الدّلالة التعيينية في كونها تستجيب لمبادئ التواصل وأصول التّخاطب بمعرفة سياقات الكلام ومقاماته، عكس الدّلالة التعيينية التي لا تحتاج استنباطا ولا مرجعا لمعرفة المقصد الدّلالي. فكلمة (أمّ) السابقة يمكن أن يحصل منها إدراك وفهم آخر بحسب الاستعمال والتّداول والاتّفاق التّواصلي الذي يدرك من سياق الكلام، كأن تقول: "الخمر أمّ الخبائث"، هنا يتغيّر المعنى إلى معنى جديد للدلالة على أصل الخبث.

                أما إذا ارتبطت الدّلالة الإدراكية بالعاطفة، فنحن هنا أمام الدلالة الإيحائية، ويقصد بها المعنى العاطفي الزّائد عن المعنى الإدراكي كمعنى (الحنان، والعطف، والتحمل، والقلق، والسعادة، والاطمئنان وغيرها)، وهي بذلك تختلف من فرد لأخر، ووظيفتها التّأثير مادامت مرتبطة بالعاطفة، فمثلا كلمة (اللّيل)، فقد توحي بدلالة (السّهر، والقلق، والخوف، والسّكون، والاضطراب، والمعاناة وغيرها) كما في قول امرئ القيس:

                                                 وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله *** عليَّ بأنواع الهمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم ليبتلي

                                                 فقلت له لمّا تمطّى بصلبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــه *** وأردف أعجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــازا وناء بكلكل

                                                 ألا أيّها اللّيل الطّويــل ألا انْجل *** بصبْحٍ منك، وما الإصباحُ منك بأمثــــــل

                فالقياس هنا هو الذي يقرّب المتباعد، أي بين اضطراب النفس واضطراب موج البحر، وإرخاء الأستار وظلمة الليل وبطئه، إنه تشكيل لإثبات ما في النّفس من حيرة وقلق، فاللّيل لا يكاد ينقضي، فاستثقله امرؤ القيس واستوحشه لأنه مصدر المعاناة وتذكر المحن والأحزان. فالدلالة الإيحائية هي ما تضفي عليه نفس الإنسان من الأحاسيس والعواطف والمراجع التي تجعل المعنى يزيد وينمو ويتطور، بعكس الدلالة الإدراكية التي هي دلالة مجردة معروفة بالتّواضع. فتغني الشعراء القدامى على الأطلال مثلا، لا يراد منه المكان فقط، وإنما يعكس عواطف الحب عندهم كونه يذكرهم بالمحبوب وبالأيام الخوالي.

                والمتلقّي الذي يتلقى الخطاب، فهو مجبر على معرفة المعنى للتّواصل والحوار، وقد يجبر على معرفة أحوال الخطاب ليصير محلّلا، ومن ثمة يمتلك الحق في إعادة إنتاج معاني الخطاب، أو إظهار الدلالات التي كانت محجوبة مستترة عن الفهم، أي يتلقى الدلالة وليس شرطا أن يتوافق مع مقصد المخاطِب دائماً، فقد يتكيّف مع المعطى الدلالي والنّفسي للتّخاطب، وهنا نكون أمام الدلالة المكيّفة التي تقع على عاتق المتلقي عندما يحاول بما أتيح له من وسائل التحليل والتأويل الوصول إلى مقاصد المخاطِب وأغراضه، فإن لم يبلغها، تكيّف مع المراد من المخاطِب، وهذا التّكيّف من مبادئ التأويل المبني على الاحتمال والتوجيه والاستدلال.

                وبخصوص الخطاب، فيبقى ساحة دلالية مليئة بالمفاجآت عندما يحتفظ بجزء كبير من قيمه، وعالمه، ومعالمه، وأفكاره، ومرجعيته الثقافية، وهنا يأتي دور المتلقّي في معرفة هذه الثّقافة، ويكون دوره التّحيين الذي لا يتحقق إلا بوعي المرجع الدّلالي والثّقافي، ومعرفة محتواه الفكري والعاطفي، وهذه هي الدلالة التّحيينية.

                وضمن هذه الهرمية تبدأ المعطيات الدلالية في التّحول والتطور والتّغيّر عندما تُسْتحضَر العوالم الواقعية، وقد تبقى كثير من حقائقها مخبوءة، أو ينشغل عنها المتلقّي العادي، أو يعجز عن الوصول إليها بالنّظر إلى ثقافته ومعرفته، ولا يُتوصّل إليها في الأخير إلا بالتأويل والتحقيق بواسطة أسئلة الفهم التّأويلي الدقيقة، ولكنه مع ذلك يُشترَط المعرفة المشتركة لضمان نجاح الاتصال، لأنّ بُعد المتلقّي عن المواضعة سيغيِّبُ عليه الفهم ويُحدِث الانفصال بين المتخاطبيْن والمتحاوريْن.  

Modifié le: dimanche 4 mai 2025, 23:03