ليسانس لسانيات عامّة                                                            مقياس علم الدّلالة / السّداسي السّادس (س6)

المحاضرة الثّانية:

علم الدّلالة والمعارف الإنسانية 2

علم الدّلالة وتحليل الخطاب

 

                يعرّف معجم اللّسانيات وعلوم اللّغة تحليل الخطاب (Analyse du discours) بأنّه المجال "اللّساني الّذي يحدِّد القواعد الّتي تتحكَّم في إنتاج جملٍ بنيوية."

                وإذا كانت المقاربة اللّسانية، في تحليلها للخطاب، تركّز أساساً على الوظيفة التّواصلية التي تهتمّ بنقل المعلومات نقلاً صحيحاً لضمان نجاح العلملية التّواصلية من خلال  بحثها في "كيفية استعمال النّاس اللّغة أداةً للتّواصل، وكيف يؤلّف المتكلّم رسائل لغويةً يوجّهها إلى المتلقّي، فيقوم هذا الأخير بمعالجتها لغوياً على نحوٍ خاص لتفسيرها"، فإنّ (فان دايك) ومن خلال كتابة (النّص والسّياق:  Text and Context) الذي صدر سنة 1977 م، كان أكثر الباحثين، في هذا المجال، فهماً للعلاقة الحتمية الرابطة بين ثلاثة مجالات معرفية تشتغل جنباً إلى جنب والتي يجب على محلّل الخطاب ألّا يغفل عن أحدها  وهي: الدّلالة، والتّداولُ، والخطاب، ولعلّ، في الخطاطة التالية، توضيح لذلك:

 
   

 

   التّرابـــــط       الانسجام      البنيات الكّلّية                السّياقات والأفعال الكلامية        تداوليات الخطاب       الأفعال الكلامية الكلّية  

 

                ولعلّ الذي يهمّنا من هذه الخطاطة هنا هو جانب البنية الدّلالية للخطاب التي تعتمد أساساً على بنيات جزئية وأخرى كلّية يمثّلها ( التّرابط، والانسجام، والبنيات الكلّية).

                وقد ارتكز (فان دايك)، في تحليله للخطابات على مظهر (التّرابط) الذي لا يشير إلى العلاقات التّركيبية داخل الجمل فحسب، بل أيضاً إلى تلك العلاقات الرّابطة بينها والتي تنعكس على مقبولية النّصّ، أو قلّة مقبوليته، أو انعدامها، ومن شأن الجمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــل التّالية أنْ توضّح ذلك:

أ – سالم أعزب، فهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو إذنْ غير متزوّج.

ب – سالم أعزب، فقد باعَ كثيراً من الفاكهة.

ج – سالم أعزب، فقد تساقطت كثيراً من الثّلوج اليوم.

                فالملاحظ أنّ الجملة الأولى مقبولة دلالياً، والثّانية أقلّ مقبوليةً منها، بينما الثالثة غير مقبولة دلالياً بالرّغم من أنها سليمة التّركيب لسانياً. ويبيّن هذا التقسيم الثلاثي عند (فان دايك) مدى إدراكه لأهمية الجانب الدّلالي في ترابط النّصّ، فمفهوم (أعزب)، في الجملة الأولى، يتطابق دلالياً مع مفهوم (غير متزوّج)، بعكس قلة التطابق في الجملة الثانية بين مفهوم العزوبية وبيع الفاكهة، وانعدامه تماماً في الجملة الثّالثة، إذْ ليست هناك أية علاقة بين العزوبية وتساقط الثّلوج.

                أمّا بخصوص البنية الدّلالية الثانية والمتمثّلة في (الانسجام)، فالوقوف عليها يحتاج إلى تحديد نوع الدّلالة المساهمة في الانسجام بين الجمل، وهي دلالةٌ نسبية دائماً، بمعنى أنّه لا يمكن تأويل الجمل أوالقضايا بمعزل عن الجمل والقضايا السابقة عليها، فالعلاقة بين الجمل محدّدة بالنّظر إلى التّأويلات النسبية.

                أمّا عن البنية الدّلالية الثّالثة التي هي (البنيات الكلّية)، فيربطها (فان دايك) مباشرة بموضوع الخطاب بِعَدِّه بنيةً دلاليةً بواسطتها يتحقّق الانسجام في الخطاب، فهو أداة إجرائية بها يمكن مقاربة البنية الكلّية للخطاب التي تتحقّق بوجود جملٍ متعدّدة ومتنوّعة تعبّر بشكلٍ مباشرٍ عن قضايا كلّية.

                ومنه، فالعلاقة بين علم الدّلالة وتحليل الخطاب تتعيّن وتتحدّد على مستوى مقاربة المعنى، فتحليل الخطاب يبدأ من أصغر وحدة لسانية دالّة التي هي الكلمة، ثم ينتقل إلى تحليل الجمل على اعتبار كونها سلسلة مترابطة من الوحدات الدّالة، لينتقل إلى الخطاب كبنية كلّية، فأهمية علم الدلالة واضحة في تحليل الخطاب ومقاربته، فهي التي تمده بالمفاهيم والدلالات المناسبة للتحليل والتّفسير.

Modifié le: dimanche 4 mai 2025, 22:57