الدرس الثاني: اضطراب الوسواس القهري

1. تعريف اضطراب الوسواس القهري: تعرفه المنظمة العالمية للصحة على أنه:

 "مجموعة من الأفكار الوسواسية المتكررة أو الأفعال القهرية. الأفكار الوسواسية هي الأفكار أو الصور أو الدوافع التي تدخل في عقل المريض مرارًا وتكرارًا بصورة نمطية. تكاد تكون مؤلمة فدائما يحاول المريض دون جدوى مقاومتها. ومع ذلك فهي معترف بها كأفكاره الخاصة على الرغم من أنها لا إرادية وغالباً ما تكون بغيضة. الأفعال القهرية أو الطقوس هي السلوكيات النمطية التي تتكرر مرارا وتكرارا،  فهي ليست ممتعة ولا تؤدي إلى إكمال المهام المفيدة بطبيعتها. وتتمثل وظيفتها في منع بعض الأحداث غير المحتملة بشكل موضوعي، والتي غالباً ما تنطوي على ضرر أو يسببها المريض، وهو ما يخشى أنه لن يحدث خلاف ذلك. عادة يتم التعرف على هذا السلوك على أنه غير ضروري أو غير فعال ويتم إجراء محاولات متكررة لمقاومتة. القلق موجود دائما. " (ICD-10, 2014) في (Victoria Bream et coll, 2017 :1-

2 المعايير التشخيصية 300.3 (F42) حسب DSM V (A.P.A, 2013 :237 ;2015 :301-302):

أ. وجود الوسواس، أو الوسواس والقهر:

يتم تحديد الوسواس بواسطة (1) و (2):

 1. الأفكار المتكررة والمستمرة أو الصور أو الدوافع التي تظهر بشكل ملح والتي يتم تجربتها في وقت ما أثناء الاضطراب، على أنها دخيلة وغير مرغوب فيها، وتسبب عند معظم الأفراد قلقا أو ضيق شديد.

2. يحاول الفرد تجاهل أو قمع مثل هذه الأفكار أو الدوافع أو الصور أو تحييدها بفكر أو عمل آخر (أي عن طريق القهر).

يتم تحديد القهر بواسطة (1) و (2):

1. السلوكيات المتكررة (مثل غسل اليدين أو الطلب أو الفحص) أو الأفعال العقلية (مثل الصلاة أو العد أو تكرار الكلمات بصمت) التي يشعر الفرد أنها مدفوعة لرد الوسواس أو وفقا للقواعد التي يجب تطبيقها بشكل صارم.

2. السلوكيات أو الأفعال العقلية تهدف إلى منع أو تقليل القلق أو الضيق، أو منع بعض الأحداث أو الأوضاع المخيفة، ومع ذلك لا ترتبط هذه السلوكيات أو الأفعال العقلية ولا علاقة لها بما يقترحون تحييده أو منعه، أو أنها مفرطة بشكل واضح.

ملاحظة: قد لا يتمكن الأطفال الصغار من توضيح أهداف هذه السلوكيات أو الأفعال العقلية.

ب. تستنفد الهواجس (الوساوس) أو الإكراهات (القهر) وقتا طويلا (على سبيل المثال، تستغرق أكثر من ساعة يوميا) أو تسبب ضائقة كبيرة أو ضررا في المجالات الاجتماعية أو المهنية أو غيرها من المجالات المهمة.

ج. لا تعزى أعراض الوسواس القهري إلى التأثيرات الفيزيولوجية لمادة ما (على سبيل المثال، تعاطي مخدر، دواء) أو حالة طبية أخرى.

د. لا يمكن تفسير الاضطراب بشكل أفضل من أعراض اضطراب عقلي آخر (على سبيل المثال، القلق المفرط كما هو الحال في اضطراب القلق المعمم،  الانشغال بالمظهر، كما هو الحال في اضطراب تشوه الجسم،  صعوبة في التخلص أو الفراق مع الممتلكات، كما هو الحال في اضطراب الاكتناز،  نتف الشعر، كما هو الحال في اضطراب نتف الشعر (trichotillomaniaحك وقشط الجلد، كما هو الحال في (dermatillomania) [قشط الجلد المرضي]؛ الحركات النمطية كما هو الحال في اضطراب النمطية الحركية؛ سلوك الأكل الطقوسي أو القهري كما هو في اضطرابات الأكل،  الانهماك بالإدمان على المواد أو القمار، كما في الاضطرابات المرتبطة بالمواد والادمان،  الانشغال بمرض ما، كما هو الحال في اضطراب القلق بحدوث المرض،  الدوافع الجنسية أو التخيلات الجنسية المنحرفة، كما هو الحال في الانحرافات الجنسية؛ الاندفاعية  كما هو الحال في اضطرابات التخريب، والتحكم في الاندفاعات كما في اضطرابات السيرة السلوكية؛ والإجهاد بالشعور بالذنب  كما هو الحال في الاكتئاب الشديد؛ أو الفكر أو الانشغالات الهذيانية  كما هو الحال في طيف الفصام وغيره من الاضطرابات الذهانية؛ أو السلوكات النمطية المتكررة  كما هو الحال في اضطراب طيف التوحد).

3-    ويبدأ اضطراب الوسواس القهري إما قبل سن العاشرة (العصاب عند الطفل) او في مرحلة البلوغ المتأخرة أو الرشد المبكر. ويعتبر اضطراب الوسواس القهري اضطرابا مزمنا.

    وقد قسم "Ruth" اعراض الوسواس القهري الى قسمين: الافكار القهرية والافعال القهرية:

أ- أعراض الافكار القهرية:

* سيطرة النظام وحب الروتين والجدية المفرطة وعدم التسامح والمثالية والاهتمام بشؤون النظافه كغسل اليدين المتكرر.

* الاحساس والشعور بعدم الطمأنينة وعدم الحيد عن المألوف والبطء الزائد في العمل حيث يشك المريض في كل شيء ويكون كثير التردد وكثير المراجعة.

* كثرة الاهتمام بالصحة العامة ومواعيد قضاء الحاجة الطبيعية والخوف من الجراثيم والميكروبات والقذارة والعدوى، الامر الذي يدفعه الى تطهير يديه بالكحول او تجنب مصافحة الاخرين.

ب- أعراض الأفعال القهرية: تشمل أفعال النظافة ، تكرار الطقوس والعد والترتيب، النظام التجميع والتخزين.

* التكرار القهري الذي يشكل عائقا في تكيف صاحبه ويسبب له القلق والصراع والتعطيل الجزئي او الكلي للوظائف ويشكل عائقا بينه وبين اشباع حاجاته.

* الافعال القهرية المتتابعه يقوم المريض بسلسة من الافعال بتتابع واذا حاول تغييرها او مخالفتها (مقاومتها) فإنه يشعر بضيق شديد وقلق متنام.

* النظام القهري: وهو اتباع نظام لا يحيد عنه، غالبا ما توجد هذه النظم في الامور الحياتية اليومية فهو يرتب كتبه وملابسه على نحو معين، يدخل في هذا النوع ايضا الافعال القهرية المتعلقة بالتدقيق الشديد في ادارة المنزل.

* الافعال القهرية المناهضة للمجتمع (السيكوباتية) وتضم الافعال القهرية التي تلم على المريض بضرورة تنفيذها ومن بينها: السرقة القهرية، اشعال الحرائق.

أسباب الوسواس القهري:

1- الاسباب الفيزيولوجية: ان الاسباب الفيزيولوجية لاضطراب الوسواس القهري تبقى عبارة عن فرضيات توضح لنا خلفية هذا الاضطراب، سنحاول التطرق اليها كالآتي:

- الفرضيات الوراثية: فقد تم البرهنة على هذه الفرضية في عدة دراسات، وخاصة دراسة التوائم عند "كاريوت" و "جوتسمان" فقد أكدا على الدور الذي يلعبه العامل الوراثي في حدوث الاضطراب الوسواسي. وقد وجدت عدة احصائيات في هذا المجال أثبتت (بنسبة 45% الى 50%)أن الوساوس تنتقل من الآباء الى الابناء .

- النظام التشريحي للجهاز العصبي: وضع هذه الفرضية اسكرول (Esquirol) سنة 1838 ، بان اعراض اضطراب الوسواس القهري هي نتيجة الاضطرابات في الوظيفة العصبية، وخاصة في الامراض التي تشترك فيها الاعراض مع اضطراب الوسواس والتي تظهر لهم اشكال طقوسية وافكار وسواسية. ومن جهة اخرى لوحظ ان بعض المصابين بالاضطراب يستجيبون للعلاج الدوائي . هذا وقد اكتشفت هذه البحوث ان استخدام الصور بالرنين المغناطيسي (I.R.M) ان لاضطراب الوسواس القهري علاقة باضطراب الفص الجبهي وخاصة تحت القشرة ولاانوية الدماغية والسرير البصري، فوجدوا ان هذه المناطق تسارع في عملية الايض، وهي تؤدي الى فرط النشاط الحركي.

- النواقل العصبية: يتصدر معظم الكلام اليوم عن الناقل العصبي "السيروتونين - Serotonin" فقد تبين ان اضراب -نقص- نسبة النواقل العصبية في الفراغات الموصلة بين خلايا الدماغ واهما مادة السيروتونين وهي المادة الاهم في اضطراب الوسواس القهري، يؤدي الى الكثير من الاضطرابات على غرار الوسواس القهري، الاكتئاب، السلوك العدواني وامراض القلق الاخرى.

- الجهاز الهرموني: الغدة النخامية الخلقية، لاحظ الباحثون ان لها علاقة مع اضطراب الوسواس القهري، فمن حيث الجانب العصبي لديها دور في استرجاع الذاكرة وكذلك سلوكيات النظافة وهذا ما ادى الى التفكير ان هناك جزء مرتبط بالوسواس القهري وكذلك هرمون ال (Ocyticines) الذي يفرز من الغدة النخامية ويؤثر على الجانب المعرفي، فيظهر الشك المرضي المترافق مع السلوكيات القهرية. وذلك بعد تجربة تخريب وظيفة (Ocyticines) للحيوانات مما ادى الى ظهور سلوك التنظيف المتكرر، وهذا ما ادى الى ربطه بوساوس العدوى عند الانسان.

2- الاسباب السلوكية:

    عندما يكتشف شخص ما ان افعالا معينة تقلل من القلق المصاحب لفكرة وسواسية يطور المريض هذه الافعاال التجنبية (أي يتجنب المثير المقلق) فيحدث تثبيت لهذا التجنب. الان نستطيع القول ان الوسواس القهري ليس للمريض مسؤولية في حدوثه بل هي مسئولية مخه، كما هو الحال في مرض السكري فليس ذلك خطأ المريض بل هي مشكلة من غدة البنكرياس.

    وهناك ايضا عامل التنشئة الاجتماعية الخاطئة والتربية الصارمة المتسلطة، بالاضافة الى تقليد سلوك الوالدين او الكبار الذين لديهم الوسواس القهري. هذا ويفسر بعض المحللين النفسانيين ان سبب الاصابة بالفعل القهري يعود الى الطفل الذي لم يستطع التغلب على تعلقه الطفولي بوالديه مما يبعث على محاولة العقاب لا شعوريا للنفس.

3- الاسباب النفسية:

    لم تثبت بصورة قاطعة العلاقة بين الوسواس القعري والشخصية الوساسية، فمعظم مرضى الوسواس القعري لم يعانوا في بداية حياتهم او قبل المرض من سمات الشخصية الوسواسية، اذن هناك عوامل نفسية تحدث للمريض قبل اصابته بالمرض منها:

- الحوادث والخبرات السابقة

- الصراع بين الخير والشر في الفرد، ووجود رغبات لاشعورية متصارعة تجد التعبير عنها في صورة فكر الوسواس والفعل القهري

- الخوف وعدم الثقة في النفس والكبت

- الشعور بالإثم والغلطة وعقدة الذنب وتأنيب الضمير، وسعي المريض لا شعوريا الى عقاب ذاته فيصبح السلوك القهري بمثابة تفكير رمزي او راحة للضمير

- الاحباط المستمر في المجتمع، والتهديد المتواصل بالحرمان وفقدان الشعور بالأمن

4- الاسباب البيئية والاجتماعية:

    هناك العديد من عوامل الضغط البيئي التي يمكنها ان تسبب الاصابة بالوسواس القهري لدى الاشخاص ذوي الميل للاصابة بهذا الاضطراب، ومن بينها:

- التعرض للتعذيب، تغيرات او مشاكل قد تواجه الشخص في العمل او التعليم

- تغير ظروف الحياة، القلق على العلاقة الزوجية.

- الامراض المعدية

- فقدان احد الاشخاص المقربين موت او انفصال

Last modified: Wednesday, 23 April 2025, 8:47 PM