الدرس الاول: عصاب القلق

تمهيد:

    إن مسالة القلق تقع أساسا بين ما هو عادي وسوي وبين ما هو مرضي وشاذ، فهو ينطلق من اللامبالات وصولا إلى أعلى درجات القلق المصحوبة بالهيجان وحالة من التوتر أو حتى نوبات الهلع، لكن القلق قد يكون عاديا، فيقلق الطالب حيال اجراء الامتحان واتجاه نتائجه، كما قد نشعر بالقلق اتجاه المواقف الجديدة والغريبة أو المبهمة، وسرعان ما يزول هذا القلق. لكن في بعض الأحيان يتعدى القلق المستوى العادي أو ينخفض عن عتبته. فيصبح يمثل شكلا شاذا من أشكال القلق.

أولا: تعريف القلق:

    يعرفه ايزاك .م. ماكس (1978: 31): القلق هو الانفعال الذي نشعر به عندما نجد أنفسنا محاصرين في ركن ضيق، إننا نشعر حينئذ بأننا مهددون على الرغم من أن مصدر التهديد قد لا يكون دائما واضحا لنا. إن الشعور بالخطر مرتبط بالشعور بالخوف والانفعالات المماثلة.

    كما يعرفه صموئيل حبيب (1992: 09) على أنه: حالة وجدانية تتملك الإنسان ترتبط بشيء غير واضح، قد يكون موجود أو غير واضح، تسبب له كثيرا من الكدر والضيق والألم. فالقلق يصور حالة كدر ووهم تسيطر على صاحبها بسبب مخاوف قادمة، قد تكون قائمة أو قد تكون غير موجود كلية.

    كما يعرفه (Robin M. Kowalski, 209 ) على أنه حالة انفعالية تتميز بزيادة نشاط الجهاز العصبي الذاتي وعلى وجه التحديد تفعيل الجهاز العصبي الودي (زيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم والتنفس وشد العضلات). مصحوبة بمشاعر ذاتية من التوتر. ومعرفية التي تنطوي على الكدر وانشغال البال والهم. على الرغم من أن التجربة الذاتية للقلق لا يصاحبها بالضرورة سلوكيات معينة، إلا أن المؤشرات السلوكية غالبًا ما تكون موجودة. مثل ضعف الكلام، وتجنب الموضوع أو الحدث، الشلل، أو الرعاش التي يمكن ملاحظتها(Alan E. Kazdin).

ثانيا:  القلق العادي:

    إن القلق العادي هو الذي يتميز بشدة معتدلة (التغيرات الفيزيولوجية تكون وفق عتبة المثير)، وبمدة معقولة (يعني مدة زمنية تتوافق مع الموضوع المقلق وتتزامن معه أو مع انتظاره)، وبمواضيع وأحداث يكون الكدر فيها والخوف منطقيا وواقعيا ويتماش مع الثقافة الاجتماعية وجنس وعمر الفرد، كما أنه يتميز بأفكار عقلانية اتجاه القلق والخوف عينه والمواضيع والاحداث المسبب له ويكون فيها انشغال البال والكدر معتدل نسبيا وليس كارثيا.

فإن الخوف والقلق المعتدلين والخفيفين يمكن أن يكونا في الواقع مفيدين كوظيفة نفسية انفعالية(القلق الانفعالي التكيفي- Adaptive emotionanxiety)، إذ إنهما يؤديان إلى فعل سريع في مجابهة التهديد، ويساعداننا على أن نكون متيقظين في المواقف الصعبة، كما انهما يصاحبان عادة بعض الأنشطة مثل أداء الامتحانات أو إجراء المسابقات أو حتى بعض المواعيد، فهناك قدر أمثل من الخوف لكي يؤدي إلى جودة الأداء. فإذا كان قليلا جدا فإننا قد نتعرض لخطر الإهمال، وإذا كان كثيرا جدا فإننا قد نصبح مرتبكين أو مشلولين بسبب الخوف والقلق (ايزاك.م. ماكس، 1978: 40-41). كما أنه يفيد في حل المشكلات فذلك الخوف والقلق المصاحب لمشكلة ما يدفع الانسان وبشكل متوتر إلى حل المشكل والبحث عن مخرج له. ليس هذا فقط حتى في المواقف الصعبة والشديدة والتي يصاحبها خوف وقلق شديدين فإن التغيرات الفيزيولوجية التابعة للقلق تعطي للإنسان دفعة هرمونية وعصبية قوية مما تسمح له بمواجهة أو تجنب الموقف مثل القتال بشراسة (عند الجنود) أو الهرب بعيدا وبسرعة عند مواجهة خطر موت محتم.

ثالثا: القلق المرضي:

    على نقيض القلق العادي نجد القلق المرضي والذي يعتبر قلق داخلي غامض وغير محدد المعالم، تختلف شدته وعمقه من شخص لآخر، فيجهل الفرد مصدر قلقه، كما أن سلوكياته وردود أفعاله لا تأتي استجابة على عوامل ومسببات معينة بل على تهديدات غامضة وشاملة أو على مواضيع لا تحمل في طياتها الخوف والقلق أو يعطيها أكثر من حقها فتأتي الاستجابة قوية وشديدة إلى درجة الهلع أو الجمود.

كما قد يلاحظ على أن رد الفعل يكون بطريقة عشوائية، وأن السلوك يكون عادة فوضويا لا يقضي على القلق بل قد يزيد في سيطرته وتمكنه. كما أن القلق المرضي يصبح سلوكا ملازما لصاحبه أو يأخذ زمان أكثر مما يستحقه الموضوع أو الحدث فيصير مشغول البال ومهموم ومكدر. ويترك آثارا سلبية ويحدث تغييرات هامة في حياة الفرد، فيصبح الفرد عصبيا يتوجس خيفة من أشياء لا تخيف عادة الناس، أو يصبح مشغول البال بمواضيع لا تثير هم الناس عامة، فهو في حالة استثارة وتحفيز مستمرين (الأزرق بن علوّ، 2003: 89-90).

 

رابعا: القلق كعرض:

يعتبر القلق من بين الأعراض الأكثر انتشارا في الجداول العيادية، على غرار كونه تصنيفا قائما بذاته لمجموعة من الاضطرابات، وعلاوة على ذلك نجد القلق في معظم الاضطرابات النفسية أو على الأقل كعرض مصاحب لها. 

خامسا: القلق، الخوف والتجنب:

    لكي يتخلص المرضى من قلقهم، فإنهم يتجنبون المواقف التي تثير خوافهم، كما يحددون نشاطهم وأعمالهم اليومية، إنهم دائما في حالة ترقب، ويصبحون حساسين جدا لوجود أي شيء حولهم تكون له علاقة بخوافهم. إن السيدة التي تعاني خواف العناكب سوف تنظر في أرجاء أي غرفة تدخلها باحثة عن علامات تدل على وجود عناكب قبل أن تجلس مرتاحة البال. ولكي يتجنب المريض الموضوع المثير لخوافه، فإنه يقوم بالبحث عنه باستمرار (ايزاك.م. ماكس، 1978: 47). فيصبح التجنب سلوك تكيفي يتكيف به الفرد بصورة مختلة الوظيفة مع قلقه أو خوفه من الموضوع، وذلك لأن التجنب يشعر الفرد بالارتياح هربا وابتعادا عن المواضيع المخيفة.

سادسا: المظاهر الفيزيولوجية للقلق:

    للقلق مظاهر جسدية تتجلى في التغيرات العصبية إثر ردة الفعل التحذيرية للجهاز العصبي، فيعطي الجهاز العصبي الذاتي تحذيرات إما حقيقة أو خاطئة حول الموضوع المقلق والمخيف، فتقوم التغيرات الفيزيولوجية التي تمس الوظائف الحيوية قصد تسريع نشاطها للمواجهة أو التجنب (الهرب)، فتزداد ضربات القلب ويرتفع الضغط الدموي، كما تتسارع عملية التنفس مما يشعر الفرد بالاختناق أو وجود كرة بالحلق والتهوية الزائدة إثر التنفس بشكل سريع ومفرط، ويزداد احتراق السكري بالدم، كما يشعر الفرد بارتفاع الحرارة والتعرق وأحيانا الشعور بالغثيان والدوار وضبابية النظر ووجود كرة بالبطن، كما تتصلب وتنقبض عضلاته فيشعر بالتشنج والتنمل والارتعاش وثقل الأطراف (David H. Barlow, 2014).

Ø    أعراض القلق:

    الأعراض الجسدية: وتشمل الضعف العام ونقص الطاقة الحيوية والنشاط والمبادرة، والتوتر العضلي والنشاط الحركي، والتعب والإرهاق الحسي والحركي، والصداع، الأرق، تصبب العرق وارتعاش وتنمل الأطراف، وسرعة ضربات القلب، والإحساس بضيق في التنفس والاختناق وآلام الصدر، وارتفاع الضغط الدموي وزيادة حرارة الجسد، والشعور بالدوار والغثيان، وعسر الهضم مصحوب بالانتفاخ المعوي والشعور بكرة في البطن، مع فقدان الشهية وتراجع في الوزن، واضطراب الوظيفة الجنسية (القذف السريع عند الرجال والبرودة الجنسية واضطراب الدورة الشهرية عند النساء.

    الأعراض النفسية: وتشمل القلق العام على الصحة والعمل والمستقبل، والعصبية والتوتر العام والشعور بعدم الراحة، والحساسية النفسية الزائدة وسهولة الاستثارة والهيجان وعدم الاستقرار، والخوف بصفة عامة الذي يصل إلى درجة الهلع والشك والارتباك والتردد في اتخاذ القرارات، والهم والاكتئاب العابر، والتشاؤم والانشغال بأخطاء الماضي وكوارث المستقبل، وتوهم المرض والشعور بقرب النهاية والخوف من الموت، وضعف الانتباه والتركيز وشرود الذهن واضطراب قوة الملاحظة، وضعف القدرة على العمل والإنتاج والانجاز والمبادرة، وسوء التوافق الاجتماعي الأسري والمهني (حامد عبد السلام زهران، 2005).

آخر تعديل: الأربعاء، 23 أبريل 2025، 8:42 PM