غالبا ما يتم تقسيم التاريخ الأوروبي إلى عصور يفصل بينها تغير الأحداث من عصر إلى آخر، حيث تكون تلك الأحداث مشابهة وتحمل سمات مشتركة تميز كل عصر عن الذي يليه.

وسبق للطالب التعرف على أحداث التاريخ الأوروبي القديم في مادة تاريخ الحضارات في السنة الأولى من تكوينه بالتطرق إلى الإمبراطوريات التي نشأت في البحر الأبيض المتوسط في العصور القديمة المتأخرة خاصة اليونان والرومان، وأخذ فكرة عن أوضاع أوروبا في العصر الوسيط من خلال مقياس أوروبا العصور الوسطى في السنة الثانية الذي تعرف من خلاله على أبرز التحولات التي طرأت على الإمبراطورية الرومانية، وذلك بالتعرف على أهم التحولات التي عرفتها  من مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية والفكرية وصولا إلى سقوط روما 476م  على يد القبائل الجرمانية، ودخول أوروبا في مرحلة حملت العديد من المتغيرات التي طرأت على المجتمع الأوروبي أنظمة المختلفة، وهو ما مهد لمرحلة جديدة اصطلح على سميتها النهضة الأوروبية التي هيأت بدورها الأوضاع لتنقل أوروبا من العصور الوسطى تدريجيا إلى العصر الأوروبي الحديث.

ومن خلال هذه المادة  "تاريخ أوربا الحديث" سنسعى لأن يلم الطالب بأوضاع أوروبا في الفترة الحديثة وما حصل فيها من تطورات  ومحاولة ربط ذلك ومقارنته بالعالم الإسلامي (معارف مسبقة)،

وفي نفس الوقت تكوين فكرة عن التحولات التي عرفتها أوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي ومختلف التطورات التي طرأت في الفترة الحديثة والتي أدت إلى ظهور الفكر الاستعماري.

آراء حول نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة:

ظهرت عدة آراء حول بداية العصور الوسطى وفي الوقت ذاته  تعددت الآراء والأفكار أيضا حول نهايتها، فما حدث في المجتمع الروماني خلال القرن الرابع من تغيرات جعلت اسمه يتغير إلى مجتمع العصور الوسطى، فالأكيد أن تغيرات أخرى جعلت بدورها مجتمع العصر الوسيط ينتقل إلى مجتمع آخر هو مجتمع العصر الحديث وهو ما ارتبط بآراء وضعت نهاية للعصر الوسيط نذكر أبرزها:

1-    آراء حول الجوانب الحربية:

يرى بعض المؤرخين  نهاية العصور الوسطى بعام 1453م لارتباطها بحادثتين ذات أهمية بالغة في شرق أوروبا وغربها:

أ‌-       فتح القسطنطينية في شرق أوروبا على يدي الأتراك والقضاء على أنظمة الإمبراطورية البيزنطية والتمهيد لقيام أنظمة جديدة ساهمت في قيام العصر الحديث.

ب‌-   نهاية حرب المائة عام بين فرنسا وإنجلترا في الجانب الغربي من أوروبا وما ترتب عنها من نتائج قومية وفكرية واقتصادية ومعمارية في انجلترا وفرنسا ثم انسحبت على بقية الغرب الأوروبي ما جعل بعض المؤرخين يجعلونها علامة على نهاية العصور الوسطى.

2-    آراء حول عصر النهضة:

كان من أهم مميزات هذا العصر التحرر الفكري في أوروبا والثورة على الجمود الذي ساد الحياة الأوروبية خلال العصور الوسطى، وكانت ميزة هذا العهد حرية الفرد في اختيار  ما يلائم طبيعته وفكره من علوم وثقافة غير  مقيدين بتقاليد الكنيسة وتعاليم رجال الدين الذين سيطروا على العقول والاتجاهات الفكرية في العصور الوسطى.

وقد اشتمل عصر النهضة على تطورات واسعة في كافة المجالات منها اللغة، فبعد أن كانت اللغة اللاتينية أو اللغة الإغريقية هي لغة الكتابة في أوروبا في العصور الوسطى ما يعني أن طائفة معينة هي التي تطلع على الأبحاث العلمية والأدبية فازداد عدد المقبلين على تعلمها وبعد ذلك أظهروا اهتماما بالغا بلغاتهم القومية كالإيطالية والإنجليزية والفرنسية فأصبحت هذه اللغات غير قاصرة على التخاطب والتفاهم بل أصبحت لغة البحث والتأليف من ذلك ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات القومية بعد أن كانت سرية يحتفظ بها رجال الدين فقط، إلى جانب ما كتبه دانتي اليجيري (1265- 1321)م مؤلف الكوميديا  الإلهية كتبها باللغة الإيطالية والشاعر الإنجليزي جوفري تشوسر (1340- 1400) م الذي  يعتبر أبرز شعراء الإنجليز قبل شكسبير والشاعر بيترارك (1304- 1374)م بملحمته (إفريقيا)  وكتاب (الأغاني) بالإيطالية.

 كما يسجل في عصر النهضة التقدم في الفنون الجميلة ومن أبرز الفنانين ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو ورفائيل، كما تأثرت العمارة بحركة أحياء العلوم والفنون ولم تكن مجرد تقليد للقديم وأدخلت العناصر النباتية والهندسية إلى فن العمارة وكانت فلورنسا أول المدن  التي شهدت هذا التطور ثم انتقلت إلى باقي المدن الإيطالية.

3-    آراء مرتبطة بالجانب الديني:

من أهم معالم العصور الوسطى سيطرة تعاليم الكنيسة فكان الخروج على أفكارها نقلة من مرحلة إلى مرحلة أخرى والحقيقة أن حركة الإصلاح الديني بدأت بمهاجمة رجال الدين الذين ابتعدوا عن مثل المسيحية وبساطتها نهاية العصور الوسطى وقد أثر هذا الأمر في مكانة الكنيسة منذ القرن الرابع عشر الميلادي وأشهر  من نادوا بالإصلاح الديني في هذه المرحلة  يوحنا هس (1373- 1415)م، والمصلح البوهيمي يوحنا وكليف (1330- 1384)م، المصلح الذي أنكر سلطة البابا إذا تعارضت مع تعاليم الكتاب المقدس وكان مصيرها الاتهام بالهرطقة والإعدام حرق.

 

والأكيد أن هذين المصلحين مهدا الظهور لدعوة مارتن لوتر الذي أعلن بتاريخ 31 أكتوبر 1517م هجوما على الفساد الذي كان يسود الكنيسة الكاثوليكية وبخاصة بيع صكوك الغفران  وهو ما ترتب عنه ترك أعداد كبيرة من الأوربيين للمذهب الكاثوليكي وظهور مصلحين آخرين أمثال جون كالفن و أولريخ زونجلي.

4-    حركة الكشوف الجغرافية:

يتخذ أصحاب هذا الرأي سنة 1492م نهاية العصور الوسطى لما ترتب عن الكشوف الجغرافية من نتائج  في المجالات السياسية والاقتصادية بصفة خاصة، فقد اشتد التنافس الاستعماري من أجل الاستحواذ على المناطق  الجديدة وما ترتب عن استعمار إسبانيا للمكسيك وبيرو  من تدفق الذهب والفضة من هذه المناطق الغنية بهذه المعادن النفيسة إلى أوربا وهو ما أدى إلى انتعاش التجارة وارتفاع مستوى المعيشة وسيطرة البرتغال على تجارة الشرق الأقصى بعد كشف طريق رأس الرجاء الصالح عام 1498م وتم ربط آسيا بأوربا بواسطة طريق مائي جديد فسيطروا على تجارة التوابل والعاج والحرير والسكر ونقلها إلى غرب أوربا وهو ما أدى إلى فقدان مدن وثغور غرب البحر الأبيض المتوسط لأهميتها الاقتصادية.

هذه بعض الآراء المتعلقة بتحديد نهاية العصور الوسطى من خلال بعض الأحداث وما رافقتها من تأثيرات على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والتي أدت إلى تغيير الأوضاع وبالتالي الانتقال من عصر إلى عصر آخر وفقا لتلك التغيرات، وهو ما شهدته أوروبا بالانتقال إلى العصور الحديثة وبداية مرحلة جديدة من تاريخها. 

المراجع:

-محمود سعيد عمران،معالم تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية،  ب.ت.

-نوار عبد العزيز ومحمود محمد جمال الدين، التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، دار الفكر العربي ،مصر، 1999م.

-نعيم فرح، الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى، ط2،منشورات جامعة دمشق، سورية،2000م.

-صلاح احمد هريدي وآخرون ، التاريخ الأوروبي الحديث،مكتبة بستان المعرفة،الإسكندرية، 2008م.

 

آخر تعديل: الخميس، 23 يناير 2025، 3:58 PM