المحاضرة الثانية؛ تصميمات البحث الكمّية  الشّائعة (Popular Reseach Designs)

     يمكن تصنيف تصميمات البحث في اثنين من الفئات التصنيفية التّصميم الوضعي والتّصميم التفسيريـ، اعتماداً على كيفيّة تحقيق الغرض الخاص بها في الأبحاث العلمية.

 تهدف التّصميمات الوضعيّة إلى اختبار النّظرية، في حين تهدف التّصميمات التّفسيرية إلى بناء النّظرية، تسعى التّصميمات الوضعيّة إلى الأنماط المعمَّمة استناداً إلى النّظرة الموضوعيّة للواقعية، في الوقت الذي تسعى فيه التصميمات التفسيرية إلى التفسيرات الذاتية فيما يتعلق بالظواهر الاجتماعية من منظور الأفراد المشاركين في الدراسة. تشتمل بعض الأمثلة الشائعة للتصميمات الوضعية على كلٍّ من التجارب المعملية (laboratory experiments) والتجارب الميدانية (field experiments) ودراسات المسح الميداني (field survey) وتحليل البيانات الثانوية (secondary data analysis) وكذلك بحث الحالة (case research) في حين تنطوي الأمثلة عن التّصميمات التّفسيرية على بحث الحالة (case research) وعلم الظواهر (phenomenology) وكذلك الوصفيّة .(ethnography) من الملاحظ أنّه يمكن استخدام بحث الحالة في بناء النّظرية أو اختبار النّظرية، ولكن ليس في الوقت نفسه. كما لا تناسب جميع الأساليب التقنية كل أنواع البحوث العلميّة، ففي الوقت الذي تعتبر فيه الأساليب التّقنية مثل مجموعات الترّكيز(focus groups) من أفضل التّقنيات التي يمكن استخدامها للبحوث الاستكشافية(exploratory researches) هناك أساليب أخرى مناسبة للبحوث الوصفيّة (descriptive research)، ولا يزال هناك أساليب تقنية أخرى مثل التجارب المعملية التي تعد مثالية بالنسبة إلى البحوث التفسيرية (explanatory research). فيما يلي وصف موجز لبعض هذه التصميمات. يوجد هناك العديد من التفاصيل الإضافية حول هذا الموضوع واردة في الفصول من الفصل التاسع إلى الفصل الثاني عشر.

يتم تعريف الدّراسات التّجريبيّة (Experimental studies) بأنّها تلك الدّراسات التي تهدف إلى اختبار العلاقات الموجودة بين السّبب والنّتيجة (الفرضيّات) في البيئة التي تمّ السّيطرة عليها بشدّة عن طريق فصل السّبب عن النّتيجة في الوقت المناسب، وعزو السّبب إلى مجموعة واحدة من الأفراد وهي »مجموعة المعالجة- «treatment group وليس إلى مجموعة أخرى » المجموعة الضّابطة- «control group إلى جانب ملاحظة كيفيّة تباين التأثيرات الأساسيّة بين الأفراد الموجودين في هاتين المجموعتين. فعلى سبيل المثال، إذا قمنا بتصميم تجربة معمليَّة لاختبار كفاءة وفاعليّة الدواء الجديد في معالجة مرض معين، يمكننا آنذاك الحصول على عينة عشوائية من الأشخاص الذين يعانون من هذا المرض، والقيام بتوزيع هؤلاء الأشخاص بطريقة عشوائية على مجموعة واحدة أو مجموعتين (مجموعة المعالجة والمجموعة الضابطة)، إلى جانب القيام باستخدام الدواء مع الأفراد الموجودين في مجموعة المعالجة، لكن يتم إعطائهم جرعة وهمية من الدواء (على سبيل المثال، حبة سكر لا تحتوي على أية قيمة دوائية). يمكن أن تشتمل العديد من التّصميمات الأكثر تعقيداً على مجموعات معالجة متعدّدة مثل الجرعات المنخفضة في مقابل الجرعات العالية من الدواء، وكذلك الأساليب العلاجيّة المتعدّدة مثل الجمع بين إعطاء الدّواء والتّدخلات الغذائية. في التّصميم التّجريبي الحقيقي(true experimental design)، يتعيّن توزيع الأفراد بطريقة عشوائيّة بين كل مجموعة على حدة. إذا لم يتمّ اتّباع التّوزيع العشوائي، فمن ثم سوف يصبح التصميم شبه تجريبي .(quasi-experimental

يمكن إجراء التجارب في بيئة مصطنعة أو بيئة معملية مثل إجراؤها في الجامعة (التجارب المعملية) أو البيئة الميدانيّة مثل التي تتمّ في المؤسّسات التّنظيمية حيث تحدث الظّاهرة المبحوثة بالفعل (التّجارب الميدانيّة).

تسمح التّجارب المِعمليّة للباحث بعزل المتغيّرات المبحوثة والتّحكم في المتغيّرات الخارجيّة، الأمر الذي قد لا يكون حدوثه ممكناً في التّجارب الميدانيّة. وبالتّالي، تميل الاستنتاجات المستمدّة من التّجارب المِعمَليّة إلى أن تكون أقوى من حيث الصّلاحية الدّاخلية، ولكن تلك الاستنتاجات المستمدّة من التّجارب الميدانيّة تميل إلى أن تكون أقوى من حيث الصّلاحية الخارجيّة.

يتمّ تحليل البيانات التّجريبيّة عن طريق استخدام الأساليب التّقنية الإحصائية الكمية. تتمثل القوة الرّئيسيّة للتّصميم التّجريبي في الصّلاحية الدّاخلية القويّة الخاصة به نتيجة لقدرته على عزل وضبط واختبار عدد صغير من المتغيّرات بشكل مكثَّف، في حين أن نقطة الضُّعف الأوّلية لهذا التّصميم تتمثل في قابلية التعميم الخارجي المحدود حيث أن الحياة الواقعية غالباً ما تكون أكثر تعقيداً (أي أنّها تتضمَّن الكثير من المتغيِّرات الخارجية) من البيئة المعملية المبتكرة. وعلاوة على ذلك، إذا لم يتمكَّن البحث من تحديد المتغيِّرات الخارجيَّة ذات الصِّلة سلفاً والعمل على ضبط مثل هذه المتغيِّرات، عندئذٍ يمكن أن يؤدّي هذا الافتقار في الضّبط إلى الإضرار بالصّلاحية الدّاخلية ويمكن أن يؤدّي إلى وجود ارتباطات وهميّة.

تعتبر دراسات المسح الميداني (Field Survey) من التّصميمات غير التّجريبيّة التي لا تقوم بضبط أو التّلاعب بالمتغيّرات المستقلّة أو الأساليب العلاجيّة، بل تقوم بقياس هذه المتغيّرات واختبار التأثيرات الخاصة بها عن طريق استخدام الأساليب الإحصائية. تعمل دراسات المسح الميداني بالتقاط العديد من اللّقطات الخاصة بالممارسات أو المعتقدات أو المواقف المأخوذة من العيّنة العشوائيّة للأفراد الموجودة في البيئة الميدانيّة من خلال الاستبيان المسحي (survey questionnaire) أو المقابلة (interview) في قليل من الأحيان.

في دراسات المسح الميداني المستعرضة (cross-sectional) يتم قياس كلاً من المتغيرات المستقلة والمتغيرات غير المستقلة في الفترة الزمنية ذاتها (،(field survey على سبيل المثال؛ استخدام الاستبيان الفردي، في حين أن في دراسات المسح الميداني الطولية (longitudinal field survey)، يتم قياس المتغيرات غير المستقلة في وقت لاحق لقياس المتغيرات المستقلة. تكمن نقاط القوة الخاصة بدراسات المسح الميداني في الصلاحية الخارجية الخاصة بها (حيث يتم جمع البيانات في البيئة الميدانية)، وقدرتها على التقاط وضبط عدد كبير من المتغيّرات، إلى جانب قدرة هذه الدّراسات الميدانيّة على دراسة المشكلة من مجموعة متعددة من وجهات النظر أو عن طريق استخدام النّظريات المتعدّدة. ومع ذلك، ونظراً للطبّيعة غير الزّمنية الخاصة بتلك الدّراسات الميدانيّة، يكون من الصّعب الاستدلال على الصّلاحية الدّاخلية (العلاقات الموجودة بين السّبب والنّتيجة)، وعندئذٍ يمكن أن تخضع دراسات المسح إلى تحيّزات المشارك (على سبيل المثال، يمكن أن يقوم الأفراد بتقديم إجابة »مرغوبة اجتماعياًّ« بدلاً من الإجابة الحقيقيّة الخاصّة بهم)، الأمر الّذي يَضرُّ بالصّلاحية الدّاخلية كثيراً.

يتمّ تعريف تحليل البيانات الثانويّة(Secondary Data Analysis) بأنّه تحليل البيانات التي تمّ جمعها سلفاً وتمّ جدولتها من قبل المصادر الأخرى. يمكن أن تشتمل مثل هذه البيانات على البيانات المستمدة من الوكالات الحكومية مثل إحصائيات التوظيف المأخوذة من المكتب الأمريكي لخدمات العمل أو إحصائيات التنمية حسب الدولة من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو البيانات التي تم جمعها من قبل الباحثين الآخرين (التي غالباً ما يتم استخدامها في الدراسات التحليلية المتعددة) أو بيانات الطّرف الثّالث المتاحة للجمهور مثل، البيانات المالية المأخوذة من أسواق البورصة أو بيانات الوقت الحقيقي للمزادات من موقع .eBay يتناقض هذا الأمر مع الكثير من تصميمات البحث الأخرى حيث تعتبر عملية جمع البيانات الأوّلية للبحث جزءاً من وظيفة الباحث. يمكن أن يكون تحليل البيانات الثّانوية وسيلة فعّالة للبحث حيث أنّ عمليّة جمع البيانات الأوّلية مكلِّفة للغاية وغير ذات جدوى، بالإضافة إلى أنّ البيانات الثّانوية تكون متاحة ومتوفَّرة على مستوى التّحليل المناسب للإجابة على الأسئلة التي يطرحها الباحث. تتمثّل القيود المفروضة على هذا التّصميم في أنّ البيانات يمكن أن يتم جمعها بطريقة نظامية أو بطريقة علمية وبالتّالي تكون غير مناسبة للبحث العلمي، ويرجع هذا إلى أنّ هذه البيانات من المفترض أنّه قد تمّ جمعها لأغراض مختلفة ولن يقوموا معالجة أسئلة البحث المستهدفة على نحو كافٍ بالنسبة إلى الباحثة، بالإضافة إلى أنّ الصّلاحيّة الدّاخليّة تمثّل إشكاليّة إذا كانت الأسبقيّة الزّمنية الموجودة بين السّبب والنّتيجة غير واضحة.

بحث الحالة (Case Research) هو التّحقيق المتعمّق للمشكلة في واحد أو أكثر من البيئة الخاصّة بالحياة الواقعية (مواقع الحالة) على مدى فترة زمنيّة ممتدّة. يمكن أن يتم جمع البيانات عن طريق استخدام مزيج من المقابلات والملاحظات الشّخصية والمستندات الدّاخلية أو المستندات الخارجيّة. يمكن أن تكون دراسات الحالة من الدّراسات الوضعيّة بطبيعتها (بالنّسبة إلى اختبار الفرضيّات) أو من الدّراسات التّفسيريّة (بالنّسبة إلى بناء النّظرية.) تكمن القوّة الخاصّة بأسلوب البحث هذا في قدرته على اكتشاف مجموعة كبيرة ومتنوّعة من العوامل الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة التي من المحتمل أن ترتبط بالظّاهرة المبحوثة التي لا يمكن معرفتها في وقت سابق. يميل التّحليل إلى أن يكون ذات طبيعة نوعية، إلاّ أنه يتضمن سياقاً متّسقاً ودِقّة متناهية. ومع ذلك، يمكن أن تعتمد التّفسيرات الخاصّة بالنّتائج على القدرة التّكاملية وقدرة الملاحظة الخاصّة بالباحث، إلى جانب أن الافتقار إلى الضّبط والسّيطرة يمكن أن يجعل من الصّعب تحديد السّببية ولا يمكن أن تكون النّتائج المستخلصة من الحالة المفردة قابلة للتّعميم بسهولة إلى غيرها من مواقع الحالة الأخرى. يمكن تحسين القابلية للتّعميم عن طريق تكرار ومقارنة التّحليل في مواقع أخرى للحالة في التّصميم المتعدّد للحالة.(multiple case design)

 المراجع؛

[1] Creswell, J. W. (2014). Research design: Qualitative, quantitative, and mixed methods approaches (4th ed.). Thousand Oaks, CA: Sage.

 [2] Hancock, M. (1998). The social work profession: Now and in the next ten years. Social Work Review, 10(4), pp.2-5.

[3]  تشارلين هيس وبيبر باتريشيا ليفي (2011)، البحوث الكيفية في العلوم الاجتماعية، تر: هناء الجوهري، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر


آخر تعديل: الأحد، 16 مارس 2025، 11:30 PM