باعتبار أن الإدارة تضطلع بالوظيفة في الدولة، من أجل إنجاز و تحقيق أهدافها المرسومة في السياسة العامة للأمة، فهي بذلك مسؤولة عن تنظيم المرافق العامة و الإشراف على إدارتها و انتظام سيرها، لإشباع الحاجات العامة المادية منها و المعنوية لأفراد المجتمع، عن طريق تقديم الخدمات و السلع اللزمة لذلك.

   و لكي تستطيع الإدارة العامة تلبية تلك الحاجيات و تحقيق أهدافها، فهي في حاجة ماسة للقيام بالعديد من العمليات الإدارية و إبرام العديد من العقود الإدارية، هذه الأخيرة التي نشأت لإدارية في القرن التاسع عشر على يد الفقه و القضاء الفرنسي، حيث تعتبر العقود أبرز الوسائل القانونية التي تلجأ إليها الإدارة لتسيير مرافقتها وتنفيذ مشروعاتها.

   لذا و من أجل تحقيق الصالح العام كان لابد من الإعتراف للإدارة بأهلية التعاقد و إبرام عقود إدارية.

لهذا و لتفصيل أكثر في العقد الإداري، تم تقسيم الموضوع إلى عدة محورين أساسيين هما في:

-      تعريف العقد الإداري؛

-      أنواع العقد الإداري.

   أما بالنسبة للهدف من هذه الدراسة يتمثل في:

-       تمكين الطالب من معرفة تصرف الإدارة بتوافق إرادتين؛

-       تحديد مفهوم دقيق للعقد الإداري؛

-       تبيان أهم المعايير التي تم الإعتماد عليها في تعريف العقد الإداري؛

-       معرفة الطالب بعض أهم أنواع العقود الإدارية.

أولا: تعريف العقد الإداري:

   باعتبار أن العقود الإدارية تحتل مكانة بارزة في سلم النشاط الإداري بوجه عام و محورا أساسيا لجميع الدول، من خلال الدور الفعال الذي تلعبه في تحقيق التنمية الاقتصادية، فإن هذه العقود لا تخضع لنظام قانوني واحد، و إنما قد تكون عقود الإدارة مدنية خاضعة للقانون الخاص، الذي يحكم و ينظم العلاقات التعاقدية التي يقوم بها الأفراد، وتلجأ الإدارة إلى هذا النوع من العقود عندما تتجرد من امتيازات السلطة العامة، و تتصرف في إطار المساواة مع الأفراد.

   أما فيما يخص العقود الإدارية التي تظهر فيها الإدارة بمظهر السلطة العامة، ولم تظهر هذه التفرقة إلا مع بداية القرن 19، عند ظهور نظام القضاء الإداري في فرنسا حيث اكتشفها مجلس الدولة الفرنسي و أرسى مبادئها و أسسها.

   و على هذا الأساس، فقد عرف مجلس الدولة الفرنسي على أنه: العقد الإداري هو كل اتفاق يبرمه أحد الأشخاص المعنوية العامة بغرض تسيير مرفق عام، على أن يظهر في الاتفاق نية الشخص المعنوي العام في الأخذ بوسائل و أحكام القانون العام، إما بتضمين الاتفاق شروطا غير مألوفة في عقود القانون الخاص، أو بالسماح للمتعاقد معها و هو احد أشخاص القانون الخاص بالاشتراك مباشرة في تسيير المرفق العام.

   و يعرف الأستاذ محمد سليمان الطماوي العقد الإداري على أنه :" ذلك العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام أو تنظيمه، و تظهر فيه نية الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام، و أن يتضمن العقد شروطا استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص".

   أما بالنسبة للمشرع الجزائري لم يعرف العقد الإداري تاركا الأمر للفقه و القضاء، و من المستقر عليه أن الفقه و القضاء قد إعتمدوا على معياريين أساسيين من أجل تعريف العقد الإداري.

1 – المعيار العضوي: حسب هذه المعيار يعرف العقد الإداري على أنه اتفاق يرتبط بالشخص العام الذي يستخدم امتيازات السلطة العامة، و يتضمن شروطا غير مألوفة و استثنائية عن عقود القانون الخاص بغرض تحقيق المصلحة العامة.

2 – المعيار الموضوعي: و الذي يركز على موضوع العقد، بحيت يعرف العقد الإداري على أنه اتفاق يكون محله توفير الحاجات العامة للجمهور، أو تسيير أو إدارة مرفق عام بغرض تحقيق المصلحة العامة.    

   و على هذا الأساس، يمكن تعريف العقد الإداري بأنه عمل قانوني اتفاقي، يبرم بين  شخص معنوي عام  و أحد أشخاص القانون الخاص بغرض توفير الحاجات الضرورية، أو إدارة و تسيير مرفق عام تحقيقا للمصلحة العامة، على أن يتضمن هذا الاتفاق  بنودا استثنائية و غير مألوفة في القانون الخاص، و يستخدم فيه الشخص العام وسائل القانون العام.

   و عليه و ترتيبا على ما سبق، يؤخذ من هذا التعريف أنه لكي نكون أمام عقد إداري لابد أن تتوفر مجموعة من الشروط تتمثل في:

1 – ارتباط العقد الإداري بالشخص العام: حتى يوصف العقد بأنه عقد إداري يجب أن يكون مرتبطا بأحد أشخاص القانون العام بوصفه سلطة إدارية عامة، ومن المتفق عليه بهذا الخصوص أن أشخاص القانون العام حسب المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية عند تحديديها لمفهوم النزاع الإداري قد حددت لنا الأشخاص المهنوية العامة، و التي تشمل الدولة، الولاية و البلدية، المؤسسات والمصالح العمومية ذات الطابع الإداري.

أما بالنسبة للطرف الثاني فالعقد فقد يكون في الغالب أحد أشخاص القانون الخاص ( شخص طبيعي أو شركات وطنية أو أجنبية).

2 – ارتباط موضوع العقد الإداري بالمرفق العام بغرض تحقيق المصلحة العامة: إن ارتباط موضوع العقد بالمرفق العام شرط جوهري لوصف العقد بأنه عقد إداري، إذ أن موضوع العقد الإداري يتضمن توفير الحاجات العامة للجمهور، أو يرتبط أساسا بإدارة و تسيير أو استغلال مرفق عام تحقيقا للمصلحة العامة.

3 - الشروط الاستثنائية غير المألوفة: من أجل وصف العقد بأنه عقد إداري لابد أن تنصرف نية الإدارة العامة إلى الأخذ بأسلوب القانون العام، وذلك عن طريق تضمين العقد عند إبرامه أو تنفيذه شروطا استثنائية غير مألوفة في نطاق العلاقات بين الأشخاص التي يحكمها القانون الخاص، وتهدف هذه الشروط الاستثنائية إجمالا إلى تحقيق المصلحة العامة بالقيام بالعمل بأفضل جودة وبأقل نفقة ممكنة.

ثانيا: أنواع العقود الإدارية: تتنوع العقوج الإدارية إلى عدة عقود  و من بينها ما يلي:

1 – عقد الأشغال العامة: يعتبر من أهم العقود الإدارية و أقدمهم، حيث عرفه الفقه الفرنسي على أنه تلك الأشغال التي ترد على عقار تابع للإدارة، و تحت إشرافها بغية تحقيق المصلحة العامة.

   أما بالنسبة للتشريع الجزائري، فقد إعتبر من أهم العقود الإدارية لإرتباطه الوثيق بالتنمية المحلية و الوطنية، فقد نص عليه التشريع الجزائري بموجب المادة 02 و المادة 29 من المرسوم الرئاسي 247/15 المتعلق بقانون الصفقات العامة، و كذا قانون 12/23.

   و عليه ووفقا أحكام المادة 29 يمكن تعريف العقد الأشغال العامة على أنه: " اتفاق بين الإدارة و شخص طبيعي أو شركة أو مؤسسة، من أجل بناء أو ترميم أو صيانة، تدعيم أو هدم عقار تابع لشخص معنوي عام، نظير مقابل مالي يتم الاتفاق عليه في العقد و بغية تحقيق المصلحة العامة".   

   ترتيبا على ماسبق، لاعتبار عقد الأشغال عقدا إداريا للابد من توفر مجموعة من الشروط تتمثل في:

-       أن ينصب عقد الأشغال العامة على العقار؛

-       أن يتم العمل لحساب شخص معنوي عام؛

-       أن يهدف إلى تحقيق المنفعة العامة.

2 – عقد إقتناء اللوازم (التوريد): إن الإدارة و هي تمارس نشاطاتها المختلفة تسعى دائما إلى تحقيق المنفعة العامة و تلبية حاجات الجمهور، و لذلك فهي لا تحتاج إلى عقد الأشغال العامة فقط بل تحتاج إلى عقود أخرى منها عقد إقتناء اللوازم الذي نص عليه المشرع الجزائري بموجب المادة 02 و المادة 29 من المرسوم الرئاسي 247/15،و كذا قانون 12/23.

   هذا و يعرف عقد إقتناء اللوازم على أنه:" اتفاق بين الإدارة و أحد الأشخاص بقصد تموينها و تزويدها باحتياجاتها من المنقولات، و هذا لقاء مقابل مالي تلتزم الإدارة بدفعه و بقصد تحقيق المصلحة العامة".

3 – عقد إنجاز الدراسات: و يجد أساسه القانوني في المادة 02 و المادة 29 من المرسوم الرئاسي 247/15،و كذا قانون 12/23.

   هذا و يعرف عقد إنجاز الدراسات على أنه: " اتفاق بين الإدارة المتعاقدة و المتعامل المتعاقد، يلزم بمقتضاه هذا الأخير بإنجاز دراسات محددة في العقد لقاء مقابل مالي تلتزم الإدارة بدفعه تحقيقا للمصلحة العامة".

4 - عقد تقديم الخدمات: إن الإدارة عند قيامها بنشاطها لا تلجأ فقط إلى عقد الأشغال العامة أو إقتناء اللوازم أو الدراسات، و إنما تلجأ أيضا إلى عقد تقديم الخدمات.

   فالإدارة و أن كانت هي التي تقوم بتقديم الخدمات للجمهور سواء كانت مركزية أو محلية، إنها هي الأخرى بحاجة لأن تخدم من جانب معين.   

   هذا  و يجد عقد تقديم الخدمات أساسه القانوني في المادة 02 و المادة 29 من المرسوم الرئاسي 247/15،و كذا قانون 12/23. حيث يعرف على أنه: " اتفاق بين الإدارة و شخص آخر طبيعي أو معنوي بقصد توفير خدمة معينة للإدارة، تتعلق بتسيير المرفق نظير مقابل مالي".

5 - عقد امتياز المرافق العامة( الالتزام): حيث بمقتضاه تعهد الإدارة العامة مركزية كانت أو لامركزية إلى شخص طبيعي أو معنوي ( شركة) يدعى الملتزم صلاحية إدارة و تسيير المرافق العامة لمدة محددة، حيث يقوم الملتزم على نفقته و بأمواله و عماله و أدواته و على مسؤوليته بإدارة المرفق العام، مقابل الحصول على رسوم من المنتفعين من خدمات هذا المرفق العام.

   و يترتب على هذا العقد عدة نتائج تتمثل في :

-   يعتبر المستخدمين في هذه المرافق عمال و ليس موظفين عموميين؛

-   تتمتع الإدارة المانحة الالتزام بسلطة الرقابة و الإشراف و التوجيه؛

-   تتمتع الإدارة بسلطة تعديل أحكام الالتزام دون المساس بجوهره مع مرعاة المصلحة العامة؛

-   للإدارة الحق في إنهاء عقد الالتزام قبل انقضاء مدته بموجب قرار إداري و لو لم يصدر أي خطأ من جانب الملتزم؛

-   حق الملتزم في الحصول على مقابل مالي في شكل رسوم من المنتفعين؛

-   حق صاحي الالتزام في طلب الإعفاء من الرسوم الجمركية و منع الأفراد من مزاولة النشاط الذي يمارسه المرفق الذي يقوم بتسييره.

6 عقد التفويض المرفق العام: هو قيام الشخص المعنوي الخاضع للقانون العام بتفويض تسيير المرفق العام إلى شخص يسمى المفوض له، و يتم التكفل بأجر المفوض له بصفة أساسية من استغلال المرفق و هو ما يعرف قانونا بالتفويض.

   هذا و بالرجوع إلى المادة 210 من المرسوم الرئاسي رقم 247/15 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية و تفويضات المرفق العام، نجدها قد نصت على 4 أشكال للتفويض و التي تتمثل في:

أ – الامتياز: تعهد بمقتضاه السلطة المفوضة ( الإدارة) للمفوض له إما انجاز منشآت أو اقتناء ممتلكات ضرورية لإقامة مرفق عاو و استغلاله، و إما تعهد له باستغلال المرفق العام فقط، و يستغل المفوض له المرفق العام باسمه و لحسابه و على مسؤوليته مقابل مبالغ يتقاضاها من المنتفعين بالمرفق تحت رقابة السلطة المفوضة.

ب – الإيجار: تعهد السلطة المفوضة للمفوض له بتسيير مرفق عام و صيانته مقابل أتاوى سنوية يدفعها، و يتصرف المفوض له لحسابه و على مسؤوليته، أما تمويل المرفق العام فتتولاه السلطة المفوضة بنفسها، في حين يحصل المفوض له على أجره من مستعملي المرفق العام.

ج – الوكالة المحفزة: تعهد السلطة المفوضة للمفوض له أمر تسيير و صيانة المرفق العام، حيث يتولى المفوض له استغلال المرفق لحساب السلطة المفوضة التي تمول المشروع بنفسها و تحتفظ بإدارته، أما المفوض له فيتقاضى أجره مباشرة من السلطة المفوضة في شكل نسبة مئوية من رقم الأعمال الذي يحققه المرفق العام.   

د – التسيير: تعهد فيه السلطة المفوضة للمفوض له أمر تسيير أو تسيير و صيانة مرفق عام لحسابها، و تقوم بتمويله و إدارته بنفسها مقابل أجر تدفعه للمسير ( المفوض له).   

 

آخر تعديل: الخميس، 13 مارس 2025، 2:02 PM