إذا كانت الرقابة الرئاسية في إطار المنظومة الإدارية رقابة مفترضة، فان الرقابة الوصائية عكس ذلك فإنها لا تمارس إلا ضمن معالم محددة و بموجب نص قانوني و وفق إجراءات قانونية نص عليها التشريع الجزائري.

1 – تعريف الرقابة الوصائية:

   تعرف الوصايا الإدارية على أنها: " مجموعة من السلطات المحدودة، الممنوحة بموجب القانون لسلطة عليا تمارسها على أشخاص الهيئات اللامركزية و على أعمالهم بغية لتحقيق المصلحة العامة".  

   كما تعرف الرقابة الوصائية أيضا على أنها: " الرقابة التي تمارسها الدولة على الجماعات المحلية، وفقا للحدود التي رسمها القانون و ذلك من أجل ضمان وحدة التطور و التسيير".

   هذا و تعرف الرقابة الوصائية أيضا على أنها:" مجموع السلطات المقررة قانونا، و التي تمارسها المركزية تجاه الأشخاص اللامركزية، بقصد المحافظة على وحدة العمل الإداري و حماية المصالح القومية التي تمثلها السلطة المركزية".

   إذا من خلال ما سبق، يمكن القول أن الرقابة الوصائية تعد قيدا تمارسه السلطة المركزية أو من يمثلها على الهيئات اللامركزية عند ممارستها لاختصاصها، و ذلك للتأكد من أن تصرفات و أعمال الهيئات اللامركزية تتفق مع القوانين التي تحكمها، و في إطار الأهداف التي أنشأت هذه الهيئات لتحقيقها تطبيقا لقاعدة تخصيص الأهداف.

2 - خصائص الرقابة الوصائية:

   تتميز الرقابة الوصائية الإدارية بجملة من الخصائص الأساسية مستمدة من استقلال الهيئة اللامركزية المعنية بهذه الرقابة، حيث يمكن إجمال هذه الخصائص في:

أ - رقابة إدارية: تستند الصفة الإدارية لإعمال الرقابة الوصائية إلى صدور هذه الأعمال من جهة إدارية حسب المعيار الشكلي، و حصولها بموجب قرارات إدارية.

ب – رقابة خارجية: توصف الرقابة الوصائية أنها رقابة خارجية، أي أنها تتم بين شخصين مستقلين، و هما شخص معنوي القائم بها و الشخص الإداري اللامركزي الخاضع لها، و هذا عكس الرقابة الرئاسية التي تتم بين جعتين تابعتين لشخص معنوي واحد.

ج – رقابة استثنائية: إذا كان الأصل العام أن السلطة الرئاسية تتسم بالعمومية و الشمولية، و أنه بمقتضاها يكون للرئيس حق التدخل و مراقبة جميع تصرفات المرؤوسين دون وجود نص قانوني يقررها، فان الأمر يختلف في الرقابة الوصائية إذ لا تتواجد و لا يمكن للسلطة المركزية مباشرتها إلا بوجود نص قانوني صريح يقررها، فلا رقابة بدون نص و من تم فهي رقابة استثنائية لا تمارس إلا في الحالات و بالأوضاع المنصوص عليها في القانون، لأن الهيئات اللامركزية تتمتع باستقلال إداري في تسيير شؤونها لدى يفرض وجود نص قانوني يقيد هذا الاستقلال. فمثلا إذا لم ينص القانون على إخضاع عمل معين صادر من جانب هيئة اللامركزية لوصاية الإلغاء، فان الجهة الوصية لا تملك الحق في إجراء الإلغاء، كذلك إذا لم ينص القانون على تخويل الجهة الوصية سلطة اتخاذ إجراء وصائي معين، فانه لا يجوز لهذه السلطة أن تستعمل إجراء وصائي آخر بدلا من الإجراء المسموح به قانونا.

   هذا و ينتج عن هذه الميزة عدة نتائج تتمثل في:

عدم جواز التوسع في تفسير النصوص القانونية المنظمة لنظام الوصاية الإدارية.

عدم جواز تدخل السلطات المركزية الوصية في شؤون الهيئات اللامركزية إلا في حدود الرقابة.

لا يمكن للسلطات المركزية الحلول محل الهيئات اللامركزية في القيام بأعمالها إلا بموجب نص قانوني و في حدود ما يسمح به القانون.  

3 – مبررات الرقابة الوصائية: يقوم التنظيم الإداري اللامركزي على أساس إستقلال الهيئات الإقليمية و المرفقية عن السلطة المركزية من جهة، مع خضوعها للرقابة الوصائية من جهة ثانية  كمقابل لهذا الإستقلال، و هو الأمر الذي يفيد وجود تلازم حتمي بين اللامركزية و الرقابة الوصائية، كما يفيد أن إستقلال التنظيم الإداري اللامركزي لا يمكن إلا أن يكون إستقلالا نسبيا، و ذلك على النحو الذي تتمكن السلطة المركزية معه من مراقبة مدى إحترام القانون و ضمان مبدأ المشروعية و حماية المصلحة العامة من قبل الهيئات اللامركزية المشمولة بالرقابة الوصائية.   

    و على العموم، تتمثل مبررات الرقابة الوصائية الممارسة على الهيئات اللامركزية في:

1 – إحترام مبدأ المشروعية: تلتزم السلطات الإدارية اللامركزية بإحترام مبدأ المشروعية بالنسبة لجميع أعمالها شأنها في ذلك شأن سائر السلطات، و هو الأمر الذي يوجب على الهيئات اللامركزية عند ممارسة نشاطها و تصريف شؤونها على المستوى المحلي إحترام القواعد القانونية أيا كان مصدرها و شكلها، مع إخضاعها لرقابة السلطة المركزية و ذلك بغية التأكد من مدى إحترام مبدأ المشروعية.

2 – حماية المصلحة العامة: تسعى الرقابة الوصائية وراء حماية المصلحة العامة، و ذلك إلى جانب سعيها وراء إحترام مبدأ المشروعية من جانب الهيئات اللامركزية، و تتمثل هذه المصلحة بمعناها الواسع في مصلحة الدولة، و مصلحة الأشخاص اللامركزية فضلا عن مصلحة المواطنين، و ذلك على أساس أن المصلحة العامة تتألف من مجموعة المصالح القومية و المصالح الإقليمية و المصالح المخصصة ( المرفقية) و كذلك المصالح الفردية.

   إلى جانب إستهداف الرقابة الوصائية إحترام مبدأ المشروعية و العمل على تحقيق المصلحة العامة تهدف أيضا لتحقيق ما يلي:

   تتنوع أهداف الوصاية الإدارية بين أهداف عامة ترتبط بالدولة، و أهداف خاصة ترتبط بكل جهاز إداري لوحده.

   و على العموم تتلخص أهداف الوصاية في 03 نقاط أساسية من الناحية الإدارية و السياسية و المالية.

أ – أهداف الإدارية للوصاية: تهدف الوصاية الإدارية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من الناحية الإدارية تتمثل في:

-       التأكيد على وحدة الدولة من الناحية الإدارية، ذلك أن الاستقلال الذي تتمتع به الهيئات المحلية أثناء قيامها بمهامها ليس استقلال مطلق، و إنما يعتبر أحد الدعائم التي يقوم عليها التنظيم اللامركزي و بالتالي لابد من خضوع هذه الهيئات إلى رقابة السلطة المركزية و ذلك حماية لوحدة الدولة.

-       كشف الأخطار و أسبابها للعمل عل تصحيحها، ذلك أن الإدارة عند ممارستها لمهامها قد تقع أحيانا في الأخطاء يتم اكتشافها من خلال الرقابة الوصائية، التي تعمل على تصحيحها و إيجاد حلول مناسبة لها.

-       الكشف عن الانحراف الإداري، من خلال استغلال السلطة لتحقيق أغراض شخصية بعيدة عن المصلحة العامة و المحلية.

-       الوقوف على أهم المشاكل و العقبات التي تواجه الأجهزة الإدارية أثناء ممارسة مهامها، الأمر الذي يفرض البحث عن الحلول المناسبة حتى تتمكن الهيئات المحلية من القيام بمهامها في أحسن الظروف.

-       التحقق من تنفيذ الخطط المرسومة في السياسة العامة للدولة بأقل جهد و تكلفة ممكنة، مع تحقيق أكبر قدر ممكن من الكفاءة و الفعالية و الحد من إهدار المال العام.

ب – الأهداف السياسية: تتمثل في     

-       الحفاظ على الوحدة السياسية للدولة، و ذلك بضمان عدم انفصال الهيئات المحلية ذات الاستقلال الإداري و المالي عن الدولة.

-       التأكد من التزام الهيئات المحلية بالقوانين و الأنظمة أثناء ممارستها لمهامها أي خضوعها لمبدأ المشروعية.

-       ضمان حماية حريات الأفراد و حقوقهم، ذلك أن الإدارة تتمتع بامتيازات السلطة العامة تسهل عليها ممارسة أنشطتها و وظائفها بغية تحقيق أهدافها، لدى فيبرز دور الرقابة الوصائية هو الحد من الانحراف في استعمال السلطة تحت غطاء تحقيق الأهداف.

-       حماية المصالح المحلية، فخضوع الهيئات اللامركزية للرقابة الوصائية يضمن حماية المصلحة العامة.

ج – الأهداف المالية: بالرغم من أن الجماعات المحلية تتمتع استقلال مالي، إلا أن هذا الأخير ليس بمطلق و إنما يخضع لرقابة بغية تحقيق مجموعة من الأهداف تتمثل في:

-       التأكد من سلامة العمليات المحاسبية التي خصصت من أجلها الأموال العامة و التحقق من صحة الدفاتر.

-       ضمان عدم تجاوز حدود الاعتماد المالي المقرر للهيئة المحلية، حيث يجب أن يتم إنفاق الموارد المالية على المشاريع ذات النفع المحلي و الحد من إهدار المال العام.

-       التأكد من عدم التلاعب بإيرادات الجماعات المحلية، لدى يجب أن تكون الرقابة مصاحبة لجميع مراحل الميزانية حتى تكون أكثر فعالية.  

 – أهمية الرقابة الوصائية:

   تلعب الرقابة الوصائية دورا هاما على الهيئات المحلية، حيث تتمثل أهميتها في ما يلي:

-       باعتبار تغير دور من حارسة إلى متدخلة في جميع شؤون المواطنين، فهي بذلك توفر أجهزة إدارية تنجز الأعمال و تؤدي الخدمات بكفاءة و فعالية مع خضوع هذه الأجهزة للوصاية و المحاسبة، و ذلك بغية التحقق من أدائها لأعمالها على أكمل وجه.

-       إن مبدأ استقلالية الجماعات المحلية هو مبدأ نسبي في تطبيقه الفعلي، حيث ترتبط هذه الهيئات إلى حد ما بالسلطة المركزية التي تباشر عليها الوصاية، و ذلك من أجل الحفاظ على المصلحة العامة و تحقيق أحسن أداء و فعالية للمصالح المحلية.

-       تتمثل أهمية الوصاية في الحد من خروج الهيئات المحلية عن السياسة العامة للدولة، و ضمان عدم انحرافها و تقصيرها في مهامها.

-       تلعب الوصايا دورا وقائي و ذلك من خلال البحث من سبيل لرفع كفاءة الجهاز الإداري، و تحفيزه عن طريق إبراز الجوانب الإيجابية في العمل من خلال التوضيح و التصحيح.  

-       مساعدة الأجهزة المركزية من التأكد أن الأهداف المحددة ثم انجازها وفق السياسة المرسومة، و تزويدها بجميع المعلومات و البيانات عن نشاط الهيئات المحلية.

5 – أطراف الرقابة الوصائية: تتم الوصاية الإدارية بين شخصين مستقلين، و هما الشخص المعنوي القائم بها و الشخص الإداري اللامركزي الخاضع لها على النحو التالي:

1 – الجهة القائمة بالرقابة الوصائية ( السلطة المركزية): يسند المشرع الرقابة الوصائية إلى السلطة المركزية، ذاك أن هذه السلطة تمثل داخل كل دولة الهيئة الإدارية العليا مما يمكنها من تأدية مهمة الرقابة الوصائية على أكمل وجه و بسهولة ويسر، و ذلك نظرا لقرب هذه السلطة من الجهات اللامركزية المشمولة بالرقابة الوصائية و إتصالها بها بصفة مباشرة و دائمة.

    إضافة إلى ذلك إن حاجة هذه الرقابة إلى إتخاذ إجراءات سريعة مع ضرورة إنصرافها إلى مراقبة مشروعية و ملائمة أعمال الجهات اللامركزية، يستوجب أن يعهد بهذه الرقابة إلى السلطة الإدارية المركزية.

2 – الجهات المشمولة بالرقابة الوصائية ( الهيئات اللامركزية): لقد أجمع الفقه الإداري على أن قيام الهيئات الإدارية اللامركزية يفترض النص في القانون على أن توجد إلى جانب السلطة الإدارية المركزية، تشارك هذه السلطة في مباشرة بعض إختصاصات الإدارة العامة ( الإقليمية و المرفقية)، مع خضوعها للرقابة الوصائية من جانب السلطة المركزية بالرغم من تمتعها بالشخصية المعنوية و الإستقلال المالي و الإداري و تصريف شؤونها بنفسها على مستوى إقليم جغرافي معين.

 6 – التمييز بين الرقابة الوصائية عن بعض المصطلحات المشابهة لها:

أ – التمييز بين الوصاية الإدارية و الوصاية المدنية:

   يرجع مصطلح الوصاية الإدارية إلى القانون المدني، حيث أخذ من مفهوم الوصي و الموصى عليه، غير أنه في المجال الإداري له مفهوم خاص يختلف عما هو سائد في القانون المدني في النقاط التالية:

-       تقرر الوصاية في القانون المدني لناقص الأهلية، أما في القانون الإداري فلا يرجع تقريرها لذات السبب، ذلك أن الهيئات المحلية تتمتع بالشخصية القانونية مما يجعلها تستطيع مباشرة شؤونها بنفسها دون الرجوع إلى الهيئات المركزية، و قد تقررت هذه الوصاية لحماية المصلحة العامة و محاولة إيجاد أسلوب إداري موحد في العمل الإداري.

-       في الوصاية المدنية يتصرف الوصي باسم و لحساب القاصر، أما الوصاية الإدارية فان الهيئات اللامركزية تتولى مباشرة جميع أعمالها و تصرفاتها باسمها.

-       يختلف هدف في الوصاية المدنية عنه في الإدارية، حيث يتمثل في الأول بحماية مال الموصى عليه، أما من الناحية الإدارية يتمثل في حماية المال العام و المصلحة العامة و ضمان إحترام مبدأ المشروعية.

ب – التمييز بين الوصاية الإدارية و الرقابة الرئاسية: تتمثل في

-       تعتبر الرقابة الوصائية رقابة استثنائية إذ لا يمكن ممارستها دون وجود نص قانوني يقررها، أما الرقابة الرئاسية فهي تمارس بقوة القانون و بصفة مفترضة.

-       تقوم السلطات المركزية في الرقابة الوصائية بالتصديق على قرارات الهيئات اللامركزية أو رفضه دون القيام بالتعديل، أما الرقابة الرئاسية فتملك حق التعديل و الإلغاء و السحب، أما الحلول فهو سلطة استثنائية في الرقابة الوصائية لا يمكن استعماله دون وجود نص قانوني يقرره إلى جانب إتباع إجراءات الاعذار.

-       من حيث المسؤولية نجد أن الرقابة الوصائية تسأل الهيئات المحلية عن أعمالها و تتحمل المسؤولية عن هذه الأعمال حتى و لو صادقت عليها السلطة الوصية، أما في الرقابة الرئاسية فيسأل الرئيس عن أعمال مرؤوسه لأنه هو مصدر القرار و له حق الرقابة و الإشراف و التوجيه.  

   

آخر تعديل: الأربعاء، 20 مايو 2026، 10:09 PM