إن التطور الذي يعرفه جهاز الدولة الإداري، والذي يظهر من خلال تشعب وتضخم حجم الإدارة العمومية بسبب المهام و الوظائف التي تؤديها في مختلف المجالات، و ذلك من خلال مشاركتها في رسم السياسة العامة للدولة  و العمل على تنفيذها، يفرض ضرورة تمتع هذا الأخيرة بالقوة والفعالية في أداء مهامها، وذلك يتطلب توفير آليات تعمل على رقابة تصرفات الإدارة من بين هذه الآليات الرقابة الإدارية.

   و عليه فإلى جانب الخصائص التي تتميز بها الرقابة الإدارية، فهي تلعب دورا بارزا في التأكد من مشروعية أعمال الإدارة و التحقق من عدم مخالفتها للقانون من جهة، و العمل على تحقيق الأهداف النشاط الإداري من جهة ثانية.

أولا: خصائص الرقابة الإدارية

   تقوم الرقابة الإدارية على مجموعة من الخصائص تتمثل في:  

رقابة ذات طبيعة إدارية: أي تتم داخل الجهاز الإداري للدولة و على النشاط الإداري، حيث تمارس في إطار السلطة التنفيذية المخولة لها، و ذلك باعتبار العمل الإداري يصدر عن جهة إدارية متخصصة طبقا للمعيار الشكلي، فانه تتم ممارسة هذه الرقابة بموجب قرارات صادرة عن جهات الرقابة و المتمثلة في السلطة التنفيذية للدولة، حيث تباشرها تلقائيا أو بناء على طلب من ذوي الشأن.

- رقابة وقائية: لكونها تعمل على تفادي صدور أعمال و التصرفات غير مشروعة أو غير ملائمة، إلى جانب اكتشاف الأخطاء و الانحرافات قبل بدأ عملية تنفيذ التصرف الإداري أو أثناء تنفيذه.

- رقابة واسعة: تشمل كل أوجه النشاط الإداري من أعمال قانونية أو مادية، حيث يشمل بحث مشروعية التصرف و ملائمته، مع مراعاة الاعتبارات السياسية، الاقتصادية و الاجتماعية، كما تكشف عن جميع التجاوزات و الانحرافات و تحديد المسؤولين عنها، كما تبحث الرقابة أيضا عن تحقيق الفعالية و الكفاءة في الأداء الإداري.    

- رقابة شاملة: أي أن الرقابة الإدارية ليست قاصرة على مستوى إداري معين أو نشاط إداري محدد، فهي ليست مرتبطة بمرحلة أو وقت معين بل مستمرة قبل و أثناء و بعد التنفيذ.

- رقابة مستمرة: تعتبر الرقابة الإدارية رقابة مستمرة، فمادامت الإدارة مستمرة في أداء وظيفتها و القيام بنشاطها منذ بدايته إلى غاية نهايته.  

- رقابة مرنة: تتميز الرقابة الإدارية بالمرونة، حيث تتكيف مع جميع الظروف المحيطة بالإدارة و مع حجم نشاطها.

- رقابة موضوعية: تستند الرقابة الإدارية على معايير الأداء الموضوعة و تعمل وفق المعلومات المستقاة من الواقع.

- رقابة فنية: تعد الرقابة الإدارية رقابة فنية في العديد من الحالات تحتاج إلى خبراء و متخصصين في مجال معين.  

- رقابة تلقائية: تعتبر الرقابة الإدارية رقابة تلقائية، حيث يتم إعمالها بحكم القانون ( الرقابة الرئاسية)، و قد تحتاج إلى نص قانوني يكرسها كالرقابة الوصائية.

 ثانيا: أهداف الرقابة الإدارية: إن إعمال الرقابة على التصرفات الإدارية تهدف إلى تحقيق ما يلي:  

1 – مبدأ المشروعية: من مقتضى مبدأ المشروعية خضوع جميع الحكام و المحكومين للقانون و لسيادة القانون، و بهذا تخضع الإدارة في جميع أعمالها لحكم القانون، فهي لا تتصرف إلا وفق القانون الذي يمنحها هذه الإختصاصات.  

   هذا وقد أدى إزدياد دور الدولة في المجتمع إلى إزدياد الأعباء و النشاطات المكلفة بها، الأمر الذي قد يؤدي أحيانا لتجاوزها لمبدأ المشروعية سواء سهوا أو عمدا.

   و بما أن القانون وضع ليتم تطبيقه و إحترامه، لذلك فمبدأ المشروعية يؤيد أي نظام يحقق سيادة القانون، و من هنا يبرز دور الرقابة الإدارية في توجيه الإدارة إلى إحترام القانون و منع إساءة إستخدام السلطة و التعسف في إستخدام الإمتيازات، و هي بذلك تحقق نوعا من الإستقرار في المعاملات داخل الجهاز الإداري.

   و على هذا الأساس، يمكن القول أن الرقابة الإدارية وضعت لحماية النظام القانوني في المجتمع، إذ تعد من أهم الأدوات التي تلعب دورا مهما في ضمان تطبيق القواعد القانونية من قبل الإدارية و خضوعها لسيادة أحكام القانون، و ذلك من خلال قيام الرئيس الإداري بفحص الشكاوى التي تتضمن مخالفة القوانين و الإخلال الموظف بواجباته، إلى جانب قيامه بمراجعة الأعمال التي قام بها المرؤوسين، إذ يمكنه الموافقة عليها أو تعديل بعض مقتضياتها أو إلغاءها أو سحبها.    

2 – المصلحة العامة: إن حماية المصلحة العامة يعتبر محورا أساسيا تقوم عليه الرقابة الإدارية، و يتم ذلك عن طريق مراقبة النشاط الذي تقوم به الإدارة، و سير العمل في كافة المستويات داخل الجهاز الإداري و كفالة تنفيذ القوانين و اللوائح و نزاهة الموظفين و كفاءتهم.

   و على هذا الأساس، تسعى الدولة جاهدة لتحقيق المصلحة العامة من خلال فرضها للرقابة الإدارية على جميع أجهزتها الإدارية مركزية كانت أو إقليمية أو مرفقية، و ذلك حتى تضمن تحقيق الوحدة السياسية و الإدارية للدولة وضمان حسن إدارة و تسيير المرافق العامة و عدم تقديم المصالح المحلية و تغليبها على المصلحة الوطنية العامة، و حماية المال العام و ترشيد الإنفاق العام و الكشف في ذات الوقت عن التلاعب بالمال العام و إهداره.   

   و إلى جانب ذلك تهدف الرقابة الإدارية إلى تحقيق:

-       ضمان تنفيذ الأهداف المرسومة في السياسة العامة للدولة، و تطبيق تعليمات و توجيهات الإدارة العليا.

-       الوقوف على أهم النقائص و العيوب التي تواجه العمل الإداري، و الاطلاع على الظروف التي تحيط به في حدود الإمكانيات المسخرة و مدى كفايتها.

-       ضمان تحقيق الانضباط و الاستقرار داخل الجهاز الإداري.

-       ضمان الفعالية و الكفاءة في الأداء الوظيفي.

-       تحفيز الموظفين على أداء أكثر في حالة التقييم الإيجابي لأعمالهم.

-       التعرف على حدود أداء الموظفين، و على قدراتهم و خبراتهم و مدي انسجامهم مع التعليمات و الأوامر الموجهة إليهم و منه تعميم الخبرات الجيدة.

-       مراقبة مدى تناسب الإجراءات و الأساليب المتبعة من قبل الإدارة عند قيامها بتقديم خدماتها للمواطنين، و مدى تقيدها بالقوانين و اللوائح.

-       الكشف عن مختلف صور الفساد الإداري أو الإهمال في سير المرافق العامة و في تقديم الخدمات، الأمر الذي يستلزم توقيع جزاءات على مرتكبي الفساد.

-       الكشف عن أوجه الخلل في التنظيم الإداري، الأمر الذي يوضح مدى انسجام أجهزة التنظيم الإداري و علاقتها مع بعضها البعض.

  •       حماية حقوق و حريات الأفراد من انتهاكات سلطة الإدارة و هي تقوم بأعمالها اليومية مندفعة بحجة المصلحة العامة، و من تم تعد الرقابة الإدارية الضمانة الأساسية النابعة من سلطة الإدارة لمحاسبة موظفيها الذين قد يسيئون إستخدام الوظيفة الإدارية، مما يشكل مساس لحقوق و حريات الأفراد.  

ثالثا: أنواع الرقابة الإدارية: تنقسم الرقابة الإدارية إلى عدة أنواع تتمثل في:

1 -  الرقابة التلقائية و الرقابة بناء على تظلم

أ- الرقابة التلقائية: و هي تلك الرقابة التي تعتمد عليها الإدارة كآلية وقائية قبل عملية التنفيذ، وذلك من خلال قيام الرئيس الإداري مراجعة التصرف و العمل الصادر عن المرؤوس من تلقاء نفسه و فحص مشروعية التصرف، بغية تفادي الأخطاء و تجنب الأعمال التي لا تتوافق مع مبدأ المشروعية و تتعارض مع المصلحة العامة، و العمل على تصحيحها و تعديلها قبل صدورها و هذا لضمان جودة العمل الإداري.

ب - الرقابة بناء على تظلم: وتمارسها الإدارة بعد عملية التنفيذ أو عند قيام الشخص المتضرر من التصرف الذي قامت به الإدارة برفع طعن أمام الجهة الرئاسية مطالبتها بإعادة النظر في هذا التصرف، ويبقى الغرض منها التقويم والتصحيح لتحقيق الأهداف المنشودة بدقة وفعالية.

2- الرقابة الداخلية و الرقابة الخارجية :

أ- الرقابة الداخلية: وهي الرقابة التي تمارس داخل نفس الهيئة الإدارية أي تمارسها الإدارة على نفسها، وهي ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها في أي مؤسسة إدارية لتحقيق الأهداف المنشودة.

ب- الرقابة الخارجية: تمارس هذه الرقابة من طرف هيئة إدارية مركزية على هيئة إدارية لامركزية، وفي الغالب لا تقوم هذه الرقابة إلا بوجود نص قانوني صريح يخول لها الرقابة و وفق لإجراءات معينة نص عليها المشرع الجزائري، لأن الهيئات اللامركزية تتمتع بالشخصية المعنوية و بالإستقلال المالي و الإداري، و في حالة عدم وجود نص يعتبر تعدي على ستقلاليتها.

 

  •     

 

 

Modifié le: jeudi 27 novembre 2025, 16:53