المحور الأول: ماهية الرقابة الإدارية
يعد خضوع الإدارة لمبدأ سيادة القانون عنصراَ هما من عناصر الدولة القانونية، و إرتباطاً بذلك فلا يجوز للإدارة أن تتخذ إجراء إدارياً إلا بمقتضى القانون وتنفيذاً له. و لكن بالرغم من ذلك إلا أن الإدارة قد ترتكب أثناء بوظيفتها الإدارية بعض التصرفات الخاطئة و غير مشروعة، الأمر الذي يستوجب وضع آليات لمتابعة و مراقبة الإدارة حتى لا تحيد عن القانون و عن الهدف المرسوم لها من جهة، و بغية إيقافها و إرجاعها إلى جادة الصواب من جهة ثانية. و ذلك في شكل الرقابة الإدارية.
أولا: مفهوم الرقابة الإدارية:
قبل الولوج إلى تعريف الرقابة الإدارية لابد لنا من أخذ فكرة حول مفهوم الرقابة من الناحية اللغوية، حيث يمكن القول أن لكلمة الرقابة عدة معاني مختلفة.
أ – الرقابة لغة: تعني كلمة الرقابة المحافظة على الشيء و صونه و حراسته، و هي تعني كذلك الإنتظار، و كذا الرقيب و هو الحافظ المنتظر، و قد جاء في كتاب العين أن الرقابة من فعل رقب و رقب الشيء رقبه رقبة و رقبانا، و الترقب هو تنظر الشيء، و هي تعني كذلك المراجعة و التفتيش، و تأتي الرقابة في اللغة أيضا بمعنى الملاحظة و الإشراف و الحرص، و يقال يرقب رقوبا رقابة رقبانا، و رقيب القوم حارسهم.
و إلى جانب ذلك، نجد أن لفظ الرقابة له عدة معاني منها الحراسة، الحفظ، الخشية و الترصد، إذ أن كلمة رقب تعني حفظ، و يقال ترقب الشيء أي ترصده، و يقال أيضا راقب الشيء أي حرسه.
هذا و قد جاءت بعض هذه المعاني في العديد من آيات القرآن الكريم مثلا: قوله تعالى: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " و يدل هذا المعنى أن هناك مراقب لكل إنسان على تصرفاته و أعماله، و قوله تعالى أيضا: " إن الله كان عليكم رقيبا" و هذا دلالة على أن الله سبحانه و تعالى يراقب أعمال عباده.
و قوله تعالى أيضا:" فخرج منها خائفا يترقب".
ب - الرقابة اصطلاحا: قد اختلفت تعريفات الرقابة من الناحية الاصطلاحية بين علم الإدارة و فقهاء القانون على النحو التالي:
1- تعريف الرقابة من ناحية علم الإدارة: لقد تعددت تعاريف الرقابة حسب المختصين بعلم الإدارة، حيث عرفها البعض على أنها: " أسلوب و طريق هام للتأثير على سلوك الأفراد و ذلك إما باستخدامها كأداة لإثارة حوافزهم الذاتية و إقناعهم بالأهداف و المعايير المطلوب منهم تحقيقها، و كذلك لاستمالتهم نحو التعاون مع الإدارة، كأداة لتصيد الأخطاء و توقيع الجزاءات أو لمضاعفة الأعباء دون مقابل".
و تعرف الرقابة أيضا على أنها: " عملية قياس النتائج و مقارنتها بالخطط أو المعايير و تشخيص أسباب إنحراف النتائج الفعلية عن النتائج المرغوبة، و إتخاذ الإجراءات التصحيحية عندما يكون ذلك ضروريا".
هذا و قد عرف الأستاذ ديموك الرقابة على أنها: " الطريقة أو الوسيلة التي يمكن للقيادة أو الرئاسة الإدارية أن تعرف وتحدد بها مدى تحقق الأهداف على أكمل وجه وبكفاية وفي الوقت المناسب المحدد لها"، كما عرفت الرقابة أيضا بأنها: " وظيفة للتأكد من أن الأنشطة توفر لنا النتائج المرغوبة، تتعلق بوضع الهدف وقياس أداءه واتخاذ الاجراء التصحيحي المناسب له".
كما عرفت الرقابة أيضا على أنها: " التأكد من مدى انسجام ما يحدث في العمل مع الخطة الموضوعة و التعليمات الصادرة في ضوئها و من تم التعرف على نقاط الضعف و الأخطاء لتصحيحها و منع تكرار حدوثها".
كما تعرف أيضا على أنها: " عملية المتابعة الدائمة و المستمرة تهدف إلى تنفيذ ما تم التخطيط له بكفاءة و ذلك بغية كشف الانحرافات و مسبباتها".
و تعد الرقابة أيضا: " مجهود إنساني يتم وفق خطوات معينة للوقوف على مدى اتفاق التنفيذ مع ما تم التخطيط له من أهداف".
2 – تعريف الرقابة من الناحية القانونية: لقد إتهم فقهاء القانون بتعريف الرقابة، حيث عرفت على أنها: " التحقق و التأكد من إلتزام الإدارة بالقوانين و الأنظمة و التعليمات في أدائها، لتحقيق الأهداف المرسومة وفق الخطط الموضوعة بكفاءة و فعالية، و الوقوف على نواحي القصور و من تم العمل على علاجها ومنع تكرارها".
كما عرفت أيضا على أنها: " مجموعة من القواعد التي تبين تشكيل الهيئات الرقابية و الإختصاصات المخولة لها، و كذا السلطات التي تستند إليها"، و عرفت أيضا أنها:" تلك الإجراءات التي يفرضها القانون لغرض التحقق من قيام الشخص طبيعيا كان أو معنويا، بنشاطه طبقا لأحكام القانون و في إطار السياسة الإقتصادية المقررة".
3 – تعريف الرقابة الإدارية: لقد تعددت و إختلفت تعريفات الفقهاء للرقابة الإدارية و ذلك بإعتبارها عاملا مهما من مكونات العملية الإدارية، و من أهم هذه التعريفات نجد:
الرقابة الإدارية هي مراجعة الإدارة لأعمالها التي إتخذتها أو التي تنوي إتخاذها في إطار صلاحياتها القانونية، و ذلك من أجل الوقوف على مدى مشروعيتها و مدى ملائمتها للظروف المحيطة بالإدارة و بالنشاط الإداري، و ذلك بغية إلغاء و تعديل الأعمال التي تتبين عدم مشروعيتها و ملائمتها".
و تعرف أيضا على أنها:" وظيفة من الوظائف الإدارية و تعني قياس وتصحيح أداء المرؤوسين للتأكد من أن الأهداف والخطط المسطرة قد تم تنفيذها بشكل مرضي، كما تعني الإشراف و المراجعة من سلطة أعلى بقصد معرفة كيفية سير الأعمال و مراجعتها وفقا للخطط الموضوعة".
كما عرفت الرقابة أيضا على أنها: " مجموعة السلطات المحدودة و التي يخولها القانون لجهة معينة على أشخاص و أعمال الهيئات المحلية بقصد حماية المصلحة العامة و تحقيقها".
و إلى جانب ذلك، فقد عرفت الرقابة الإدارية أيضا على أنها: " ذلك النشاط الإداري الذي يسعى إلى التحقق من كفاءة إستغلال موارد المنظمة و تحقيق أهدافها".
و عرفت كذلك الرقابة الإدارية أنها: " تمكين السلطة المركزية من التنسيق بينها و بين عمل السلطات اللامركزية و ذلك في الإطار القانوني لأنه لا وصاية دون وجود نص يقررها".
كما عرفت أيضا الرقابة الإدارية على أنها: " الوظيفة الإدارية التي يتم من خلالها التأكد من أن الأداء يتماشى مع أهداف و خطط و معايير المنظمة".
هذا و قد عرفها بعض الفقهاء على أنها: " الرقابة التي تقوم بها هيئات إدارية يصدر بتشكيلها و يحدد اختصاصاتها قوانين و لوائح عامة، كما تلتزم فيما تباشره من إجراءات و وسائل بالأحكام التي تنص عليها القوانين و اللوائح".
و عرفت الرقابة الإدارية أيضا على أنها:" وظيفة إدارية تعمل على قياس و تصحيح أعمال المساعدين و المرؤوسين، بغية التأكد من أن الأهداف و الخطط المرسومة قد حققت و نفذت".
من خلال هذه التعاريف، يمكن القول أن الرقابة الإدارية هي رابع وظيفة إدارية بعد التخطيط و التنظيم والتوجيه ، تقوم بها السلطة المختصة لمتابعة العمل الإداري و محاولة تصحيح الخطأ و ضمان مشروعية الأعمال و سير العمل وفق الخطة المحددة، إلى جانب تصحيح أداء المرؤوسين عند إكتشاف الأخطاء ، التي قد ترتكب غالبا بسبب التهاون و اللامبالاة من طرف الموظفين.
ثانيا: نشأة الرقابة الإدارية:
لقد ارتبطت نشأة الرقابة بالجماعة الإنسانية سواء أخذت شكل قبيلة أو عشيرة أو جماعة أو شعب، حيث اختلفت حسب الهدف و شكل التنظيم في الجماعة.
و تطورت فكرة الرقابة خلال عصور التاريخ المختلفة، فأخذت في العصور القديمة مضمونا يختلف عن مضمونها في العصور الوسطى و العصر الحديث على النحو التالي:
1 – الرقابة في العصور القديمة: ليس هناك تاريخ معين يمكن تحديده كبداية مؤكدة لنشأة الرقابة، و لكن المتتبع للحضارات القديمة يجد أن هناك ارتباطا بين الحضارات و نظم الرقابة و الإدارة، و من هذه الحضارات:
أ – الحضارة المصرية القديمة: كانت هناك بعض الأدلة تشير على وجود رقابة، مثل ما قدمه " ديموك" في مؤلفه عن أثار المصرية الموجود في المتحف البريطاني، حيث ترجع هذه الآثار إلى 288 ق م، و من نماذج هذه الآثار التقرير الذي كتبه أحد الموظفين في الإدارة و الموجه للحاكم العام، و الذي جاء فيه أن هناك عدد كبير من الموظفين بإدارة الحسابات ليس لهم فائدة، و أن وجودهم يؤدي إلى تعطيل الأعمال، كما أوضح هذا التقرير أيضا على ضرورة أن يكون على قمة الإدارة مسؤول واحد عن كل إدارة مالية فرعية تحت رقابة المجلس.
ب – الحضارة الصينية القديمة: تشير بعض الأدلة على وجود الرقابة في بعض الحضارات القديمة مثل الصينية، حيث عرفت أقدم نظام في التاريخ لشغل الوظائف على أساس عقد امتحان لدخول الخدمة العامة و اختيار الأصلح، و هو إجراء تقدمي لم تعرفه النظم المدنية إلا في القرنين التاسع عشر و العشرين.
ج- الحضارة الإغريقية: لقد اثبت الإغريق مبادئ الإدارة، و يتجلى ذلك فيما كتبه " اكسينوفون" عن فكرة الكلية في الإدارة و التخصص و الإدارة كفن، و اختبار الموظفين و تفويض السلطة.
2- الرقابة في العصور الوسطى: عرف هذا العصر قيام النظام الإقطاعي و إحكام رقابته عن طريق تركيز السلطة، حتى أصبحت الإقطاعيات وحدات حكومية برئيس واحد، و كانت المركزية أبرز سمات الإدارة.
3 – الرقابة في العصر الحديث: لقد تطورت الرقابة في العصر الحديث نتيجة ظهور الثورة الصناعية و ما صاحبها من تطور في كل المجالات، الأمر الذي أدى إلى ظهور مدارس الإدارة العلمية، إلى جانب ظهور أفكار جديدة مثل معدلات الأداء و الربط بينها و بين الأجر المتدرج، و هذا ما ساعد على تبلور معالم الرقابة الإدارية لتشمل التحقق مما إذا كانت جميع الأعمال تسير مطابقة للخطة المرسومة و التعليمات و المبادئ المحددة.