يرتكز النظام القضائي الجزائري على مبادئ عدة تجمع على تحقيق غرض واحد هو حسن سير العدالة، عن طريق تحقيق استقرار الأوضاع في الدولة و حصول المتقاضين على قضاء عادل، و في هذا الإطار تم تكريس مبادئ تجسد إلتزامات.
و على هذا الأساس، لتفصيل أكثر في هذه المبادئ تم تقسيم الموضوع إلى عدة محاور تتمثل في:
- مبدأ حياد القاضي؛
- مبدأ إستقلالية القضاء؛
- مبدأ تسبيب الأحكام القضائية؛
- مبدأ اعتماد اللغة العربية؛
- مبدأ الفصل في الدعوى خلال أجل معقول.
أما بالنسبة للهدف من هذه الدراسة فيتمثل في:
- تبيان للطالب أن القاضي يعتمد على قناعته في إصدار أحكامه دون أدنى مؤثر قد يفقده إستقلاليته.
- تمكين الطالب من معرفة أن القاضي يتميز بالحياد و ذلك لضمان و حماية حقوق المتقاضين.
- باعتبار اللغة العربية هي اللغة الرسمية فإنه يعتمد عليها في جميع الإجراءات و المرافعات و الأحكام.
- تبيان للطالب أهم الضمانات التي نص عليها التشريع الجزائري لحماية حق المتقاضي و ضمان عدم تعسف القاضي في أحكامه، و ذلك من خلال إلزامه على تسبيب أحكامه القضائية.
- إلزام المشرع الجزائري القضاة على ضرورة تعجيل النظر في القضايا و ذلك حتى لا تهدد العدالةز
1 – مبدأ حياد القاضي: يشكل هذا المبدأ أحد أهم عناصر حقوق الدفاع، و يقصد به عدم ميل القاضي إلى أي خصم سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، بحيث لا يطبق أي واقعة غير موجودة في النزاع، و لا يساعد أيا من الخصمين في الإثبات، و لا يحكم للخصم بأكثر مما يطلبه منه.
هذا و يتجسد مبدأ حياد القضاء، عن طريق إبعاد القاضي من الأعمال غير القضائية و إمكانية رده في حالات خاصة
أ – إبعاد القاضي من ممارسة الأعمال غير القضائية: يعود هذا المنع رغبة من المشرع لإبعاد القاضي عن العمل السياسي، كإنتماء لأي حوب سياسي أو مباشرة مهام نيابية على المستوى المحلي أو الوطني.
إلى جانب ذلك عمل المشرع الجزائري إلى إبعاد القاضي عن المصالح المادية و التأثيرات الشخصية، إذ لا يجوز للقاضي ممارسة أية مهنة تجلب الربح لأنه لا يمكنهخ إستعمال مركزه و نفوذه ليخدم مصالحه المادية، ة كذا لا يجوز للقاضي أن يملك مصالح في مؤسسة أو شركة سواء بنفسه أو عن طريق الغير تحت أيه تسمية، كما لا يجوز للقاضي شراء الحقوق المتنازع عليها إذا كان النظر في النزاع يدخل في إختصاص المحكمة التي يباشر مهامه فيها، و لا يجوز للقاضي أيضا النظر في الدعوى التي يتوكل زوجه كمحامي عن أحد الخصوم.
ب – رد القاضي و تنحيته عن نظر في الدعوى: و يقصد به إمكانية الخصوم من منع القاضي النظر الدعوى، و ذلك في حالات نصت عليها المواد 241 إلى 247 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية مثل إذا كان للقاضي أو لزوجه مصلحة شخصية في النزاع، إذا وجدت قرابة أو مصاهرة بينه و بين زوجه و بين أحد الخصوم أو المحامين أو وكلاء الخصوم إلى الدرجة الرابعة.
أو إذا سبق له أن أدلى بشهادة في النزاع، أو كان ممثلا قانونيا لأحد الخصوم في النزاع أو سبق له ذلك، أو إذا كان أحد الخصوم في خدمته...الخ.
2 – مبدأ إستقلالية القضاء: هذا المبدأ وليد مبدأ الفصل بين السلطات، السلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية هذه الأخيرة تكون مستقلة في أداء عملها القضائي عن جميع الهيئات الأخرى في الدولة.
هذا و تفصل السلطة القضائية في النزاعات المطروحة عليها دون تدخل أية سلطة، و ذلك ما نص عليه المؤسس الدستوري بموجب الفقرة الأولى من المادة 163من دستور 2020، و التي جاء فيها: " القضاء سلطة مستقلة"، و تضيف الفقرة الثانية من نفس المادة: " القاضي مستقل لا يخضع إلا للقانون".
و عليه يقصد بإستقلالية القضاء ألا يخضع القضاة في ممارستهم لمهامهم لسلطان أي جهة أخرى، و أن تكون مهمتهم خالصة لإقرار الحق و العدل خاضعة لما يمليه عليه القانون لا غير.
و لتحقيق هذا المبدأ على إطلاقه، وضع المشرع الجزائري ضمانات قانونية تهدف لتكريس إستقلال القضاة في أداء أعمالهم القضائية و من بينها:
أ – تقرير وسيلة إخطار القاضي للمجلس الأعلى للقضاء: لقد كرس المشرع الجزائري مبدأ حماية إستقلالية القاضي في الباب الثالث من القانون العضوي 12/22 المحدد لطرق إنتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء و قواعد تنظيمه و عمله، حيث مكن القاضي بموجب المادة 47 منه من إخطار المجلس في حالة تعرضه لأي مساس بإستقلاليتة، و ذلك بموجب عريضة يبين فيها أوجه المساس و الجهة الصادر عنها.
ب – حماية القضاة من تأثير الرأي العام: قد يؤثر الرأي العام سلبيا على حل القضية المطروحة أمام القضاء، مما يؤدي إلى صعوبة الفصل في النزاع أو قد يؤدي بالقاضي إلى الحكم في الدعوى دون التمعن في وقائعها متبعا الرأي العام.
و تأسيسا على ذلك أقر المشرع الجزائري حماية القضاء من أي تأثير، و ذلك من خلال تجريم كل فعل أو قول أو كتابة علنية، الغرض منها التأثير على القاضي أثناء سير الخصومة و لم يتم الفصل في الدعوى نهائيا.
كما جرم كل إعتداء بالعنف أو القهوة المماس على القاضي عند أداء مهامه أو بمناسبة مباشرتها، كما تقوم الدولة بحماية القاضي من كل التهديدات و الإهانات، و من السب و القذف و جميع الإعتداء الأخرى أيا كان نوعها، و التي يمكن أن يتعرض لها القاضي أثناء ممارسة وظيفته.
3 – مبدأ تسبيب الأحكام القضائية: إن تسبيب الأحكام و القرارات القضائية يعد حقاً للأطراف أو المتقاضين قبل أن يكون واجباً مهنياً للقاضي و يصنف ضمن المبادئ و القواعد الأساسية التي وضعها المشرع لحسن سير جهاز القضاء أو العدالة, والضمان الحقيقي الذي يُلجأ إليه لتحقيق الأمن القضائي إضافة إلى المبادئ الأخرى المتعلقة بحماية الحقوق و الحريات في المجتمع, فكلما استقام التعليل ثبت الدليل على شرعية الحكم و القرار, وتأكد الهدف الذي يسعى إليه المشرع والأطراف في آن واحد, وإذا حاد القاضي عن التزامه هذا, سواء بالتقصير في تسبيبه لحكمه أو قراره أو شابهما الانعدام أو الغموض فإن مآل الحق أو الهدف هو الزوال, و ينصرف عمل القاضي بذلك إلى التعسف و بالتالي انعدام الضمانات التي سُطرت له ضمن واجباته المهنية .
و قد ورد وجوب تسبيب الأحكام في الدستور في المادة 169 منه التي جاء فيها:" تعلل الأحكام و الأوامر القضائية"، و تجد هذه القاعدة تطبيقاتها في القوانين الإجرائية التي يعتمد عليها القاضي في إصدار أحكامه أو قراراته سواء أكانت ذات طابع مدني أو جزائي, إذ نصت المادة 277 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية على أنه:
" لا يجوز النطق بالحكم إلا بعد تسبيبه و يجب أن يسبب الحكم من حيث الوقائع و القانون و أن يشار إلى النصوص المطبقة...
و أن يتضمن ما قضى به في شكل منطوق ".
كما أن المادة 379 من قانون الإجراءات الجزائية بدورها نصت على أن كل حكم يجب أن يشتمل على أسباب و منطوق و تكون الأسباب أساس الحكم, و لم يستثني المشرع أي جهة قضائية بل ألزم كذلك المحكمة العليا بضرورة تسبيب أحكامها بمقتضى نص المادة 521 من قانون الإجراءات الجزائية بأن تكون أحكامها مسببة .
4 – مبدأ اعتماد اللغة العربية: حيث يتوجب تحت طائلة عد القبول، أن تتم الإجراءات و العقود القضائية من عرائض و مذكرات باللغة العربية حسب ما جاء في المادة 08 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، و هذا المبدأ يتفرع عن المبدأ الدستوري المنصوص عليه في المادة 03 من دستور2020 التي جاء فيها: " اللغة العربية هي اللغة الوطنية و الرسمية".
هذا و في حالة تقديم مستند محرر بلغة أجنبية فيتعين إرفاق ترجمة رسمية له باللغة العربية محررة من طرف مترجم معتمد، و جزاء تقديم أي مستند غير مصحوب بترجمة عربية هو عدم قبوله، لأنه من النظام العام يثيره القاضي من تلقاء نفسه إذا لم يثره الخصوم.
و جزاء صدور حكم بغير اللغة العربية هو بطلانه، و للقاضي أن يثير تلقائيا بطلان الحكم باعتباره من النظام العام طبقا للفقرة 04 من المادة 08 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.
و فضلا عما سبق، يتوجب أن تجري المناقشات و المرافعات باللغة العربية طبقا لما نصت عليه الفقرة 03 من المادة 08 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.
5 – مبدأ الفصل في الدعوى خلال أجل معقول: لم ينص المشرع الجزائري على مدة معينة يتم خلالها الفصل في الدعوى المعروضة على القضاء، إلا أنه نص على التزام الجهات القضائية على العمل بعدم المماطلة في الفصل في النزاعات المعروضة عليها، و في الشأن تنص المادة 03 في فقرتها 04 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية على أنه: " تفصل الجهات القضائية في النزاعات المعروضة أمامها في آجال معقولة ".
من المتفق عليه أن بطء التقاضي ظاهرة تهدد العدالة، بل و تجرد حق التقاضي الذي يكفله الدستور من كل قيمة عملية، ذلك أن اللجوء إلى القضاء في بعض الأحيان يعد وسيلة في يد المماطل للمراوغة و التعطيل، إذ رسخ في أذهان الكثير أن خير سبيل لإعاقة حق طرحه أمام القضاء.
و من أجل هذا، تدخل المشرع في إطار قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، بالنص على ضرورة العمل في إطار الفصل في النزاعات أن يتم ذلك في آجال معقولة دون المساس بحقوق الأطراف المتنازعة أو عدم التمعن في عناصر النزاع.