بالرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد، نجد أن المشرع الجزائري من خلال أحكامه التمهيدية، قد أقر جملة من المبادئ الأساسية للقضاء، و هذه الأخيرة مكرسة في الأنظمة القضائية العالمية و في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و التي تضمن للمتقاضي محاكمة عادلة وفقا للدستور و مبادئ العدالة المواثيق الدولية.

   و على هذا الأساس، يمكن تقسيم هذه المبادئ التي تجسد الحقوق إلى عدة محاور تتمثل في:

-      مبدأ حق اللجوء إلى القضاء؛

-      مبدأ المساواة أمام القضاء؛

-      مبدأ علانية الجلسات؛

-      مبدأ الوجاهية؛

-      مبدأ التقاضي على درجتين؛

-      مبدأ المساعدة القضائية.

   أما بالنسبة لأهم الأهدف من هذه الدراسة فتتمثل في:

-       تمكين الطالب معرفة تمتع كل شخص بحق اللجوء إلى القضاء و اهم القيود التي أوردها المشرع عليه.

-       تبيان للطالب مبدأ المساواة بين المتقاضين و عدم التمييز بينهم مهما كان مركزهم القانوني.

-       معرفة الطالب لضمانة و ضعها المشرع الجزائري لتحقيق العدالة و المتمثلة في علنية الجلسات و تمكين المتخاصمين من طلبات و مزاعم الطرفين.

-       معرفة أهم الجهات القضائية درجة أولى و كذا جهات الدرجة الثانية.

 

   تتمثل هذه المبادئ في:

1 – حق اللجوء إلى القضاء: يعتبر هذا المبدأ حق من الحريات العامة، فهو حق مكفول دستوريا بموجب نص المادتين 164 و 165 من دستور 2020، و الذي خول للسلطة القضائية حماية المجتمع و الحريات و حقوق المواطنين، و أن القضاء متاح للجميع، إذ لن يكون لإستقلالية القضاء أي معنى إذا لم يستطيع المواطن اللجوء إليه بكل حرية للدفاع عن حقوقه الأساسية.

   هذا و يتجسد حق اللجوء إلى القضاء من الناحية الإجرائية في حق كل شخص في رفع دعوى قضائية، للمطالبة بحماية حقه عن طريق الحصول على حكم قضائي فاصل في موضوع الدعوى المعروضة أمام القضاء.

   إذا فحق اللجوء إلى القضاء حقا دستوريا يتمتع به أي شخص مهما كانت طبيعته القانونية، إذ لا يمكن التنازل عليه أو وضع إستثناءات عليه ما عدا الشروط المتعلقة بالأهلية.

الإستثناءات الواردة على حق اللجوء إلى القضاء: بالرغم من أن حق اللجوء للقضاء هو حقا مكفول دستوريا، إلا أن المشرع الجزائري قد قيد في حالات خاصة الشخص من عدم إستطاعته اللجوء إلى القضاء و تتمثل هذه الحالات في: 

أ – حالة الإتفاق: و هو أن يتفقا الطرفين على اللجوء إلى طريق بديل لتسوية النزاع كالتحكيم، مثلا و هو ما نصت عليه المادة 1006 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، و التي جاء فيها: " يمكن لكل شخص اللجوء إلى التحكيم في الحقوق التي له مطلق التصرف فيها".

ب – حالة النص التشريعي: حيث يقيد المشرع في حالات معينة من حق اللجوء إلى القضاء، مثل وجوب عرض النزاع على جهة أخرى قبل اللجوء القضاء كالنزاع الفردي في العمل، أو تحديد ميعاد لإستعمال بعض الدعاوى مثل نص المادة 829 قانون الإجراءات المدنية و الإدارية على آجال 04 أشهر لرفع دعوى الإلغاء تحسب من تاريخ التبيلغ.

2 مبدأ المساواة أمام القضاء: يعد مبدأ المساواة أمام القضاء من أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام القضائي، بل يشكل أول لبنة يقوم عليها أي صرح قضائي عادل.

   و حتى تتحقق المساواة يجب أن يكون لكل شخص الحق في اللجوء إلى القضاء، و عدم التمييز بين المتقاضين مهما كان مركزهم القانوني.  

   هذا و قد نص المؤسس الدستوري على هذا المبدأ الجوهري بموجب المادة 165 من دستور 2020، و التي جاء فيها: " يقوم القضاء على أساس مبادئ الشرعية و المساواة ".

   و على هذا الأساس، قإن مبدأ المساواة يتحقق عن طريق وحدة الجهات القضائية المختصة، و كذا وحدة القانون المطبق، و بهذا لا يكون القاضي قد أخل بمبدأ المساواة حين يستعمل سلطته التقديرية، و النطق بأحكام مختلفة تبعا لإختلاف كل قضية.

   و إلى جانب ذلك، تجدر الإشارة أيضا أن المساواة بين المتقاضين تتطلب إعطاء كل الخصوم فرصا متساوية في الإثبات و إجراءات التحقيق.

الإستثناءات الواردة على مبدأ المساواة: لقد أورد المشرع الجزائري إستثناءات على مبدأ المساواة و التي تتمثل في:

أ – الحصانة البرلمانية: و هي إمتياز دستوري لأعضاء البرلمان بصفاتهم لا بذواتهم، تمكنهم هذه الحصانة من حرية الرأي و التعبير دون أية مسؤولية جنائية تترتب على ذلك أثناء ممارستهم لواجباتهم البرلمانية. و لا تتم مقاضاتهم إلا بعد إسقاط الحصانة.

ب – الحصانة الدبلوماسية: عبارة عن إمتياز يمنح للمبعوث الدبلوماسب، يمكنه من التحرر من الخضوع التام للقوانين الدولة المضيفة، و ذلك بهدف تمكينهم من أداء وظيفتهم بشكل صحيح بالنسبة للدولتين الموفدة و المضيفة.

   و عليه فالسلك الدبلوماسي يتمتع بالحصانة القضائية و لا يخضعون لولاية الحاكم في الدولة الموفد إليها، و ذلك بالنسبة لما يقترفونه من جرائم على إختلاف أنواعها، كما لا يجوز إتخاذ أي إجراء قضائي من قبض أو تحقيق أو إتهام أو محاكمة ضدهم طبقا للإتفاقيات الدولية.   

3 – مبدأ علانية الجلسات: هو مبدأ مكفول دستوريا نص عليه المؤسس الدستوري بموجب المادة 2/169 و التي جاء فيها: " ينطق بالأحكام القضائية في جلسات علنية "، و مضمون الحق في محاكمة علانية و غير سرية ضمانة لعدالة منصفة، و تشمل علانية المناقشات و المرافعات و النطق بالأحكام الفاصلة في المنازعات، و كل إستثناء لمبدأ العلانية يجب أن يكون منصوصا عليه في القانون، و يقرر لمصلحة المتقاضي أو للمحافظة على النظام العام.

   فالأصل في سير الجلسات، أن تتم في شكل علني لإضفاء الثقة و الطمأنينية و الوقوف على كافة إجراءات التقاضي التي يتساوى فيها جميع المتقاضين، و ذلك تحقيقا للشفافية و ضمانا لقضاء عادل.

   فالعلانية هي إحدى الضمانات لنزاهة القاضي و عدم تحيزه و حسن سير العمل القضائي، و تمنح المواطنين فرصة للإطلاع على أعمال المحاكم من خلال حضور الجلسات و متابعة مجرياتها.

الاستثناءات الواردة على مبدأ العلانية: لقد نصت المادة 07 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية على أنه: " الجلسات علنية، ما لم تمس العلنية بالنظام العام و الأداب العامة أو حرمة الأسرة ".

   قد استبعد مبدأ العلانية من بعض القضايا و أوجب أن تعقد في جلسة سرية، و من ذلك الدعاوى المتعلقة بإثبات النسب أو البنوة، أو الأبوة أو الأمومة لشخص مجهول النسب، أو إنكار الأبوة و هذا ما نصت عليه المادة 491 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، و كذلك دعوى إلغاء الكفالة أو التخلي عنها حسب ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 496 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

   كما استعبد المشرع الجزائري أيضا القضايا المتعلقة بالنظام العام و الأداب العامة، و حرمة الأسرة طبقا لما نصت عليه المادة 07 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

   و تقدير عقد الجلسة سريا في القضايا السابقة هو من المسائل التي تستقل بها المحكمة، و متى قررت هذه الأخيرة عقد جلستها سرية فليس عليها أن تثبت ذلك في الحكم القضائي الذي تصدره، إذ يكفي أن تثبت ذلك في محضر الجلسة مع بيان أسبابه، على أن يتم النطق بالحكم علانية و أن يشار إلى ذلك في الحكم ذاته طبقا لما نصت عليه المادة 276 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

4 – مبدأ الوجاهية: يعد هذا المبدأ من المبادئ الأساسية التي لا يتسنى لأي نظام قضائي الإستغناء عنه، فهو يعد تطبيقا لمبدأ حق الدفاع، و قد نص عليه المشرع الجزائري في المادة 3/3  من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، و هو مبدأ منبثق عن مبدأ المساواة الجميع أمام القانون، التي يترتب عليها وجوب مناقشة مزاعم و مطالب الخصوم و الرد عليها، إذ لكل خصم الحق الإدعاء و حق الدفاع، كما له أن يطلع على طلبات و إدعاءات خصمه و ما يقدمه من أوراق و مستندات، و تمكينه من مناقشتها و الرد عليها بما يضمن عدم مفاجأة الخصم بالتصرفات و الأعمال التي تتم في إطار الدعوى المطروحة على القضاء.

   و إلى جانب ذلك، يمكن للخصم أيضا أن يحضر الإجراءات المتعلقة بالإثبات و الأدلة مثل التحقيق و الخبرة.  

   مما سبق، يتبين لنا أن مبدأ الوجاهية يهدف إلى تحقيق العدالة التي يسعى إليها الأطراف، بإعتباره من أهم حقوق الدفاع، و إن إعمال هذا المبدأ يترتب عليه عدة نتائج تتمثل في:

-       يمكن مبدأ الوجاهية الخصم من معرفة ما لدى خصمه من وسائل دفاع و أدلة و مستندات، التي يتم تبليغه بها طبقا لما نصت عليه المادة 21 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية؛

-       يمنح مبدا الوجاهية للخصم الوقت الكافي حتي يتمكن من الرد على طلبات و مزاعه خصمه؛

-       يحق للخصم أن يحاط علما بما منح للقاضي من وثائق لها تأثير على الفصل في النزاع؛

-       ليس للقاضي أن يحكم دون سماع جميع الأطراف، إذ بغير سماعهم لا يمكنه معرفة الحقيقة، ذلك أن القاضي ملزم بالإستماع إلى الخصوم و محاميهم و موكليهم وجاهيا طبقا لما نصت عليه المادة 263 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية؛

-       يلزم مبدأ الوجاهية القاضي بإعلام الخصوم حين يأمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق، و أن يمكنهم من الحضور حين القيام بهذا التحقيق.

5 مبدأ التقاضي على درجتين: إن التقاضي يقوم على درجتين ما لم ينص القانون على خلاف ذلك طبقا لنص المادة 06 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.

   و مقتضى هذا المبدأ أنه يجوز للخصم الذي خسر دعواه أمام المحكمة التي نظرت في قضيته لأول مرة، أن يلجأ مرة ثانية إلى جهة أعلى للفصل فيها من جديد بذات سلطات المحكمة الأولى.

   و تطبيقا لهذا المبدأ تصدر المحاكم أحكامها إبتدائيا كدرجة أولى، ليطعن فيها بالإستئناف أمام المجالس القضائية بإعتبارها درجة ثانية في التقاضي.

   بهذا فقد منح المشرع الجزائري المجلس القضائي صلاحية الفصل في الإستئنافات المرفوعة ضد أحكام المحاكم، و ذلك وفقا لما نصت عليه المادة 14 من القانون العضوي 10/22 المتعلق بالتنظيم القضائي، و التي جاء فيها: " يعد المجلس القضائي جهة إستئناف للأحكام الصادرة عن المحاكم و في الحالات الأخرى المنصوص عليها قانونا".

   و أما في المواد الإدارية، تفصل المحكمة الإدارية في المنازعات المطروحة عليها بأحكام إبتدائية قابلة للإستئناف أمام المحاكم الإدارية للإستئناف، فضلا عن الإختصاص المخول للمحكمة الإدارية للإستئناف لمدينة الجزائر بالفصل في أول درجة في دعاوى الإلغاء و تفسير و تقدير مشروعية القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات المركزية، و الهيئات العمومية الوطنية، و المنظمات المهنية الوطنية.

   من خلال ما سبق، يعد مبدأ التقاضي على درجتين من أهم الضمانات الأساسية لتحقيق العدالة، حيث أن القاضي قد يخطأ في فهم الوقائع، أو قد يسيئ تطبيق القاعدة القانونية، و لذلك يحق للطرف المتضرر أن يرفع النزاع من جديد أمام الجهة القضائية للدرجة الثانية، لتعيد الفصل فيه منم جديد، و من تم تصحيح ما وقع فيه قاضي الدرجة الأولى من خطأ في الوقائع، أو خطأ في القانون أو يؤيد نفس الحكم في حالة عدم وجود خطأ.

6 – مبدأ المساعدة القضائية:  و هي تمكين الأشخاص الذين لا يملكون الأموال الكافية من ممارسة حقوقهم أمام القضاء دون دفع المصاريف القضائية.

   هذا و يستفيد من المساعدة القضائية كل شخص طبيعي أو معنوي (مؤسسة ذات مصلحة عامة، أو جمعية) سواء كان هو رافع الدعوى أو رفعت الدعوى ضده.

   و عليه يستفيد من المساعدة القضائية بقوة القانون الأشخاص الذين يحملون الصفات التالية :
 -  أرامل الشهداء غير المتزوجات؛

-       لمعطوبي الحرب؛

-       للقصر الأطراف في الخصومة؛

-       لكل طرف مدعي في مادة النفقات؛

-       للأم في مادة الحضانة؛،

-       للعمال في مادة حوادث العمل أو الأمراض المهنية وإلى ذوي حقوقهم.

   يمكن طلب المساعدة القضائية في الحالات التالية :

-       النزاعات التي ترفع أمام أي جهة قضائية ( محكمة، مجلس قضائي، مجلس الدولة، المحكمة العليا).

-       كل الإعمال والإجراءات الولائية (كالكفالة) والأعمال التحفظية (كالحجز على الأموال) حتى في حالة عدم وجود نزاع الأعمال والإجراءات التنفيذية( تنفيذ الأحكام...).

   حيث يتم الحصول على المساعدة القضائية من خلال تقديم طلب مكتوب يحرره الطالب يتضمن ملخص  لموضوع الدعوى، و هذا الطلب يقدم إلى مكاتب المساعدة القضائية الموجودة لدى الجهات القضائية وفقا للحالات التالية :

-       إلى وكيل الجمهورية الذي يقع سكن الطالب في دائرة إختصاصه إذا رفعت الدعوى أمام المحكم؛

-       إلى النائب العام لدى المجلس القضائي إذا كانت الدعوى من اختصاصه؛

-       إلى النائب العام لدى المحكمة العليا أو محافظ الدولة لدى مجلس الدولة في القضايا التي تكون من اختصاصهما.

   أما في حالات الاستعجال تعطى المساعدة القضائية من طرف النائب العام أو وكيل الجمهورية المختص شرط تقديم طلب في أقرب جلسة قادمة إلى مكتب المساعدة القضائية.

   هذا و يرفق طالب المساعدة طلبه بالوثائق التالية:

-       نسخة من مستخرج جدول الضرائب أو شهادة عدم فرض الضريبة؛

-       تصريح الطالب يثبت فيه أن أمواله غير كافية للتكفل بمصاريف القضاء مصادق عليه من قبل رئيس المجلس الشعبي البلدي لمقر سكنه.

   هذا و تتكفل المساعدة القضائية بإعفاء الطالب الذي إستفاد منها بصفة مؤقتة :

-       من دفع مبالغ حقوق الطبع، التسجيل، الرسم القضائي أو الغرامة، وكذا من دفع مبالغ كتابة الضبط، الموثقين، المحامين والمدافعين سواء تعلق الأمر بحقوقهم، أجورهم، مكافآتهم، مصاريف تنقل القضاة وكتاب الضبط، رسوم الشهود، الخبراء وأجورهم.

-       تسليم النسخ العادية و التنفيذية للأحكام الصادرة في القضية مجانا.

-       لا تسلم العقود أو النسخ التي يطلبها المساعد القضائي مجانا إلا بأمر يصدره رئيس الجهة القضائية يعفيه من حقوق الطابع والتسجيل.

 

Modifié le: jeudi 13 mars 2025, 10:58