علاقة السلطة بالعلماء في  المدينة:

لقد كان العثمانيون عامة يبجلون العلماء و المرابطين لذا فالعلاقة التي ربطتهم بعلماء الجزائر ،ليست جديدة عليهم، فقد كانت راسخة فيهم، حيث حملوا معهم هذا الشعور والإحساس إلى  الجزائر بحيث كانت الطرق تقودهم و تؤثر فيهم و تحميهم و تدفع بهم نحو الجهاد أماهم فكانوا يدينون لرجالها بالولاء ويتبركون بهم، و ينظرون إليهم نظرة المريد إلى شيخه و العبد إلى سيده.

لهذا فمن الطبيعي أنّ العلاقة التي ربطت العثمانيين بعلماء و أولياء الجزائر تعكس لنا ما كان بإسطمبول، حيث كانت الإنكشارية على علاقة وطيدة بالدراويش خاصة المولوية، و البكداشية،  التي اتخذ الإنكشارية من زعيمها "حاجي بكداش" حاميا و رمزا لهم ، فالجندي الإنكشاري كان لما يحل بالجزائر يحمل معه عقائد مارسها في موطنه الأصلي وبالمقابل وجد مرابطين اخرين بالجزائر يزودونه بالبركات و الدعوات كلما خرج  إلى الغزو البحري، كما كان يفعل آباؤه في الأناضول، و البلقان، خاصة إذا عرفنا أن الدراويش الذين يرافقون الجيش لا يعودون إلى اسطنبول بل يلازمون الجيش، و بعد وفاتهم تنسج حولهم الأساطير، فيصبحون جزءا من التقاليد العامة، حيث لا يكاد يخرج الجند إلى المعركة إلا بعد تبركهم بولي سواء كان حيا أو ميتا، كما كان من عادة رؤساء المراكب الجهادية عند استعدادهم للحرب زيارة ضريح الولي سيدي عبد الرحمن الثعالبي، فإذا كان العثمانيون اعتمدوا على البكداشية و المولوية باسطنبول فبالجزائر اعتمدوا على المرابطين و رجال الطرق الصوفية خاصة الشاذلية والقادرية.

إن العثمانيين بالجزائر عامة كانوا يبجلون المرابطين و رؤساء الطرق، و يؤمنون بمعتقداتهم التي تميل إلى الخرافة أكثر منها إلى المنطق، فحتى الذين عرفوا منهم بميولهم الثقافية اعتنقوا التصوف، و صدقوا هذه الاعتقادات منهم صالح باي الذي، و رغم تدعيمه للحياة الثقافية كان يؤمن بالخرافات حيث أنه بعد قتله للمرابط "محمد الغراب" خاف سوء طالعه، فبنى له ضريحا بقبة جميلة، أما الباي محمد الكبير و بالرغم من استنارته وثقافته فقد أخذ القادرية عن جد الأمير عبد القادر، و بقي في خدمته ساعيا لإرضائه، كما أن اعتقاده في الأولياء كان قويا بحيث لما عزم على فتح وهران اطمئن قلبه بعدما بشره الأولياء بفتحها ، و لما حدد موعد الفتح، و كان وقت حصاد طلب منه الناس تأجيل الأمر حتى فصل الخريف، و هذا بعدما يجمعوا معاشهم، لكن الباي فضل استشارة الأولياء و العلماء حيث كان جوابهم لهم  "رأيكم فيه الحكمة و الصواب و لكن أنتم و نحن في رأي الأولياء و العلماء أولى الألباب فهم أدرى بالأمور، و بإشارتهم يكون الفوز والسرور"، فبعث للولي سيدي محمد بن أبي دية الضرير بجبل تسالة، حيث أخبره هذا الأخير بأنه سيفتحها في العام المقبل، فلما حان موعد الفتح سار و هو مطمئن القلب. ونتيجة للاعتقادات التي حملها العثمانيون معهم فقد بالغوا في تعظيم العلماء خاصة المرابطين و اطمئنوا إليهم، و تبركوا بهم، و استشاروهم في عدة أمور سياسية، كما أطلعوهم على خططهم، و أغدقوا عليهم الهدايا، و الهبات باعتبارهم أكثر فئات المجتمع إيمانا بمعتقداتهم الدينية و نزعتهم الجهادية، كما كانوا القوة الوحيدة المؤثرة في المجتمع والتي يمكنهم الاعتماد عليها لإخضاع الأهالي والتحكم فيها عبر كل أرجاء إيالة

علاقة السلطة بالعلماء لم تكن دائما قائمة على أساس المحبة الدائمة ، بل على أساس المصالحة والخدمة، فلا تكاد تمر قضية يتدخل فيها عالم أو مرابط لصالح السلطة إلا وكانت متبوعة بامتيازات كالإعفاء من المطالب المخزنية والضرائب، وكان الحكام لا يتقربون من العلماء إلى عند الحاجة.

في المناطق الخاضعة، تمتع العلماء و المرابطين بالمدن بوضعية مريحة مقابل حيادهم في الأمور السياسية إرضاء للسلطة، و بعدم تدخلهم في الأمور العامة إلا لتأييد السلطة ، وهو ما يفسر انعزالهم عن السلطة كليا، إضافة إلى نيلهم نسبة من مغانم القرصنة، و الهدايا في المناسبات، هذه الامتيازات تحولت فيما بعد إلى امتيازات من النوع الروحي،  فمثلا السلطة دعمت و ساندت زاوية الثعالبي المشهورة لكونها بمركز السلطة )مدينة الجزائر( و كذلك لكون الثعالبي من أبناء المنطقة.

وربما لهذه الأسباب تقلص دور العلماء السياسي بالمدن كفئة اجتماعية، فمعارضتهم للسلطة كانت أقل مما كانت عليه بالريف حيث أن الزوايا التي توجد في المناطق الغير مراقبة و التي لها تأثير في المدن، ربطت علاقات صداقة تمثلت في الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعومل شيوخها و مقدموها باحترام بسبب نفوذهم كالطريقة الرحمانية.

لهذا فالإطار الذي وجد فيه العلماء بالمدن لم يسمح لهم بالقيام بتجاوزات على حساب السلطة على غرار ما كان يحدث بالأرياف من فتن و معارضات تزعمها شيوخ الزوايا والمرابطون. 

علاقة السلطة  بالمرابطين والزوايا بالأرياف::

لقد اختلف الأمر بالأرياف عما كان بالمدن، وكان أكثر تعقيدا، حيث كان الأتراك في البداية مضطرين للرضوخ لمطالب هذه الفئة و خاصة و أنهم لم ينتصروا على الاسبان ولم يبسطوا حكمهم بين الأهالي إلا بمساعدة أغلبية مشايخ الزوايا الذين ركزوا بالمقابل على قوتهم المالية. و بما أنه كان بالريف من المرابطين من توجه نحو التصوف الروحي و منهم من كان يتزعم قبيلة أو عدة قبائل و اهتمامه كان الأمور الدنيوية، لذا فظهور التركي كان كمنافس له أكثر منه كبطل للإسلام، لذا كان بالريف منهم من ساعد الأتراك إما كوسطاء أو كمصلحين، و هناك من وقف موقفا غامضا اتجاه السلطة.

بالإضافة إلى المواقف المعادية، والتي تبناها مرابطو، و شيوخ الزوايا الذين لم يعترفوا بشرعية سلطة البايلك، و يرجع موقفهم غالبا حسب الأستاذ سعيدوني إلى سبب اقتصادي، و بالمقابل كان البايلك يرى أنها مؤسسات إسلامية بدون عقيدة و كان تمركزها في المناطق الجبلية بعيدا عن أعين السلطة، مثال ذلك الدرقاوية التي سيبرز دورها ألعدائي جليا بعد القطيعة التي حدثت بين العلماء و السلطة أواخر العهد العثماني.

في البداية ظهر أن السلطة سعت لاحتوائها، والتصالح معها أكثر مما سعت لكبحها، وفضل الحكام التأقلم مع المرابطين على مجاهرة العداء لهم و خاصة بعدما أدركوا مدى نفوذ وتجذر الطرق الصوفية في حياة الناس، و إدراكهم للدور الذي يمكن أن يؤديه المرابط. لذا لم يعاملوا المرابطين معاملتهم لسائر الناس حيث كانوا يستشيرونهم، ويشركونهم في المعارك، والمفاوضات، و جاملوهم بالهدايا و كلمات التعظيم، و اقتطاع أراضي لهم، و جعلوهم كمساعدين لهم في إخضاع الأهالي عن طريق نفوذهم الديني و إحاطتهم بكل ما يحدث في الإيالة.


Modifié le: samedi 18 mai 2024, 23:14