العوامل المؤثرة في تركيبة مجتمع الإيالة الجزائرية

1-     في ماهية المجتمع وحقيقته:

        المجتمع في اللغة كلمة مشتقة من الفعل "جمع"، أي اجتماع الناس على شكل جماعة، أمّا اصطلاحاً فإن مصطلح المجتمع يشير إلى كل مجموعة أفراد تربطهم رابطة ما معروفة لديهم. ولها أثر دائم أو مؤقت في حياتهم وفي علاقاتهم مع بعضهم البعض. ويعيشون في منطقةٍ "مساحةٍ" معينة، ولهم لهجة أو لغة مشتركة، بحيث يشتركون في كلّ الصفات والخصائص التي يملكها مجتمعهم، بما فيها الخصائص الثقافية والحضارية والعادات والتقاليد...الخ.

        فالمجتمع هو شعب وليس أرض، لكنّ افراده غالباً ما يكونون قادرين على تبيان حدود الأرض التي تخصهم، وهو بنية اجتماعية وشبكة من العلاقات والتفاعلات والسلوكيات الإنسانية التي تربط الأفراد بعضهم ببعض وتجعلهم يشعرون بالانتماء إليه في عقولهم وقلوبهم

         ولا شك أن أي مجتمع يعيش في إطار منظومة من القواعد والقيم والعادات والتقاليد التي يسلم بها ويعدها إطاراً مرجعياًّ لعمليات التفاعل التي تحدث بين أفراده، والمهم في المجتمع هو أن أفراده يتشاركون هموماً أو اهتمامات مشتركة تعمل على تطوير ثقافة ووعي مشترك يطبع المجتمع وأفراده بصفات مشتركة تعمل على  تطوير ثقافة ووعي مشترك يطبع المجتمع وأفراده بصفات مشتركة تشكل شخصية وهوية هذا المجتمع ، وفي هذا السّياق يذكر أبي راس الناصري في كتابه المحقق عجائب الأسفار ولطائف الأخبار أن دراسة أوضاع المجتمع مرتبطة بأحوال السكان وعاداتهم وتقاليدهم، وتتناول أساساً الطوائف والأقليات التي كان يتألف منها سكان المدن وعلاقتها بالدولة[5].

2-     العوامل المتحكمة في تنوع التركيبة السكانية للمجتمع الجزائري على عهد العثمانيين:

        إنّ الدّارس لواقع المجتمع الجزائري خلال العهد العثماني، سيقف على ظهور نسقٍ اجتماعي جديد داخل المجتمع، وهو النسق الذي اتصف بتمايز السكان حسب نمط معيشتهم وأسلوب حياتهم واختلاف مصادر رزقهم وطبيعة علاقاتهم بالحكام مما أدى إلى تصنيفهم إلى عدة طوائف وجماعات، ومما لاشك فيه أن هذا النسق قد صنعته مجموعة من المؤثرات (العوامل) الداخلية والخارجية والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

- ارتفاع عدد الوافدين إلى الجزائر من العثمانيين والأندلسيين، فبالنسبة للعثمانيين فقد حلّ بالجزائر كبار المسؤولين العثمانيين، وتشكّلت على إثر الوجود العثماني بالجزائر طائفة الأتراك التي ضمّت جنود الإنكشارية، والمتطوعين الذين أرسلهم السلطان العثماني سليم الأوّل (1512 – 1520) إلى خير الدين بربروس في أعقاب انضمام الجزائر إلى الخلافة العثمانية، وغيرهم من الأتراك العثمانيين الذين كانوا يتوافدون من المشرق.

هذا فضلاً على قدوم بعض علماء اسطنبول وفقهائها إلى الجزائر؛ نتيجة الدعم والتشجيع الذي لقيه هؤلاء العلماء من قبل رجال السلطة العثمانية بالجزائر. كما حلّ بالجزائر عدد كبير من المهاجرين الأندلسيين الفارين من اضطهاد الإسبان الذين استولوا على أملاكهم وديّارهم وهددوهم في عقيدتهم ولغتهم، فاستقروا بعدة مدن كشرشال وتنس، ومستغانم ومدينة الجزائر ودلس وبجاية وعنابة...الخ.

- مصاهرة الوافدين من الأتراك للسكان الأصليين، وهو ما أدى إلى ظهور عناصرٍ جديدةٍ على المستوى المحلّي عرفت بالكراغلة، هذا ما أكده الباحث أرزقي شويتام في دراسته لتركيبة المجتمع الجزائري خلال العهد العثماني، حين اعتبر الامتزاج الحقيقي الذي عرفه المجتمع الجزائري والذي أدخل عليه بعض الملامح الأوروبية  كان عن طريق الوافدين من العثمانيين والأندلسيين الذين اختلطوا بالعنصر المحلي من العرب والأمازيغ. حيث أشاد دارسوا مرحلة التواجد العثماني بالجزائر بذلك التنوع الكبير في الأحباس داخل الجزائر، إذ يقول شارل أندري جوليان في هذا السيّاق: "وهذا الاختلاط له ميزة عظيمة فيما يبدو، حيث أنه لا توجد سوى شعوب قليلة في العالم تفوق سكان الجزائر في هذا المجال، وملامحهم بصفةٍ عامة، قوية التعبير، وألوانهم ليس أغمق من سكان جنوب إسبانيا".

- ظاهرة الهجرة من الأرياف نحو المدن الكبرى التي أدّت إلى ظهور ما اصطلح على تسميتها بفتات "البيراني أو البرانية". ضمن التجمعات السكانية في المدن.

- تزايد نشاطات البحرية الجزائرية قد ساهم في جلب عدد كبير من الأسرى المسيحيين الذين قدّر عددهم بالآلاف (فيهم النساء، الأطفال، أصحاب المهارات، الأدباء...)

- توافد العناصر السودانية نتيجة الاتصالات التجارية بين الجزائر والسودان الغربي، كما أنّ الجزائر العثمانية قد شهدت نشاطاً أوروبياً بحريّاً كبيراً على سواحلها وفي مدنها الرئيسية. الأمر الذي شجّع التجّار الأوروبيون على التوافد نحو الجزائر خاصة بعد منتصف القرن 17 م لممارسة التجارة، وتعريف غنائم الجهاد البحري وعقد الصفقات بين الدوّل الأوروبية وحكومة البايلك.

- المكانة الدولية التي حظيت بها الجزائر على عهد العثمانيين، مما جعلها تعرف عدة قناصل وممثلي لدول أجنبية، ومن معهم من موظفي القنصليات ووكلاء المؤسسات التجارية الذين تواجدوا بالجزائر.

- هجرات اليهود إلى الجزائر خلال العهد العثماني ومساهمتها في وجود الجالية اليهودية.

- تأثر الوضع الاجتماعي في الجزائر خلال العهد العثماني بمجموعة من الاضطرابات الداخلية والخارجية؛ الداخلية (إضراب عام 1805 الذي نشب بين اليهود والانكشارية) والخارجية (الحملات الأوروبية ضد الجزائر مثل الحملة الإنجليزية الهولندية عام 1816) ممّا انعكس سلباً على نمو السكان.

 



آخر تعديل: الثلاثاء، 6 فبراير 2024، 7:46 PM