تمهيد :

يعد الاستثمار المالي من الركائز الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي وتعظيم الثروة. يتطلب اتخاذ قرارات استثمارية فعّالة في سوق الأوراق المالية فهماً عميقاً لعدة عوامل ومحددات تؤثر على هذه القرارات. فيما يلي استعراض لأهم هذه المحددات، بالإضافة إلى مناقشة مشكلة الاختيار في ظل حالات التأكد وعدم التأكد، وكيفية ترتيب الاستثمارات بناءً على التدفقات والاحتمالات.

المفهوم الاقتصادي للاستثمار

في الاقتصاد غالبا ما يقصد بالاستثمار معنى اكتساب الموجودات المادية، وذلك لأن الاقتصاديين ينظرون إلى التوظيف أو التثمير للأموال على أنه مساهمة في الإنتاج، والإنتاج هو ما يضيف أو يخلق منفعة تكون على شكل سلع وخدمات. فهو أي استثمار يهدف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للمجتمع، بمعنى آخر هو كل استثمار يؤدي إلى زيادة في الدخل القومي الإجمالي، من هنا كان استخدام الموارد الاقتصادية أو استغلالها بشكل يضيف أي سلعا أو منتوجات جديدة أو خدمات جديدة يعتبر استثمار بالمعنى الاقتصادي وهو الاستثمار الحقيقي.

المفهوم المالي للاستثمار :

يقصد به عملية شراء وبيع الأوراق المالية مثل الأسهم والسندات وشهادات الإيداع ... الخ والتي تعرف بالأوراق المالية، وهذا النوع من الاستثمار يوصف بأنه استثمار غير حقيقي على نقيض الاستثمار الاقتصادي كونه لا يخلق طاقة إنتاجية جديدة، بل هو عبارة عن استهلاك جزء من طاقة قائمة أصلا، فإذا اشترى شخص أسهم شركة ما قائمة فهذا يعني تحويل ملكية تلك الأسهم من شخص لآخر. وبالتالي فالاستثمار المالي يشمل على تداول الأدوات الائتمانية وفي مقدمتها الأسهم والسندات والذي لا يترتب على الاستثمار فيها إضافة جديدة عينية إلى إجمالي الاستثمار العيني، بل إن شراء هذه الأسهم والسندات يمكن أن يسهم في تمويل الأنشطة الاستثمارية العينية.

مفهوم القرار الاستثماري :

يمكن تعريف القرار الاستثماري على أنه القرار الذي يقوم على اختيار البديل الاستثماري الذي يقدم أكبر عائد استثماري من بين بديلين على الأقل، والمبني على مجموعة من دراسات الجدوى التي سبقت عملية الاختيار  ، وبالتالي يمكن القول أن القرار الاستثماري هو عبارة عن مفاضلة بين مجموعة من البدائل الاستثمارية ومن ثم اختيار أفضل بديل يقدم أكبر عائد وفق أحد الطرق المعتمدة للاختيار.

أهمية القرار الاستثماري

إن عملية اتخاذ القرارات الاستثمارية تعد من العمليات المصيرية والبالغة الأهمية والتي يتم اتخاذها في المؤسسات بشتى أنواعها؛ حيث يُعتبر القرار الاستثماري من أهم القرارات التي يتم اتخاذها؛ نتيجة تأثيره بشكل مباشر في أرباح المؤسسة وفي المحافظة على استقرارها وفي المحافظة على السيولة المالية فيها، جميع هذه المؤشرات هي مؤشرات أساسية تسعى أي مؤسسة إلى تحقيقها بغض النظر عن الظروف الداخلية والخارجية المحيطة بها.

فالأرباح التي تجنيها المؤسسات من خلال الاستثمارات المحتفلة تمكنها من تحقيق الأهداف التي أنشأت من أجلها، كما تساهم في رفع قيمتها السوقية وكذا دفع الأرباح لحملة الأسهم وتعظيم قيمتهم، إضافة إلى إمكانية التوسع وانشاء استثمارات جديدة.

خصائص القرار الاستثماري : هنالك مجموعة من الخصائص المميزة للقرار الاستثماري من بينها نذكر :

قرار غير متكرر، لأن كل تطبيقات دراسات الجدوى تتم في فترات زمنية.

له تكاليف ثابتة لا يمكن تسويتها أو التخلص منها بسهولة.

تتم القرارات الاستثمارية من خلال العديد من الشروط والظروف التي يجب تجاوزها، مثل عدم اليقين، والقدرة الشرائية للنقود، والمشاكل المتعلقة بعدم قدرة بعض المتغيرات على أن تكون قابلة للقياس.

قرار استراتيجي يتطلب رؤية مستقبلية فعالة.

يتميز كل شكل من أشكال الاستثمار بمخاطر معينة.

ظروف اتخاذ القرار الاستثماري : تواجه المستثمر متخذ القرار ثلاثة ظروف رئيسية هي:

1.     حالة التأكد : وهي تعبر عن الظروف المثالية لعملية اتخاذ القرار الاستثماري حيث أن المعلومات حول كل من البدائل المتاحة و الظروف المحيطة بالاستثمار وكذا النتائج عنها والأهداف التي يسعى المستثمر إلى تحقيقها تكون معروفة ومعلومة.

2.     حالة عدم التأكد :هي حالة عدم توفر المعلومات عن الاحتمالات والبدائل ونتائجها وتوزيعا | الاحتمالية وهنا يعتمد اتخاذ القرار على طبيعة التخمينات التي بموجبها يتم تقدير العوائد المستقبلية، ويعتمد هذا التقدير على معايير إذ يقع الاختيار على أقلها، وأخيرا المعيار التشاؤمي إذ يتم عرض أقل عائد لكل بديل واختيار أكبر عائد من بينها.

3.     حالة المخاطرة : هي الحالة التي يكون فيها متخذ القرار على دراية بالمعلومات الجزئية وغير الكاملة عند تقرير احتمال تحقق النتائج بحيث يتوفر لديه التوزيع الاحتمالي للبيانات.

مقومات قرار الاستثمار الناجح : إن القرار الاستثماري الناجح يستند إلى ثلاث مقومات أساسية هي :

·      القيام بتبني استراتيجية ملائمة للاستثمار.

·      الاعتماد على الأسس والمبادئ العلمية لاتخاذ القرار.

·      مراعاة العلاقة بين العائد والمخاطرة.

1-2. الاستراتيجية الملائمة للاستثمار:

تختلف استراتيجيات الاستثمار التي يتبناها المستثمرون وذلك حسب اختلاف أولوياتهم الاستثمارية. وتتمثل أولويات المستثمر بما يعرف بمنحنى التفضيل الاستثماري  (Investor Preference Curve)  الذي يختلف بالنسبة لأي مستثمر وفق ميله تجاه العناصر الثلاثة التالية:

·      الربحية (Profitability)     

·      السيولة (Liquidity)

·      الأمان (Safety)

ويُعبر عادة عن ميل المستثمر لعنصر الربحية بمعدل العائد على الاستثمار الذي يتوقع تحقيقه من الأموال المستثمرة, بينما يُعبر عن ميله اتجاه العنصرين الآخرين بالمخاطرة التي يكون مستعداً لقبولها في نطاق العائد على الاستثمار الذي يتوقعه. و بناءً على ذلك يمكننا تعريف منحنى التفضيل الاستثماري لمستثمر ما بأنه ذلك المنحنى الذي ستقع عليه جميع النقاط الممثلة لبدائل المزج الممكنة أو بدائل المقايضة بين العائد الذي يتوقعه من جهة والمخاطرة التي يقبلها من جهة أخرى. كما أن جميع النقاط (الاستثمارات الواقعة فوق خط المنحنى هي خارج إمكانيات المستثمر المعني وبالمقابل جميع النقاط (الاستثمارات الواقعة تحت هذا الخط غير مقبولة لكونها تحقق عائداً قليلاً بدرجة مخاطرة مرتفعة، والشكل التالي يوضح ذلك:

منحنى تفضيل الاستثماري

 


 

وكما هو واضح من خلال الشكل أعلاه  تتوافق الاستثمارات الواقعة على المنحنى مع ميول المستثمر المعني بالدراسة، والنقاط الواقعة على المنحنى في مثالنا أعلاه هي D و ، حيث تمثل له المقايضة المثلى بين العائد والمخاطرة Trade off. بينما جميع النقاط الواقعة فوق هذا المنحنى تحقق عائداً أعلى في ظل المستوى نفسه من المخاطرة، ولكنها غير متاحة لهذا المستثمر، ويتضح ذلك من خلال النقطة . أما النقطة N فهي غير مقبولة لكونها تحقق عائداً للمستثمر أقل من مستوى العائد الذي تحققه النقطة (الاستثمار) D وعند مستوى المخاطرة نفسه تقريباً.  وبناء على ذلك ينقسم المستثمرون إلى ثلاثة أنماط :

المستثمر المتحفظ : وهو ذلك المستثمر الذي تكون درجة حساسيته اتجاه عنصر المخاطرة قوية جداً، حيث إنه يوجه أولوياته لضمان عنصر الأمان. حيث تكون الاستثمارات موجهة إلى الأوراق المالية عديمة المخاطرة كأذون الخزينة، أو إلى الأوراق المالية الاستثمارات) الآمنة والتي تدر دخلاً بشكل منتظم على الرغم من تردي الأحوال الاقتصادية العامة. ويمكن أن نجد هذا النوع من المستثمرين عند أصحاب المحافظ المنخفضة القيمة أو ذوي الدخل المحدود وأيضاً المستثمرين من كبار السن.

المستثمر المضارب (Speculator) : إن المستثمر المضارب يكون على عكس المستثمر المتحفظ، حيث إنه يعطي الأولوية لعنصر الربحية على عنصري الأمان والسيولة. ولذا تكون حساسيته تجاه عنصر المخاطرة متدنية. وهو على استعداد لتحمل قدر كبير من المخاطرة مقابل الحصول على أعلى العوائد في أقصر فترة ممكنة. حيث يتم توجيه الأموال نحو الأسهم الهجومية أو أسهم الشركات ذات النشأة الحديثة شركات التنقيب عن النفط التي تكون مخاطرتها مرتفعة جداً، وبالمقابل تكون العوائد المتوقعة منها أيضاً مرتفعة.

المستثمر المتوازن(Balanced Investor) : و هو المستثمر الرشيد الذي يوازن مابين عنصري العائد و المخاطرة بالشكل الذي يحقق له عائداً معقولاً. والغالبية العظمى من المستثمرين يمكن إدراجها تحت هذا النوع .

الاعتماد على الأسس والمبادئ العلمية لاتخاذ القرار: المقصود باعتماد المستثمر على الأسس والمبادئ العلمية أنه يتوجب عليه قبل أن يتخذ القرار بالاستثمار أن يراعي أمرين اثنين هما:

أ- أن يتبع في اتخاذ القرار المدخل العلمي ....

ب أن يراعي بعض المبادئ أو المعايير في اتخاذ قراره. ومن أهم هذه المبادئ :

·      مبدأ تعدد الخيارات الاستثمارية ينطلق هذا المبدأ من حقيقة مفادها أن الفوائض النقدية المتوفرة لدى المستثمر تتسم بالندرة, بينما المجالات الاستثمارية المتنافسة على استقطاب هذه الفوائض كثيرة. لذلك يجب على متخذ القرار أخذ ذلك بالحسبان واختيار الأداة الاستثمارية التي تناسبه.

·      مبدأ الخبرة و التأهيل: يقضي هذا المبدأ أن القرار الاستثماري الرشيد يتطلب دراية وخبرة قد لا تتوفر لدى كل فئات المستثمرين. لذا فإنه في حال عدم الدراية الكافية يتم الاستعانة بمشورة المحللين المتخصصين.

·      مبدأ الملائمة أي أن يقوم المستثمر باختيار المجال الاستثماري المناسب ثم الأداة الاستثمارية المناسبة. ويعتمد في ذلك على منحنى تفضيل المستثمر. وحال المستثمر المؤسسي في ذلك هو مثل حال المستثمر الفرد. فالمؤسسات المالية هي الأخرى توجه مدخراتها لأوجه الاستثمار الملائمة لظروفها الخاصة وذلك وفقاً لما يعرف بنظرية القطاعات السوقية Segmented Markets Theory و تقضي هذه النظرية أن السوق المالي ينقسم عادة إلى قطاعات مختلفة يستقطب كل منها فئة معينة من فئات المستثمرين وذلك وفقاً لميولهم الاستثمارية.

مبدأ التنويع أو توزيع المخاطر الاستثمارية : ينطلق هذا المبدأ من المقولة التي تقول لا تضع كل البيض في سلة واحدة (Not putting all the eggs in one basket, or Spreading the risks. ) ، ومن ثم فإن كل مستثمر يحدد العائد من الاستثمار الذي يطمح إلى تحقيقه من استثماراته وذلك في صورة هدف ولا يمكن للمستثمر أن يضمن تحقق العائد والهدف من استثماراته إلا بتحقق شرطين هما:

·      أن تكون التدفقات النقدية المتوقعة من الاستثمار مؤكدة تماماً من حيث القيمة.

·      أن تكون أيضاً مؤكدة تماماً من حيث التوقيت.

وينشأ عن احتمال عدم تحقق أي من هذين الشرطين مخاطرة تحيط بالاستثمار وتتنوع المخاطر بوجه عام في نوعين رئيسيين:

- مخاطر سوقية منتظمة : وهي مخاطر عامة تطال السوق ككل ولا يمكن التخفيف من حدتها عن طريق التنويع في مكونات المحفظة الاستثمارية.

- مخاطر غير سوقية (خاصة) غير منتظمة وهذا النوع من المخاطر لا يطال السوق بشكل عام. وتحدث هذه المخاطر في ظروف استثنائية, ويمكن التقليل منها عن طريق التنويع في محتويات المحفظة الاستثمارية.

مراعاة العلاقة بين العائد والمخاطرة

أي أن يتم اختيار الاستثمار وفق العلاقة بين العائد والمخاطرة، حيث يتم اختيار الاستثمار ذي العائد الأعلى والمخاطرة الأقل

 

 

Last modified: Friday, 31 January 2025, 11:07 PM