1-     مفهوم الثورة الصناعية:

                الثورة الصناعية سلسلة من التغييرات الأساسية في طريق الصناعة، نقلت الجماهير من الحرف الصناعية الموروثة إلى أساليب جديدة في العمل والسفر والمعيشة، وحولت وسائل الإنتاج من أدوات بسيطة إلى آلات ضخمة، والأصل أن يكون التغيير سريعا، ولكن التحول الصناعي لم يكن سريعا جدا كما يفهم من كلمة ثورة ، بل كان سريعا نسبيا بالقياس إلى ما كان عليه التحول وكميته والإنتاج الصناعي خلال القرون الطويلة السابقة للثورة الصناعية.

                كان التحول الصناعي في القرن الثامن عشر واضحا في بعض  النواحي خلال الستين سنة (1770 – 1830م)، ثم تقدم كثيرا في الأربعين سنة التالية (1830 – 1870م), إلا أنه لم يأت بنتائج مدهشة تعم العالم إلا بعد سنة 1870م,

فإن المكائن التي اعتمد عليها في نمو الإنتاج لم يظهر فجأة، وكانت نتيجة التحسن المستمر لمخترعات سابقة، إذ كان يمر عليها بعد اختراعها وتسجيل امتيازها وقت طويل قبل أن تصبح مفيدة وصالحة للاستعمال العام.

                  فالتحول الصناعي لم يكن ثوريا بقدر ما كان تطوريا لأنه كان بطيئا وتدريجيا، فقد بدأ في القرن الثامن عشر ، وبرزت نتائجه بعد سنة 1870م.

                لقد بدأت الثورة الصناعية الميكانيكية في القرن التاسع عشر، وكانت انجلترا مهد هذا الانقلاب لأن الإنجليز تمكنوا خلال حروب الثورة ونابوليون من إتقان مخترعاتهم  الآلية، وبعد 1815م انتشر الانقلاب الصناعي في بقية أوربا، وقد سبقت فرنسا وبلجيكا، غيرهما من الدول، ثم دخلت ألمانيا بعد إتمام اتحادها، وبقيت الزراعة ميدان النشاط عند أغلب الشعوب التي سار فيها الانقلاب الصناعي الميكانيكي سيرا بطيئا.

                وقد اجتمعت العديد من العوامل ساعدت انجلترا للنهوض بالثورة الصناعية أكثر من غيرها من ذلك تجمع الثروة منذ القرن السادس عشر من القرصنة والسلب وتجارة الرقيق، ومن المستعمرات في أمريكا والمراكز التجارية في الهند، ومن تنفيذ قوانين الملاحة التي هدفت إلى السيطرة على حركة النقل البحري للمحاصيل الزراعية والمصنوعات إلى انجلترا ومستعمراتها، والمذاهب التجارية خاصة المذهب التجاري المركنتليني وهو أحد المذاهب الاقتصادية،  وقد ظهر إثر اكتشاف العالم الجديد وتدفق الثورة من الذهب والفضة إلى الأقطار الأوربية، خاصة المعادن الثمينة والنقود، وهي أصل ثروة البلاد، وإذا أرادت البلاد زيادة ثروتها عليها تشجيع المصنوعات  الوطنية ومنع دخول المصنوعات الأجنبية إلى أسواقها.وما ساعد انجلترا على مباشرة الإنتاج الآلي، هو اندثار العبودية، فكان الصناع الانجليز أحرار في الانتقال من الحقل إلى المعمل.

                الحكومة الانجليزية كانت أكثر إجابة للطلبات الاقتصادية والإرستقراطية البرلمانية، كرست جهودها لتوسيع التجارة وإنعاش الزراعة.

2-     عوامل قيام الثورة الصناعية:

تعددت العوامل التي ساهمت في قيام الثورة الصناعية، فإن كانت أهمها هي العوامل الاقتصادية، لكن هذا لا يعني عدم وجود عوامل أخرى خاصة منها الاجتماعية والفكرية والسياسية.

1-     العوامل الاقتصادية

كان للعوامل الاقتصادية دورا هاما في حدوث الثورة الصناعية، فتراكم رأس المال لدى الدول الأوربية، كان شرطا أساسيا لانطلاق الثورة الصناعية فيها، حيث توافدت رؤوس الأموال الازمة للاستثمار الصناعي، وخاصة في وقت توالت فيه الاختراعات الفنية والصناعية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية، وما كان يقتضيه ذلك من أموال لوضع هذه الاختراعات موضع التنفيذ.

كما أن الثورة الصناعية لم تكن لتكتمل إلا أن سبقتها ثورة زراعية في كل البلاد التي دفعت إلى عهد الصناعة، ثم أن تطور وسائل النقل جاء ليعزز العوامل الأخرى في أحداث هذا الانقلاب، وأخيرا فإن تطور البنوك واتساع نشاطها كان أيضا من العوامل الهامة التي ساعدت على توفير الأموال للمشروعات الناشئة وتقديم الائتمان اللازم لتمويل العمليات الصناعية.

إذ يعتبر تراكم رؤوس الأموال عاملا أساسيا لنجاح أي نمو صناعي أو اقتصادي عموما. فرأس المال ضروري لتمويل الدراسات والأبحاث والاختراعات والابتكارات وإجراء التجارب، وهو كذلك لازم لتمويل تكاليف الإنتاج وعمليات التسويق. لذلك لم يكن من الممكن أن تقوم الثورة الصناعية لو لم تتوفر البلاد الأوربية التي قامت فيها هذه الثورة على الأموال اللازمة للتمويل, ولعل أهم المصادر التي مكنت هذه الدول من توفير رؤوس الأموال اللازمة. كانت الحركة الاستعمارية والاكتشافات البحرية، فقد مكنت هذه الاكتشافات الدول الاستعمارية من تحقيق مكاسب ضخمة، ووفرت لها رؤوس الأموال اللازمة  لانطلاق الحركة الصناعية.

2-     الاختراعات العلمية والصناعية:

ترتب عن تقديم العلوم التطبيقية وغيرها من العلوم  منذ عصر النهضة، وكنتيجة للتمسك بالمنهج العلمي في البحث الثورة في الصناعة الآلية الحديثة، فأنشئت المصانع الضخمة ما أدى لضخامة الإنتاج وتوفر رؤوس الأموال وظهور الطبقات الرأسمالية.

فقد شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر تطورا هاما في وسائل الإنتاج الفنية، تمثل أساسا في حلول الآلة محل الجهود البشري والحيواني خلال العملية الإنتاجية. فالتحول الفني الحاصل خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر والذي واصل تطوره ومازال مستمرا حتى الآن.  فمن الخطأ أن نتصور  أن منتصف القرن الثامن عشر كان بداية لاستخدام الآلات،  فقد استخدمت الآلات قبل هذا التاريخ ومنذ القرن الخامس عشر. ومن الخطأ أيضا القول بأن فترة الاختراعات الفنية والعلمية حدثت طفرة واحدة وكانت منقطعة الصلة بما قبلها، فمن الثابت أيضا أن العصور الوسطى شهدت ابتكارات واكتشافات أرست الأسس الأولى لأساليب الإنتاج الصناعي، وأهم تلك الصناعات؛ الغزل والنسيج، والصناعات المعدنية، والآلة البخارية، ومجال الكهرباء، وتطوير وسائل الإنتاج الزراعي، ووسائل النقل.

وإلى جانب توافر رؤوس الأموال والاكتشافات العلمية والفنية والتي ساهمت في قيام الثورة الصناعية ، يعتبر الطور الحاصل في القطاع الزراعي من أهم العوامل التي أدت إلى وقوع الانقلاب الصناعي، فالدول التي عرفت الثورة الصناعية منذ بداية القرن الثامن عشر كانت قد عرفت تطورا ملحوظا في الزراعة ، وازداد الطالب على المنتجات الزراعية وظهرت الملكيات والمزارع الكبرى.

3-     العوامل الاجتماعية والفكرية والسياسية:

إن تبدل الأفكار السائدة في ظل النظام الإقطاعي وظهور فكر جديد، ساعد في وقوع الثورة الصناعية، وذلك بتغيير النظرة إلى الثروة واستخدام النقود وقيمتها الاجتماعية وهو ما سمي ب (العقلية الرأسمالية)، وهو ما رافقه تخفيض لنسبة الأمية بين أفراد الشعب، وهو ما سمح بدوره بالاضطلاع على المجلات والجرائد والكتب المختلفة ما أتاح فرصة الإبداع والاختراع.

إن التيارات  الفكرية التي سبقت وعاصرت الثورة الصناعية، ركزت على تحرير الإنسان من القيود الدينية والفكرية والسياسية التي كانت تخضعه لمجموعة من العوائق التي طغت على حريته الشخصية وحرية تفكيره، وبالثورة الفكرية تحققت حرية العقيدة وحرية الفكر  وحرية العمل والحريات السياسية بصفة عامة.

4-     نتائج الثورة الصناعية:

كانت للثورة الصناعية نتائج إيجابية وأخرى سلبية في المجتمعات الصناعية، فقد أدت إلى تغيرات جذرية، حيث ظهرت طبقات جديدة وأصبحت ترى من حقها الاشتراك في توجيه سياسة الحكومات وسن القوانين التي تضمن المحافظة على حقوقها، وترتب عنها أيضا التسابق بين الدول الصناعية  للحصول على المستعمرات للوصول إلى المواد الخام اللازمة للصناعة والسيطرة على الأسواق الضرورية لتصريف الفائض من الإنتاج، وتطورت المصارف ونظمها وتنوعت نشاطاتها.

1-     زيادة الثورة:

لقد صرفت الأموال الطائلة على البحوث والاكتشافات الحديثة،  فاكتشفت الكهرباء ثم استخدمت في إدارة الآلات والمصانع، ثمتبع ذلك قوى محركة أخرى، وهو ما أدى إلى زيادة الثروة الرأسمالية خلال القرن التاسع عشر  والعشرين، وتملك المناجم وآبار البترول والأعمال الكهربائية ومعامل السيارات، وهو ما أدى إلى ظهور اتحادات تضم مشاريع متنافسة  في صناعة معينة لضمان الاحتكار وزيادة الأرباح.

2-     نمو السكان:

لقد صاحب مكنة الصناعة وتقدم الرأسمالية تزايد ملحوظ في عدد السكان، وصاحب ذلك هجرة من المناطق المزدحمة بالسكان في أوربا إلى أمريكا وهجرة في الأقطار الأوربية الصناعية من المزارع إلى المدن، ما يعني الهجرة من الحقل إلى المعمل، ومن الريف إلى المدينة، ومن الزراعة إلى الصناعة، وفي نفس الوقت ازدياد عدد أفراد الطبقة الوسطى (البرجوازية) والعمال (البروليناريا)

3-     التقدم المادي وظهور  الاتجاهات الحرة والديمقراطية:

لقد استطاع الإنسان تحقيق سلسة واسعة من الكماليات والضروريات، واستطاع السفر والعيش براحة أكبر بفضل الكهرباء والوسائل الآلية ، بل واستطاع توفير وقت للتسلية، وقد أدت منظومة  العمل إلى تأليف نقابات للنهوض بمصالح العمال والتعبير عن التعسف والمطالبة بالإصلاح، وفي نفس الوقت سيطرة روح المدينة على الحياة الريفية والمحلية، وأنتجت الحركات الجماهيرية والاشتراكية الفردية وتقرير المصير القومي.

4-     بداية التوسع الاستعماري الحديث:

لم تلبث الثورة الصناعية أن أثارت مسألة توزيع المنتجات في الأسواق والتسابق بين الدول الصناعية للحصول على المستعمرات للوصول غلى المواد الخام اللازمة للصناعة، وهو ما أدى إلى ظهور مشكلات اجتماعية واقتصادية خطيرة لم يعرفها العالم من قبل، وهكذا كان الاستعمار الغربي الحديث بأهدافه وصوره الجديدة، وقد عانت قارة آسيا وإفريقيا منه على وجه الخصوص.

وقد كانت البرتغال وإسبانيا أولى الإمبراطوريات الاستعمارية في فجر التطور والرأسمالي، فمنذ القرن الرابع عشر، بدأ البرتغال في التغلغل إلى الساحل الشمالي في إفريقيا واستولوا على سبتة 1415م، وجعلوا منها قاعدة لانطلاق حملاتهم الاستعمارية وفي الوقت نفسه تكونت الإمبراطورية الاستعمارية الاسبانية، ثم لحقت هولندا، وانجلترا، وفرنسا في الصراع الاستعماري للاستيلاء على المملكات والثروات واستعباد الشعوب طوال القرون اللاحقة.

 

المراجع:  

-          كارلتون هيز، الثورة الصناعية، ترجمة : أحمد عبد الباقي، مكتبة المكنى، بغداد، ط1، 1950م.

-          فاضل حسين وكاظم هاشم نعمة، التاريخ الأوربي الحديث 1815 – 1939م،  دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1982م.

-          عبد العظيم رمضان، تاريخ أوربا والعالم في العصر الحديث ...

-          شوقي عطا الله الجمل وعبد الله عبد الرزاق  إبراهيم، تاريخ أوربا...

-          أحمد حسين البرعي ، الثورة الصناعية وأثارها الاجتماعية والقانونية، دار الفكر العربي، القاهرة،

 

آخر تعديل: الخميس، 23 يناير 2025، 4:06 PM