بدأت حركة التنوير في أوربا في القرن الثامن عشر الميلادي، وجاءت بعد المذهب الإنساني وحركة النهضة الأوروبية في القرنين الخامس والسادس عشر الميلاديين، وقد بدأ الجدل حول معنى التنوير في القرن الثامن عشر.

1-     مفهوم التنوير:

مصطلح التنوير والاستنارة بالمعنى الفكري والفلسفي هو ترجمة للمصطلح الغربي حركة الأنوار أو فلسفة الأنوار أو فكر الأنوار، وقد ترجمت إلى العربية بحركة التنوير أو حركة الاستنارة، قد أشارت اللغات المختلفة إلى التنوير مثل (Aufhlarung) بالألمانية (Lumière) بالفرنسية (Illuminismo) بالإيطالية، ومن التعاريف التي وضعت للتنوير نذكر:

الفيلسوف موسى ميندلسون (1729 – 1786)م،:

<< عملية تعليم الإنسان التدريب على استعمال العقل >> فكلمة العقل محورية في فكر التنوير.

والتنوير عند ايمانويل كانط هو << خلاصة الإنسان من سذاجته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام عقله>>

فالتنوير بهذا المعنى يسعى لأن تكون الشؤون الإنسانية مقودة بالعقل بدلا من انصياعها للعقيدة والخرافة والنبوءة، والتنوير هو الإيمان بقوة العقل البشري على أن يغير المجتمع وأن يحرر الفرد من قيود العادات والسلطة، ويستند إلى رؤية عالمية يدعمها العلم وليس الدين أو التقاليد.

2-     مميزات فلسفة الأنوار:

إذا كانت فلسفة التنوير قد تحدرت من الفلسفة الديكارتية، إلا أنها تدين بمنهجها وجوهرها إلى فلسفة لوك والواقع السياسي الانجليزي خلال القرن السابع عشر،

ففي القرن الثامن عشر كانت فرنسا ما قبل الثورة تشن هجوما على المصالح الاقطاعية نراها في انكلترا، بعد الثورة الجليلة، تنتصب دفاعا عنها. ومع ذلك فقد تجاوز الفلاسفة الفرنسيون معلمهم لوك وجعلوا من القرن الثامن عشر قرنا فرنسيا لا جدال فيه لأسباب اجتماعية وسياسية، أعطت الفلسفة السياسية الفرنسية طابعا مريرا يختلف عن فلسفة لوك.  وكان رجال الدين لا يزالون يملكون نحو خمس  أراضي فرنسا بالإضافة إلى أموال طائلة  وامتيازات وإعفاءات جوهرية، ولكن بلا بلا تفوق أخلاقي أو فكري يبرر مركزهم، كذلك كانت طبقة النبلاء تتمتع بامتيازات متنوعة.  وقد امتازت فلسفة الأنوار هذه بعدة مميزات رئيسية أهمها:

-          كانت عالمية النزعة، تخطت الحدود الجغرافية لانطلاقاتها، فتجاوزت بذلك التعصب  القومي والتزمت الإقليمي اللذين سادا أوربا في تلك الفترة.

-          أنها أشادت بالإنسان الحر، وكانت ذات نزعة فريدة خاصة باعتبارها الفرد محور المجتمع المدني.

-          أنها كانت معادية لهيمنة الكنيسة ومفاسد السياسة.

-          أنها كانت ذات منهج تجريبي جدلي, مجدت العقل  ونبذت الخرافات.

-          أنها طرحت تصورا جديدا للعالم ومهدت لانطلاقة البشرية وتطورها.

وأهم القضايا الفكرية التي شملها فكر التنوير في القرن الثامن عشر هي المرأة ووضعها في المجتمع والدين الحياة وعلاقة العلم بالمجتمع والدين والتعامل مع الآخر وقضية نظام الحكم.

3-     ميادين الإستنارة:

دعت التيارات الفكرية التي ظهرت أوئل عصر النهضة إلى تحرير الفكر الإنساني من مخلفات الاقطاع والكنيسة وأعراف وتقاليد العصور الوسطى. وقد ظهر أثر البرجوازية واضحا في هذه الدعوات التي أرادت حصر السلطة بيد الملوك المستنيرين على حساب الارستقراطية الإقطاعية ورجال الدين, فقدمت دعمها المادي وتأييدها السياسي لهم, ونجح الملوك إلى جانب ذلك في استغلال الشعور القومي إلى أبعد الحدود بإشعالهم الحروب التوسعية تدعيما لسلطة الدولة وسيادتها, فقاموا بذلك سلطتهم الاستبدادية على أساس نظرية << الحق الإلهي>>في الحكم والسيادة. وظلوا يمارسون هذه السلطة حتى سقطت نهائيا تحت تأثير فلسفة الأنوار البورجوازية نفسها.

تعددت مناهج المفكرين السياسيين في أوائل عصر النهضة إلا أنها جاءت جميعها معبرة عن متطلبات العصر في وجوب تركيز السلطة بيد << الأمير>> لتحقيق وحدة الأمة والدفاع عن حدودها السياسية رافضة بذلك ازدواجية السلطة التي كان يمارسها كل من البابا والإمبراطور خلال العصور الوسطى.

تبوأت فرنسافي القرن الثامن عشر مكانة عظيمة في عالم الفكر بفضل عدد من الفلاسفة مثلت فلسفتهم  مصالح ومتطلبات الأغلبية العظمى من المجتمع الفرنسي. إذ إن انتقادات هؤلاء الفلاسفة لم تقتصر على المسائل الدينيةوالسياسية الضرائبية والاستغلال الإقطاعي فقط، بل شملت النظام القديم الذي  يقوم على نظرية الحق الإلهي واستبداد الملكية ومؤسساتها السياسية. فطالبوا بالتسامح الديني والمساواة الاجتماعية والأخذ بمذهب سيادة الشعب وإقامة العدل  والمحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية المتجسدة في الحرية وحق التملك المقدس، كما طالبوا بإحلال سيادة العقل محل التسلط والتقليد، معتبرين العصر الوسيط مرحلة انقطاع حضاري  للبشرية, وهكذا خاض فلاسفة القرن الثامن عشر الفرنسيين معاركهم  ضد السلطة على أرضية سياسية بحتة بعد أن تجاوزوا الصراع الديني الذي اتخذته البرجوازية الأوربية في القرن السادس عشر  سلاحا  لها ضد الإقطاعية الدينية والارستقراطية.

وإن كانت فلسفة التنوير قد تحدرت من الفلسفة الديكارتية، إلا أنها تدين بمنهجها وجوهرها إلى فلسفة لوك وواقع الحياة السياسية الانكليزية أيضا، كما أشرنا سابقا، فبينما تنتمي فلسفة لوك إلى القرن السابع عشر في انكلترا فإنها تنتمي في فرنسا إلى القرن الثامن عشر.

فيمكن القول أن الفكر السياسي في عصر النهضة كان في  خدمة الحكم المطلق أما في عصر الاستنارة، فجاء  لخدمة الفرد.

كما شملت حركة الاستنارة مجالات الفكر الاقتصادي، واعتبرت الموازنة بين الاستيراد والتصدير من مؤشرات توازن اقتصاد الدولة، وانتقلت الأنظمة الاقتصادية بالقيود الجمركية والامتيازات الاقتصادية في ظل النظام القائم  (المركنتليني التجاري) والذي واجه انتقادات شديدة من طرف تيرقو وآدم سميت، وغيرهم ممن دعوا إلى إطلاق الحريات والشروط الازمة للإنعاش الاقتصادي والتقدم الصناعي  وهو  ما يؤدي  حسب أراء المستنيرين إلى توزيع  عادل للثروة.

كما ازدهر في هذه المرحلة أدب الرحلات والأسفار داخل وخارج القارة الأوربية، وازدهرت أيضا الحركة الأدبية التي شملت الروايات  والشعر والتي تناولت غالبا المشاكل الاجتماعية و ماعاناه  المجتمع الفرنسي من انحلال وتفكك، وممن أشتهر في هذا الميدان؛  فولتير، مونتيسكيو وروسو في روايته إيميل عن أصول التربية والتعليم والقيم الإنسانية

وتوجهت الأنظار نحو تعميق المعارف وضبطها من خلال أرضية مشتركة وإقامة علاقات وطيدة بين أعضاء الجمعيات منها جمعية مانشتير الأدبية والفلسفية والجمعية التنويرية في برمنجهام، وهو ما أسفر عن ظهور مؤسسات جديدة أحدثت تفاعلات بين الصناع ورجال العلم والمثقفين، وكل هذه الجماعات  كانت تلتقي من أجل المناقشة والاختبار ،  وكان من أهم وسائل نشر الاستنارة؛ زيادة تجارة الوسائط الثقافية كالكتب والنشرات والجرائد والصور والتي مكنت من فهم التصادمات العنيفة بين الأفكار الجديدة والتقاليد القديمة، ونجد أيضا النوادي والصالونات الأدبية والأكاديميات كالأكاديمية الفرنسية والموسوعات ( موسوعة دينسي ديدرو العلوم والفنون  1751 – 1772) (Encyclopédie) وهي الموسوعة التي ضبط فيها جميع المعلومات العلمية وأفكار العصر، ونذكر أيضا المحافل الماسونية التي ازدهرت في كل من بريطانيا وأوربا عامة، وشهدت مشاركة مكثفة من قبل الأرستقراطيين وفراد الأسر الحاكمة، وهو ما ساهم في بناء التنوير في أوربا وتبنى مفاهيم جديدة كالحرية والعدالة والمساواة، وهي شعارات تبنتها لاحقا الثورة الفرنسية 14 جويلية 1789م.

                قائمة المراجع:

-          بشير بوغازي، فلسفة عصر التنوير، مكتبة المجتمع العربي، عمان، ط1، 2016م.

-          دوريندا أوترام، التنوير، ترجمة: ماجد موسى إبراهيم، دار الفرابي، بيروت، ط1، 2008م.

-          محمد مخزوم، مدخل لدراسة التاريخ الأوربي (عصر النهضة )، دار الكتاب اللبناني، لبنان ط، 1983م.

Last modified: Thursday, 23 January 2025, 3:57 PM