السنة الثالثة ليسانس لسانيات عامة                            مقياس علم الدلالة 1                        السداسي الخامس

المحاضرة الأولى

بين الدّلالة والمعنى

            تستمدُّ الدّلالة حضورها في الفكر الإنساني عامّةً من أهمية اللّغة ذاتها؛ ذلك أنَّ اجتماعية الإنسان إنَّما تتحقّق باللّغة في المقام الأول، وأهميّة اللّغة في كفاءتها الدّلالية أيْ في قدرتها على حمل المعنى؛ لذلك فإنَّ المباحثُ الدّلالية قبل أنْ تكونْ مفاهيمَ لسانيةً خالصةً، هي مفاهيمٌ فكريةٌ بالأساس، وإذا كانت الدّلالة هي أمُّ القضايا في الفكر الإنساني كلِّه، فإنّها تمثّل قضية الإنسان الأولى، وأنّ أيَّ حديث عن تاريخ الدّلالة هو حديثٌ، في الواقع، عن تاريخ الإنسان ووجوده، وهو ما يبرّرُ حضور البحث الدّلالي في كلّ ما وصل إلينا من الحضارات الإنسانية بدْءاً بالحضارة اليونانية والهندية ثم الحضارة العربية الإسلامية وانتهاء بالحضارة الغربية، أمَّا حضورها في العلوم عامة والعلوم الإنسانية بخاصة متستمدٌّ من حاجة جميع هذه العلوم إلى المصطلح الذي هو مفهوم  لساني ودلالي قبل أيِّ نسبة أخرى.

                وقد ورد في كثير من مؤلفات علماء اللغة العرب مصطلح الدلالة مرادفاً لمصطلح المعنى. وحصل أن قام كثير من اللغويين المحدثين بوضع فروق بين كلٍّ من الدلالة والمعنى، فجعلوا أحدهما أوسع من الثاني ومحتوياً له. وقبل أن نبيّن كلّ ذلك، لا بأس أن نقف قليلاً  عند حقيقة كلٍّ منهما.

1. الدلالة في الاصطلاح:

                  الدرس الدلالي قديم في تراثنا العربي وقد تجلى ذلك خاصة في صناعة المعاجم بأنواعها ومن بين من أولَوْا الدلالة الاهتمام الواسع الراغب الأصفهاني(ت 502 ه) الذي يعرفها بقوله: «الدلالة ما يُتوصَّل به إلى معرفة الشّيء كدلالة الألفاظ على المعنى، ودلالة الإشارات والرموز والكتابة والعقود في الحساب، وسواء ذلك بقصد ممّا يجعلها دلالة أو لم يكن بقصد كمن يرى حركة إنسان فيعلم أنه حي." وقد عرّفها الشريف الجرجاني (ت 816 ه) قائلا: " هي كون الشيء بحاله يلزم من العلم به العلم  بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال، والثاني هو المدلول." وفي أهمّ تعريفاته الحديثة أنّ علم الدلالة هو ” العلم الذي يدرس قضية المعنى” أو “ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادراً على حمل المعنى.”

                وعلم الدلالة وإن كانت بعض مباحثه قديمة جداً أثيرت ودُرست في الحضارات القديمة على اختلافها وقدمها، كالدراسات الهندية للغة السنسكريتية القديمة والدراسات اليوناينة عند أرسطو و أفلاطون وسقراط وغيرهم، والدراسات اللغوية العربية دون فصلها عن علوم اللغة الأخرى، فهو علم حديث النشأة، ذلك "أن معالجة قضايا الدلالة بمفهوم العلم، وبمناهج بحث خاصة، وعلى أيدي لغويين متخصصين، إنما تعد ثمرة من ثمرات الدراسات اللغوية الحديثة. وواحدة من أهم نتائجها."

                وعلم الدلالة بصورته الحالية هو من العلوم الحديثة، وأول من بلوره كعلم قائم بذاته، اللغوي الفرنسي ميشيل بريال M. Bréal من خلال بحثه المسمى: مقالة في السمانتيك: Essai de Sémantique  الذي كتبه سنة 1897م وتُرجم للإنجليزية بعد ذلك بثلاث سنوات، وتناول في البحث: التطور الدلالي في اللغات الهندية الأوربية كالسنسكريتية واليوناينة واللاتينية.

2. المعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنى في الاصطلاح:

وصف الجاحظ المعاني فقال: "المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم والمتخلجة في نفوسهم والمتصلة بخواطرهم والحادثة عن فكرهم مستورة خفية وبعيدة وحشية ومحجوبة مكنونة وموجودة في معنى معدومة.

 وقد استخلص عبد الفتاح البركاوي تعريفا موجزا للمعنى من هذا الوصف قائلا: "المعنى ما قام في صدر الإنسان وتصوره في ذهنه." أو هو كما صاغه محمد حسن حسن جبل عندما قال: "معنى اللفظ هو الصورة الذهنية لمُسماه من حيث وُضِع اللفظ بإزائها"، فهذه الصورة هي المعنى؛ لأنها تعني ويقصدها المتكلم عندما يعبر عن شيء ما في ذهنه. 

وقد ذكر الشريف الجرجاني أن "المعاني هي الصور الذهنية من حيث وضع بإزائها الألفاظ، والصور الحاصلة في العقل، فمن حيث إنها تقصد باللفظ سميت معنى، ومن حيث إنها تحصل من اللفظ في العقل سميت مفهومًا، ومن حيث إنه مقول  في جواب (ما هو) سميت ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج سميت حقيقة، ومن حيث امتيازه من الأغيار سميت هوية."

                هذا عند القدامى، أما المحدثون فقد اختلفوا كثيراً في تحديدهم لــــ(المعنى)، يعود ذلك إلى اختلاف مرجعياتهم المعرفية واختلاف ميادين بحوثهم وتخصصاهتم ما بين الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، واللسانيات وغيرها. وإن نظرة عجلى في بعض كتب الدلالة المشهورة لا نجد أصحابها يفرقون بين (الدلالة) و(المعنى)، كما الحال في كتاب "علم الدلالة" فصاحبه الدكتور أحمد مختار عمر لا يفرق بين المصطلحين،  ففي عرضه لأسماء علم الدلالة يقول: ” أما في اللغة العربية فبعضهم يسميه علم الدلالة…وبعضهم يسميه علم المعنى…وبعضهم يطلق عليه اسم السمانتيك أخذاً من الكلمة الإنجليزية أو الفرنسية.” والشأن نفسه عند الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه "دلالة الألفاظ"، وكذلك عند موريس أبو ناضر صاحب كتاب "إشارة اللغة ودلالة الكلام." وسار على هذاهم كثير من دارسي المعنى.

             لا أن الدكتور هادي نهر رأى أن يفرق بينهما، فقد عرض في كتابه (علم الدلالة التطبيقي في التراث العربي ) أن كثيراً من المحدثين انقسموا بخصوص هذه القضية وذهبوا بإزائها ثلاثة مذاهب:

1. فريق يرى أن مصطلح الدلالة ومصطلح المعنى مترادفان.

2. فريق يرى أن المعنى أعم من الدلالة؛ لأن الدلالة مقتصرة على اللفظة المفردة.

3. فريق يرى أن الدلالة أعم من المعنى؛ لأن كل دلالة تتضمن معنى وليس كل معنى يتضمن دلالة فبينهما عموم وخصوص.

                ثم بيّن مذهبه عندما رجح الرأي الثالث قائلا:” على الرغم من أن مصطلح الدلالة عندنا أوسع وأشمل من مصطلح المعنى، إذ يدخل ضمن الدلالة؛ الرموز اللغوية (الألفاظ) وغيرها من أدوات الاتصال كالإشارات والرموز والعلامات ونرى أن الفرق بينهما مما يهتم به دارسو الدلالة وواضعو المناهج.”

Last modified: Sunday, 15 December 2024, 11:31 AM