مقياس علم الدّلالة 1                                                                     السّنة الثّالثة ليسانس / (س 5)

المحاضرة التاسعة   

علاقة علم الدّلالة بعلم البلاغة والمعْجم

                     

                  فضلاً عن المعاني الّتي تُفرزها المستويات اللّغوية السّابقة، تحتاج الدّلالة لتمام المعنى إلى المكوِّن البلاغي الّذي قدْ تتوقّف محصِّلة المعاني السّابقة كلِّها عليه، ويمكن الاستدلال على أهمية الدّلالة البلاغية من المعنى المحصّل من الكنايات الّتي هي تعريفاً (لفظٌ أطلق وأُريد به لازم معناه)؛ فلوْ أنَّ الفهمَ يتوقَّفُ عند حدود المعنى النّحوي فحسبْ، عندها لا يحصلُ التّبليغُ المقصود؛ ففي قول الخنساء:

طويلُ النّجادِ رفيعُ العمادِ        õ     كثير ُ الرّماد إذا ما شتا

                   ليس المقصود مثلاً من قولها "طويل النّجاد" إعلام المخاطب بطول نِجاد أخيها وهو ما تفيده الدّلالة النّحوية، وإنَّما المقصود هو ما بعده وما يستلزمه ولازم معناه وهو طول قامة الفارس صخر وشجاعتُه، لأنّه يلْزمُ من طول حَمالَة السّيفِ طولُ صاحبه، إذْ ليس من المناسب أن تكون حمّالة سيف المرْء طويلةً وهو قصيرُ القامة، ويلْزمُ من طول الجسم الشّجاعة عادةً، وليس المقصود كذلك مــــــــــــــــــن قولها "رفيعُ العمادِ" و "كثير ُ الرّماد إذا ما شتا" إعلام المسْتمع بأنّ خيمته مرتقعةٌ عاليةٌ في العبارة الأولى، وإعلامه أنّ رماد نارِه كثيرٌ في فصل الشّتاء في الثّانية، وإنّما يلزَمُ من كونه (رفيعُ العماد) أنْ يكون عظيمَ المكانة في قومه وعشيرته، كما أنّه يلزم من (كثرة الرّماد) كثرةُ إشعال النّار، ثمّ كثرة الطّبخ، ثمّ كثرة الضّيوف في الشّتاء ووقت الشّدّة، ثمّ الكرم . وكذا في الكناية "فلانةٌ بعيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدةٌ مهوى القَرط"؛ حيث إنَّ دلالة النّص لا تتعدّى الحديث عن القُرْط، بينما المقصود هو طولُ جيدِ (عُنُق ورَقَبة) الفتاة، و(طولُ الجيد) يستلزم طولَ جسدِها وهذا من محاسن المرأة؛ وهو ما يُعبِّر عنه الجرجاني بمعنى المعنى، وهي العبارة الّتي كانتْ عنوان كتابٍ مهمٍّ جدّاً في علــــــــــــــــــــــــــــم الدّلالة اشترك في تأليفه كلٌّ من (ريتشارد و أوغدن)، وقد طبع  سنة 1923م، وكان عنوانه بلغته الأصل meaning of meaning The.

              كما يمكن الاستدلال على المعنى البلاغي من خلال تغيُّر دلالة التّركيب الواحد بتغييره من سياق إلى آخر، وهو ما أدركه جيِّداً علماء التّفسير حين اشترطوا في تفسير النّص معرفة سبب النّزول، ولا يخفى أنَّ السّياق بأنواعه وبخاصة سياق الموقف  له الأثر البالغ في توجيه المعنى.

آخر تعديل: الأربعاء، 11 ديسمبر 2024، 10:00 AM