مقياس علم الدّلالة                                      علم الدلالة 1                         السّنة الثّالثة ليسانس (س 5)

المحاضرة السابعة                      

علاقة علم الدّلالة بعلوم اللّغة

(الدّلالة الصّرفية)

 

علاقة علم الدّلالة  بعلم الصّرف:

                إذاكانت الألفاظ الّتي هي أوعية المعاني إنَّما تشكّلها الأصوات المؤتلفة جنباً إلى جنبٍ مع بعضها البعض، فإنّ المراد بالدّلالة الصّرفية هو تلك المعاني والدّلالات المستفادة من الصّيغ والأبنية الصّرفية النّاشئة عن تلك التّجمّعات الصّوتية حيث تختصُّ كلُّ صيغةٍ بالتّعبير عن معنى معيّن؛ ذلك أنَّ الطّبيعة الاشتقاقية في اللّغات الاشتقاقية تمكِّن من صبِّ الوحدات الصّوتية في هذه القوالب الصرفية، ممّا يتيح التّعبير بالمادّة اللّغوية الواحدة عن وضعياتٍ وأزمنةٍ وأفعالٍ مختلفة؛ فيصاغ مثلا من الماد المعجمية ( كـ. ت. ب) المصدر (كتابة)، والفعل (كَتَبَ) الدّال على الزّمن الماضي، والمضارع (يَكْتُبُ) الدّال الحضور والاستقبال، والأمر(اُكْتُبْ) الدّال على طلب القيام بفعل الكتابة، واسم الفاعل(كاتِبٌ) الدّال على اتّصاف الفاعل بالكتابة، واسم المفعول (مَكْتوبٌ )، واسم المكان (مَكْتَبٌ) وغيرها. وعليه، فكلّ بناءٍ لغوي يحمل معنييْن؛ المعنى الأول هو المعنى المعجمي المستفاد من الجذر، والمعنى الثاني هو المعنى الصّرفي الّذي تفرزُه الصّيغة الصّرفية التي صُبّت فيها المدّة الخام التي هي صوامت الجذر، بما تتضمّنه من سوابق ولواحق ودواخل كألف التّثنية، وياء المخاطبة، وواو الجماعة، ونون النّسوة، وألف جمع التّكسير، وغيرها. فالبحث في دلالة الكلمة لا يجب أن يتوقّف عند  المعنى المعجمي، بل يجب أنْ يأخذ في الحسبان الدّلالة الصّرفية التي هي تخصيصٌ للمعنى المعجمي بدلالةٍ محدّدة، فهذا هو المجال الذي يتقاطع فيه علم الدّلالة مع علم الصّرف، ذلك أنّ الحاجة الدّلالية هي التي تطلّبت وجود هذه الصّيغ الصّرفية من أجل تأدية المعاني المتكاثرة.

               يقول ابن جني في باب عقده لأنواع الدّلالة سمَّاه "باب في الدّلالة اللّفظية والصّناعية والمعنوية": <<اعلم أنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الدّلائل معتَدٌّ مراعَى مؤثِّراً إلاَّ أنّها في القوّة والضّعف على ثلاث مراتبَ؛ فأقواهنّ الدّلالة اللّفظية، ثمَّ تليها الدّلالة الصّناعية، ثمّ تليها الدّلالة المعنوية؛ ولنذكر من ذلك ما يصحُّ به الغرض، فمنه جميع الأفعال؛ ففي كلِّ واحدٍ منها الأدلّة الثلاثة؛ ألا ترى إلى "قام" ودلالة لفظه على مصدره، ودلالة بنائه على زمانه، ودلالة معناه على فاعله، فهذه ثلاثة دلائل من لفظه وصيغته ومعناه، وإنَّما كانت الدّلالة الصّناعية أقوى من الدّلالة المعنوية من قِبل أنَّها وإنْ لمْ تكنْ لفظاً، فإنّها صورةٌ يحملها اللّفظ  ويخرج عليها ويستقرُّ على المثال المعتزَم بها، فلمَّا كانتْ كذلك، لحقت بحكمه وجرتْ مجرى اللّفظ المنطوق به، فدخلا بذلك في باب المعلوم والمشاهد، وأمَّا المعنى فإنّما دلالته لاحقة بعلوم الاستدلال وليست في حيز الضّروريات.>> ( الخصائص: 3/98 )

                يستفاد من النّص أنَّ الدّلالة الصّرفية التي سمَّاها ابن جني الدّلالة الصّناعية مُكوِّنٌ من مكوِّنات الكلِّ الدّلالي تُجمَع إلى المكوِّنات الأخرى لتحصيل المعنى الكلِّي، وقد منحها الرُّتبة الثّانية بعد الدّلالة اللّفظية التي هي مناط التّواضع والاصطلاح، وأنَّ في الفعل ثلاثَ دلالاتٍ هي: الدّلالة المعجمية أيْ دلالة الجذر، والدّلالة الصّرفية وهي دلالة الصّيغة التي أُخْرٍج عليها الجذر، والدّلالة المعنوية (التّركيبية) وهي الفاعل المستتر أو المتّصل بالفعل.

Last modified: Wednesday, 11 December 2024, 9:56 AM