السنة الثالثة ليسانس لسانيات عامة                                   علم الدلالة 1                      السداسي الخامس

المحاضرة الخامسة

علم الدّلالة واللّسانيات

                ابتداء نشير إلى أن (علم الدَّلالة) يعتبر مستوى من مستويات الدرس اللّساني شأنه في ذلك شأن المستوى الصّوتي، والمستوى الصّرفي، والمستوى النّحوي وغيره، ذلك أنّه إذا أمكننا أن نَدرُسُ بنى الجُمَلِ صَوتًا وتركيبًا فإنَّه يتحتّم علينا أن نَدرُسَ أيضًا دلالاتِ هذه الجُمَلِ من خلالِ بناها الصَّوتيَّةِ والتَّركيبيَّةِ. وقد صار ممكناً كذلك، في تطوُّرٍ لاحقٍ لعِلمِ الدَّلالةِ، أن تُدرَسَ الدَّلالةَ من خلالِ القيم الحافة بدلالة الألفاظ المركزية التي تتركُها على الكلامِ صيغةً وتركيبًا.

                ولما كانت اللّسانيات تسعى إلى العلمية بتركيز اهتمامها على وصف الجوانب الصّورية للّغة فقط، استبعدت بذلك دراسة المعنى وتجنّبت الخوض في استبطان جوهر الكلمات ودلالاتها، ولم تُعِر حينها اهتماماً  لبعد اللّغة الاجتماعي والثّقافي والنّفسي، إلى أن ظهر علم الدّلالة ليسدّ هذا الفراغ في الدّراسة اللّسانية، فيَتَّبع سيرورة المعنى الديناميكي، ويعمق البحث في الجانب الدّلالي للّغة، ويجتاز تلك الحواجز التي حالت دون خوض اللّسانيين في دراسة المعنى، لأن علم الدّلالة هو ميدان يتجاوز حدود اللّسانيات التي يتعيّن عليها وصف الجوانب الصورية للّغة قبل كل شيء، فالدّلالة ليست ظاهرة لغوية صرفة.

                وباعتبار اللّغة هي نظامٌ للتّواصل والتّفاهم بين أفراد الجماعة اللّغوية، فإنها، بهذا الشّكل تجمع بين جانبين مهمّين، جانب الشّكل اللّغوي من جهة، وجانب المعنى من الطرف الآخر، وهو تقريباً ما نفهمه من المصطلحين المشهورين اللّذين أطلقهما دي سوسير ويعتبران من أهمّ ثنائياته، وهما مصطلحا (الدّال: Signifiant) و(المدلول: Signifié) اللّذين يجمعهما مصطلح (الدّليل) أو (العلامة اللّسانية: signe linguistique).

                وبالرغم من تشابُه اللّغة مع غيرها من أنظمة التّواصل، إلا أنّها تختلف عنها؛ فلِلُّغة وظيفةٌ اجتماعية فَضْلاً على وظيفتها التّواصلية، أضِف إلى ذلك أنَّ نظام التّواصل اللّغويِّ أعقَدُ بِكثير من غيره من أنظمة التّواصل الأخرى، لذا يُؤكِّد كثير من الباحثين أنَّ اللّغة الإنسانيَّة تختلف بدرجة أو بأخرى عن سائِرِ أنْظِمة التّواصل الأخرى، ذلك أنَّه من الصّعب تحديد المقصود بالرِّسالة اللُّغوية، فيمكننا، والحال هذه، أن نقول شيئًا ما، ونعني به شيئًا آخر. أمَّا في أنظمة التّواصل الأخرى، فلا نُصادِفُ هذه الصّعوبة؛ لأن الرّسالة يمكن أن تتحدّد في ضوء اللّغة المستخدَمة؛ ففي علامات المرور مثلاً يعني اللّون الأحمر: قف، فالرّسالة التي يحملها هذا اللّون هو وجوب الوقوف، أمّا بالنّسبة للرّسالة اللّغوية فليس لدينا أمامها حلٌّ سَهْل، لأنّنا لا نستطيع تحديد المعنى المقصود من الرّسالة بشكلٍ مستقِلٍّ؛ إنّنا نستطيع فقط أنْ نذكر معنى مجموعةٍ رموز لغوية باستخدام مجموعة أخرى مقابِلَةٍ؛ أي: إنّنا نستعين باللّغة لفهم اللّغة.

                إنَّ اعتبار "علم الدَّلالة" جزءًا منَ اللّسانيَّات يُشكِّل مُشكِلةً مُهِمَّة، فنحن نعرِف أنَّ اللّسانيَّات: هي الدّراسة العلميَّة للُّغة، والدّراسة العلميَّة دراسةٌ تجريبيَّةٌ، وتَعْنِي الدّراسة التّجريبية: إجراء اختبار للتأكُّد من صِحَّة الموادِّ المختبَرَة، إن الدّراسة التّجريبية يمكن تطبيقها على الأصوات مثلاً؛ لأنَّنا نستطيع مُلاحظةَ ما يَحدُث، فقد نستطيعُ الإصْغاء لشخْص يتحدّث، ونستطيع بواسطة الآلات العلمية قِياس الجوانب الفيزيولوجية والفيزيائية للأصوات المنتَجة، ولكنْ للأسف الشّديد لا نستطيع تطبيق الدّراسة التّجريبية على الدَّلالة.

                هناك صعوبة أخرى تتعلّق بالدَّلالة، فالمعنى لا يثْبتُ على حالٍ واحدةٍ ولا يكون مستقِرّاً دائما؛ وسبب ذلك كونه مرتبطاً دائما بالمتكلمينَ، والمستعمِلِينَ، وأحوالهما، أمّا اللّسانيات فثابتٌ كونها تهتمّ بالنّماذج الصّورية العامّة ولا يشغلها ما هو متعلّق بالأفراد، وهو السّبب الّذي دفع بعض علماء اللّغة إلى التّمييز بين النّظام اللّسانيّ، واستخدام المتكلمينَ لهذا النظام؛ ففي النّحو مثلاً هُنَاكَ قَوَاعِدُ عامَّةٌ، وهذه القواعد تَنْتَمِي إلى النّظام اللّسانيّ؛ ولكنَّنا عِنْدَما نَسْتَخْدِم اللُّغَة في كلامنا لا نتقيَّد بِهَذِه القواعد، وكثيراً ما ننْحرفُ عنها في استعمالاتنا.

                لقد كان "دي سوسير" محقّاً في تصَدّيه لهذه المشكلة عندما ميَّز بين اللّغة "language"، والكلام "parole"، ولقد حذى "تشومسكي" حذوه بعد ذلك عندما ميَّز هو الآخر بين الكفاءة "Competence"، والأداء"Performance". إنَّ الغرض من هذا التّمييز هو استبعاد ما هو فرديّ، أو عَرَضِيّ؛ ما هو متحوِّلٌ غيرُ قارٍّ وغيرُ ثابتٍ، والتّركيز، في الدّراسة اللّسانية الصّحيحة، على التّعامل مع اللّغة أو الكفاءة، ذلك أن اللُّغة أو الكفاءة هي النّظام المثاليّ القارّ والثّابت، وهو الذي يخضع بلا شكٍّ إلى الدّراسة العلمية التّجريبيّة.

                ومع ذلك: نحن في حاجةٍ إلى التّمييز بين ما قدْ يبدو أنّه معنى عاديّ للكلمة أو للجملة، ومعناها الذي تكتسبه في ظروفٍ خاصة مُحَدَّدَة، وهذا بالضَّبْط هو التّمييز بين معنى الكلمة المُعْجَمِيِّ في مقابل المعنى النّاتج عن الاستخدام.

                فالدّراسة اللّسانية الحقيقية لا يجب أن تقفَ عند تشخيص الحدث اللّغوي في مستواه الأدائي، بل عليها أن تبلغ وظيفته الأساسية التي هي التّواصل، وهكذا يكون موضوع اللّسانيات هو اللغة في مظهرها الأدائي، ومظهرها الإبلاغي والتّواصلي جميعاً،

فالبحث اللّساني يبقى ناقصاً ما لم يهتمَّ بجوانب اللّغة جميعها.

Last modified: Wednesday, 11 December 2024, 9:45 AM