مقياس علم الدّلالة                            علم الدلالة 1                          السنة الثالثة ليسانس (س 5)

المحاضرة الرّابعة                                      العلامــــــــــــــــــــــــــــــــــاتُ وفعلُ الدّلالة

        (الدّلالة اللّغوية وغير اللّغوية)

            تستمدُّ الدّلالة حضورها في الفكر الإنساني عامّةً من أهمية اللّغة ذاتها؛ ذلك أنَّ اجتماعية الإنسان إنَّما تتحقّق باللّغة في المقام الأول، وأهميّة اللّغة في كفاءتها الدّلالية أيْ في قدرتها على حمل المعنى؛ لذلك فإنَّ المباحثُ الدّلالية قبل أنْ تكونْ مفاهيمَ لسانيةً خالصةً هي مفاهيمٌ فكريةٌ بالأساس، وإذا كانت الدّلالة هي أمُّ القضايا في الفكر الإنساني كلِّه، فإنّها تمثّل قضية الإنسان الأولى، وأنّ أيَّ حديث عن تاريخ الدّلالة هو حديثٌ، في الواقع، عن تاريخ الإنسان ووجوده، وهو ما يبرّرُ حضور البحث الدّلالي في كلّ ما وصل إلينا من الحضارات الإنسانية بدْءاً بالحضارة اليونانية والهندية ثم الحضارة العربية الإسلامية وانتهاء بالحضارة الغربية، أمَّا حضورها في العلوم عامة والعلوم الإنسانية بخاصة متستمدٌّ من حاجة جميع هذه العلوم إلى المصطلح الذي هو مفهوم  لساني ودلالي قبل أيِّ نسبة أخرى.

                هذا عن المفهوم العام للدّلالة، أمّا عن علم الدّلالة فإنّه لمْ يتبلور علماً قائماً بذاته إلاَّ في أواخر القرن التّاسع عشر مع اللّساني الفرنسي ميشال بريال سنة 1883م  على أنّه مستوىً من مستويات الدّرس اللّساني يتناول موضوع المعنى. والمصطلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح (علم الدّلالة) هو الترجمة العربية للمطلح  الفرنسي sémantique ذي الأصل اليوناني sémantiké  ومعناه: يدُلُّ أو يعني، وجذره كلمة séma أي الإشارة.

                وموضوع هذا العلم هو المعنى المحمول على الدّليل اللّغوي في كلّ المستويات اللّسانية والسّياقات المختلفة دون شكّ.

                وإذا كان التّواصل يتحقّق بين النّاس بحصول الفهم عند المخاطَب وإدراكه المعنى الموجه إليه؛ أيْ باستيعاب المخاطَب المعنى المرسل إليه من قبل المخاطِب، فإنّ حواسُّ الإنسان هي جسوره لهذا التّواصل مع العالم الخارجي، وأنَّ أيَّ تواصلٍ لابدَّ أنْ يمرَّ عبرها ومن خلالها؛ لذلك فإنَّ العلامات والرموز التي يمكن أنْ تحمل إلينا الأفكار الخارجية هي إمَّا علاماتٌ بصريةٌ  كالرّاياتِ والألوانِ ودلالاتِها المتعدّدة، أو علاماتٌ سمعية كالأصوات الطّبيعية أو الصّناعية  ومنها الأصوات اللّغوية، أو علاماتٌ شمِّيةٌ  كروائح العطور مثلا، أو علاماتٌ ذوقيةٌ كالأذواق المختلفة، أو علامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات حسِّيَّة كالإحساس بالبرودة أو الحرارة  أو النّعومة والخشونة؛ وهذه العلامات على كثرتها واختلافها يمكن تصنيفها إلى مؤشراتٍ، ورموزٍ، وأدلَّـة:

1-المؤشّر : هو الذي يحيل إلى معنى معيّن من غير قصد التّبليغ  كدلالة ارتفاع درجة الحرارة  على الحمىَّ أو دلالة اصفرار النّبات على عطشه أو مرضه.

2-الرّمز: هو ما أحال إلى المعنى قصْدًا وكانت بينه وبين معناه علاقة ما كرمز الصّيدلية أو رمز العدالة أو إشارات قانون المرور.

3- الدّليل: هو ما أحال على معنى معين  تواضعا من غير وجود علاقة بينه وبين معناه  ومثاله ألفاظ اللّغة.

فيتضح من ذلك أنَّ الرمز والدليل يختلفان عن المؤشر بوجود النية في التّبليغ فيهما وغيابهما فيه.

                ومن جهة أخرى يمكن تقسيم العلامات إلى علامات لغوية، وعلامــــــــــــــــــــــــات غير لغوية، تشكل الأخيرة مجال الدّراسة في علم العلامات السيميولوجيا فيما تعدُّ الأولى موضوع علم الدلالة؛ ومن هنا تتحدّد العلاقة بين العلمين بأنها علاقةُ جزء  بكلِّه من منطلق أنَّ العلامات اللّغوية هي جزءٌ من منظومة العلامات كلها.

                ولكلِّ نوع من العلامات المذكورة أهميتُه ووظيفتُه الّتي لا تنكر، لأنَّ المعنى يمكن أن يُحمل على أنظمة وأنساق عديدة ومختلفة وكلُّها يقيم التّواصل بشكلٍ ما، إلاَّ أنَّ المنظومة اللّسانية هي الأوسع استعمالا والأكثر وظيفيَّة، ذلك أنَّ اللّسان هو الحامل الأول للمعنى والأكثر فاعليةً في إقامة التّواصل الّذي يعد الوظيفة الأولى له، وقد وجد اللّسان، في الأصل، للبيان والإفهام، قال الله تعالى في سورة الرحمن :  ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ البَيَانَ . ومنه فإنَّ علم الدّلالة يبحث في آليات انتقال المعنى المحمول على العلامة اللّسانية  في مستويات اللّسان المختلفة وفي السّياقات المختلفة.

آخر تعديل: الأربعاء، 11 ديسمبر 2024، 9:42 AM