السنة الثالثة ليسانس لسانيات عامة علم الدّلالة 1 السداسي الخامس
المحاضرة الثانية
إشكالية الدّلالة بين التّطور والتّغيير
أ / الأسبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب
1. مصطلح التّغيّر الدّلالي:
يُستعمل مصطلح (التغيّر الدّلالي) ليدلَّ على تغيّر معنى الكلمة عبر حقبٍ زمنية مختلفة، فيحدثُ أن يعْلو معناها، أو أنْ ينحطّ، أو يتوسَّع، أو ينحسر، أو يتغيّر بسبب المجاز وغيرها. وهناك مصطلحٌ موازٍ كثيراً ما يستعمله المحدثون للدلالة على نفس المعنى هو مصطلح (التّطور الدّلالي)، إذْ إنّ التطور في مفهوم علم الدلالة لا يكون في اتجاه متصاعد دائماً، وإنما قد يحدث وأن يضيق المعنى، أو يخصص، بعدما كان متسعاً، وقد ينتقل من المعنى العام إلى الخاص وغيرها.
2. سمات التّغيّر الدّلالي:
يتّسم التّغيّر اللّغوي عموماً، والتّغيّر الدّلالي خصوصاً بالخصائص التّالية:
1.2 أنّه يسير ببطء وتدرج، فلا يحدث بين عشيّة وضحاها.
2.2 أنّه لا دخل للإرادة الإنسانية فيه؛ فهو يحدث من تلقاء نفسه بطريقة آلية إلا عند أهل الاختصاص حين وضع المصطلحات.
3.2 أنّه مُقيّد بالمكان والزمان؛ فمعظم ظواهره مرتبطةٌ ببيئة معينة وعصر خاص، فلا يلحق جميع اللغات الإنسانية في صورة واحدة، ووقت واحد.
4.2 أنّ الدلالة الجديدة للفظ ترتبط غالباً بالدّلالة التي كان يحملها من قبل.
5.2 أنّه جبري الظاهر؛ فهو يخضع لقوانين دلالية إذا تحقٌقـــــت حدث التّغيّر.
6.2 أنّه إذا حدث تغيّر دلالي في بيئةٍ معينةٍ ظهر أثره في استعمال جميع أفراد هذه البيئة.
3. أسباب التّغيّر الدّلالي (العوامل):
تجتمع عدة أسباب على الكلمة فتؤدّي إلى تغيير دلالتها، وتتنوّع هذه الأسباب بين اللّغوية، والتاريخية، والثقافية، والنفسية، والاجتماعية، وقد يجتمع أكثر من سبب فيؤدّي إلى تغيير دلالة كلمة من الكلمات، ويمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي:
1.3 الأسباب اللغوية:
عندما يستحدث أفراد الجماعة اللغوية معنىً جديداً فإنهم يحتاجون إلى حاملٍ لغوي لهذا المعنى الجديد، فيصكون له لفظاً جديداً على وزنٍ من أوزان لغتهم، أو يبحثون له عن كلمة من معجم لغتهم اندثرت دلالتها فيُحيونها بإطلاقها على هذا المعنى المستحدث، على شاكلة؛ المدفع، الدبابة، والسيارة، والقاطرة، والثلاجة، والسخان، والمذياع، والتسجيل، والجرائد، والصحف وغيرها من الألفاظ التي أحياها الناس أو قاموا باشتقاقها وخلعوا عليها دلالات جديدة تطليها حياتهم الجديدة.
2.3 الأسباب الثقافية:
ويكون في شكل الانتقال من الدلالات الحسية إلى الدلالات التجريدية نتيجة تطور العقل الانساني ورقيّه، وقد يكون في شكل اتفاق مجموعة فرعية ذات ثقافة مختلفة على استخدام ألفاظ معينة في دلالات تحدّدها تتماشى مع الأشياء والتجارب والمفاهيم الملائمة لمهنتها أو ثقافتها. وقد يكون في شكل استمرار استخدام اللفظ ذي المدلول القديم وإطلاقه على مدلول حديث للإحساس باستمرار الوظيفة رغم الاختلاف في الشكل مثل الكلمات: سفينة Ship / كتاب Book/ منزل House التي لا تزال تطلق على الشكل الحديث رغم تغيّره عن الشّكل القديم.
وقد ظهر في اللغة العربية أثر هذا التغيّر بمجيء الإسلام بثقافته الجديدة، وترتب عليه تغيرات دلالية كبيرة في كثير من الألفاظ مثل الكلمات: (الإسلام) من السلم، التي تغيّرت دلالتها إلى (الخضوع لتعاليم الديانة الإسلامية)، و(الصلاة) التي كانت تحمل معنى الدعاء، وأصبح يراد بها (الفريضة والعبادة المعروفة)، و(الحج) التي كانت تعني قبل الإسلام (القصد) ثمّ تغيّر معناها إلى (التوجه إلى مكة لأداء الشّعيرة الدينية المعروفة) وغيرها.
3.3 الأسباب النّفسية:
ويرتبط هذا الأساس النفسي بتلك المشاعر النفسية للجماعة اللغوية التي تفرض حَضْرا على بعض الألفاظ، ويطلق على هذه الظاهرة اللامساس Taboo؛ وهذه الظاهرة تطلق على كل ما هو مقدّس أو ملعون ويُحرم لَمْسه أو الاقتراب منه لأسباب خفية، فإذا اصطدمت كلمة ما بحظر الاستعمال، حلت محلها أخرى خالية من الضّرر والأذى. ومن أمثلته:
- أطلق العربُ قديما على 'الصحراء' "مفازة" تفاؤلا وتجنبا لكلمة مهلكة.
- أطلقوا على مُعْوجُّ الرِّجْل "أحنف" (المستقيم)، لأنهم تطيروا من الإعوجاج إلى الاستقامة.
- كما قالوا للملدوغ "السليم"، وللأعمى "البصير"، وللأسود "أبو البيضاء" ...إلخ.
4. الأسباب التاريخية:
إن الكلمات عرضة للتّطور والتّغيّر، ويكون هذا واضحاً عند انتقال الألفاظ من عصرٍ تاريخي إلى عصر آخر، أو من فترةٍ تاريخية إلى فترة جديدة حدث فيها تغيُّر في حياة النّاس وعاداتهم وتقاليدهم ومُثُلِهم ومخترعاتهم وما جدّ عليهم من صناعات جديدة وعلوم وفنون حديثة، كلّ هذا لابدّ وأن يجاريه تطور في الألفاظ وتغيّر في الدّلالة.
5. الأسباب الاجتماعية:
كل تطوُّر في حياة الأمة يترك أثراً قويّاً واضحاً في لغتها؛ وتستجيب الأمم عادة لهذا التّطوّر فتعمل على تغيير الدّلالات في بعض ألفاظها حتى يُمكِن أن تُساير الزّمن، أو تستعير ما هي بحاجة إليه من ألفاظ اللغات الأخرى.
6. الأسباب الاقتصادية والسّياسية:
قد تكون الدّعاية السياسية أو الاقتصادية حافزاً كبيراً لتوليد ألفاظٍ جديدة الدّلالة، فأصحاب الإعلانات التّجارية لا يألون جهداً في تخيُّر الألفاظ وصياغتها بدلالات جديدة رغبة في رواج بضاعتهم و وتنشيط أسواقهم.